حقّق زهران ممداني إنجازاً تاريخياً بفوزه في انتخابات عمدة مدينة نيويورك مساء الثلاثاء الماضي، ليصبح أصغر عمدة للمدينة منذ أكثر من قرن، وأول مسلم يقودها. لكن والدته كانت قد شقّت طريقها الخاص في سجلات التاريخ قبل عقود. تُعتبر ميرا ناير، البالغة من العمر 68 عاماً، واحدة من أبرز مخرجي الأفلام المستقلة في جيلها، فهي مخرجة حوّلت ميزانيات متواضعة إلى أفلام نالت إعجاب النقاد وحققت نجاحاً لافتاً في شباك التذاكر، رافضةً التنازل عن رؤيتها الفنية.
مشهد إعلان فوز ممداني جاء أقرب إلى نهاية فيلم هوليوودي-بوليوودي. فالرجل الذي استمد حملته الانتخابية من رموز السينما الهندية، استطاع تحويل لغة الفنّ الجماهيري خطاباً سياسياً عابراً للثقافات، وأربكَ في الوقت نفسه حسابات هوليوود الليبرالية التي لطالما اعتبرت نفسها الحاضنة الطبيعية للتقدّميين الأميركيين"، بحسب ما يذكر تقرير لرويترز.
حققت ناير انطلاقتها في العام 1988 بفيلم "سلام بومباي!"، وهو فيلمٌ جريءٌ يُصوّر أطفال الشوارع في مومباي، بكلفة 450 ألف دولار فقط، وحقّق إيراداتٍ تُقدّر بنحو 7.4 مليون دولار عالمياً. رُشِّح الفيلم لجائزة أوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، وفاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان "كانّ"، ليصبح ثاني فيلم هندي يُرشَّح لجائزة أوسكار على الإطلاق. وباستخدام العائدات، أنشأت ناير مؤسسة سلام بالاك، وهي منظمة غير ربحية تواصل تقديم الدعم لأطفال الشوارع في دلهي ومومباي.
وُلدت ناير في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1957 في روركيلا بالهند، ودرست في جامعة دلهي وجامعة هارفارد قبل أن تنتقل من التمثيل إلى صناعة الأفلام الوثائقية بعد التحاقها بدورة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مع رائد سينما الواقع ريتشارد ليكوك. أسّست شركة إنتاج خاصة بها، ميراباي فيلمز، العام 1989، مُحافظةً على سيطرتها الإبداعية على مشاريع استكشفت الهوية الثقافية والشتات والأصوات التي غالباً ما تُهمَل في السرديات الهوليوودية.
حقّق فيلمها "ميسيسيبي ماسالا" (1991)، من بطولة دينزل واشنطن وساريتا تشودري، إيرادات بلغت 7.3 مليون دولار، وفاز بجائزة أفضل سيناريو أصلي في مهرجان البندقية السينمائي. خلال تحضيرها للفيلم في أوغندا، التقت ناير بزوجها، عالم السياسة محمود ممداني، والد زهران. لكن النجاح التجاري الأكبر حققته ناير مع فيلم "زفاف مونسون" العام 2001، بكلفة بلغت حوالى 1.5 مليون دولار، وصُوّر في 30 يوماً فقط بكاميرات محمولة، وأصبح الفيلم ظاهرة، محققاً إيرادات تجاوزت 30 مليون دولار عالمياً. بلغ إجمالي الإيرادات المحلية في الولايات المتحدة وحدها 13.9 مليون دولار، وهو رقم قياسي لفيلم هندي في أميركا الشمالية، صمد حتى تجاوزه فيلم "باهوبالي" العام 2017. والأهمّ من ذلك، أصبحت ناير أول مخرجة تفوز بجائزة الأسد الذهبي، الجائزة الكبرى لمهرجان البندقية، أقدم مهرجان سينمائي في العالم.
وقالت ناير عند استلامها الجائزة: "هذا الفيلم من أجل الهند، الهند الحبيبة، مصدر إلهامي الدائم".
وأظهرَ نجاح الفيلم قدرة ناير على بناء جسور التواصل بين الثقافات والأسواق. منحَ الناقد السينمائي الأميركي الشهير روجر إيبرت "زفاف مونسون" 3.5 نجوم من أصل 4، واصفاً إياه بأنه "أحد تلك الأفلام المبهجة التي تتجاوز الحدود الوطنية وتحتفي بالطبيعة البشرية العالمية".
واصلت ناير الإخراج في مختلف الأنواع والميزانيات، بما في ذلك فيلم "فانيتي فير" (2004) من بطولة ريس ويذرسبون، وفيلم "السُمي" (2006) المقتبس من رواية جومبا لاهيري، وفيلم ديزني "ملكة كاتوي" (2016)، من بطولة لوبيتا نيونغو وديفيد أويلوو. والجدير بالذكر أن ابنها، عمدة مدينة نيويورك الجديد، زهران ممداني، عمل مشرفاً موسيقياً على فيلم "ملكة كاتوي"، وحصل على ترشيح من جوائز نقابة مشرفي الموسيقى. وطوال مسيرتها الفنية، فضّلت ناير النزاهة الفنّية على الضغوط التجارية. أشهر مثال؟ رفضها عرض شركة وارنر براذرز لإخراج فيلم "هاري بوتر وكأس النار"، مفضّلةً بدلاً منه إخراج فيلم "السُمي" (2006) The Namesake. وعندما سُئلت عن هذا القرار خلال مهرجان جايبور الأدبي للعام 2018 كشفت أن ابنها، زهران، البالغ آنذاك 14 عاماً، ساعدها في الاختيار.
قالت ناير: "كانوا قد شاهدوا "فانيتي فير"، ورأوا مدى حيويته وجاذبيته ونجاحه، وفكّروا في وارنر براذرز، حسناً، لقد حققنا نجاحاً كبيراً مع المكسيكي ألفونسو كوارون في إخراج "هاري بوتر 3"، فلماذا لا نتعاون مع فنّانة من العالم الثالث لإنتاج هاري بوتر 4". ويمتد التزامها بالقضايا الاجتماعية إلى ما هو أبعد من مجرد إخراج الأفلام. بالإضافة إلى مؤسسة "سلام بالاك"، أسّست ناير مختبر مايشا السينمائي العام 2004، وهو برنامج تدريبي مجاني لصانعي الأفلام الناشئين في شرق إفريقيا. في العام 2012، منحتها الحكومة الهندية جائزة بادما بوشان، ثالث أعلى وسام مدني في البلاد.
تلقّت ناير ترشيحين لجائزة أوسكار، وترشيحين لجائزة بافتا، وترشيحين لجائزة سيزار، وفازت بجوائز في مهرجاني كانّ والبندقية السينمائيين. تشتهر أفلامها بأسلوبها القصصي المتأثر بالأفلام الوثائقية، وسردها العابر للثقافات، ومزجها بين الواقعية الاجتماعية والنسيج الثقافي الغني. في سنّ الثامنة والستين، ما زالت ناير تشارك بنشاط في صناعة الأفلام. قدّمت مؤخراً فيلم "كاكتوس بيرز" لعرضه في أميركا الشمالية، وتعمل على تحويل فيلمها "زفاف مونسون" إلى مسرحية موسيقية. كما أن شركة إنتاجها لديها المزيد من المشاريع قيد التنفيذ.
يُمثل مسار ناير المهني نموذجاً مُعاكساً لقصص النجاح التقليدية في هوليوود. بدلاً من السعي وراء موازنات الأفلام الضخمة، بنتْ سُمعتها على أفلام حققت إيرادات متواضعة لكنها نالت إشادة النقاد وتأثيراً ثقافياً. بلغت كلفة إنتاج أفلام "سلام بومباي!" و"ميسيسيبي ماسالا" و"زفاف مونسون" مجتمعةً أقل من 7 ملايين دولار، لكنها حققت إيرادات تجاوزت 45 مليون دولار عالمياً وحصدت عديد الجوائز.. تُقدر ثروتها الصافية بحوالى 5 ملايين دولار، ويعود ذلك أساساً إلى عملها مع شركة "ميراباي فيلمز"، بالإضافة إلى أعمالها في الإخراج والإنتاج والمنح والعوائد. ورغم تواضع هذا الرقم مقارنةً بأرباح مخرجي هوليوود الرئيسيين، إلا أنه يعكس مسيرة مهنية مبنية على الخيارات الفنية بدلاً من الحسابات التجارية.
بينما يستعد زهران ممداني لتولّي منصبه في الأول من يناير 2026، بصفته عمدة مدينة نيويورك الرقم 111، يفعل ذلك حاملاً معه دروساً مستفادة من مشاهدة والدته وهي تشقّ طريقها في صناعة السينما بشروطها الخاصة. في مقابلةٍ العام 2013، وصفت ناير ابنها بأنه "أوكسجيني ووقودي" أثناء مناقشة فيلم "الأصولي المتردد"، وهو الفيلم الذي لاقى صدى خاصاً لدى الشابّ ممداني وأثّر على رؤيته السياسية للعالم. أخيراً، من نافل القول الإشارة إلى دعمها الصريح للقضية الفلسطينية، كما ابنها، عمدة نيويورك الجديد. استخدمت أفلامها وعروضها العامة لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، كما دعمت صانعي أفلام فلسطينيين ومشاريع ثقافية، ما ساعد على إيصال قصصهم إلى الجمهور العالمي. كما أن زوجها السابق محمود ممداني أكاديمي بارز لديه اهتمام بالمسائل الفلسطينية.
