"سكتت عن الكلام المباح" في مسرح "دوار الشمس"، نص محبوك من شهادات نقرأها يومياً عن العنف الأسري المسكوت عنه داخل جدران المنازل، يسردها المخرج والكاتب والممثل عصام بو خالد في عمل مسرحي مستفز وصادم وساخر حتى حدود العجز والألم المكبوت.
"سكتت عن الكلام المباح" عنوان – جملة موروثة من تراثنا الأدبي القديم، يستعيده بو خالد في قصة امرأة ميتة ممدّدة على مشرحة الطبيب الشرعي، تنتظر زوجها المعنّف ليتعرف عليها بعدما أرداها جثة. وقد أتى العمل المسرحي بمبادرة من "مؤسسة أديان"، الجمعية غير الحكومية التي تعمل لبنانياً كحاضنة لجميع الأديان والمعتقدات بمقاربتها الإيجابية للتنوع الثقافي والإرث الحضاري وقدسية الضمير البشري وكرامة الانسان وحقوقه وبأهمية التضامن العابر للانتماءات.
"سكتت.." عمل مسرحي من انتاج "اديان" وبالتعاون مع جمعية "أبعاد"، التي تعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من خلال تطوير السياسات القانونية ومكافحة العنف والتمييز ضد المرأة وإشراك الرجال في تغيير السلوكيات والممارسات.
الجسد الحاضر بموته
يقدم عصام بو خالد عملا فنياً خالصاً، نصاً وإخراجاً، رغم اعتماد روحيته من سياسات وأهداف الجمعيات المدنية التي تعنى بالشباب وتمكين المرأة والحق الإنساني. بعد "شو بتفرق؟" و"من جارور لجارور" وهي من الأعمال التي أنتجت بدعم من الجمعيات المدنية بهدف نشر التوعية الاجتماعية.
مسرحية "سكتت" هي الأكثر انحيازاً إلى الدراما والمتحررة من قوالب الخطاب الجمعياتي المباشر. حوار موجع وموغل في شهادات واقعية درامية، شخصيات منحوتة نحتاً، تمثيلاً وأداء، بدءاً من برناديت حديب الغائبة عن الحياة الحاضرة بقوة فيزيائية جسدها وملامح وجهها الصامت والصارخ احتجاجاً على السلطة الذكورية وممارساتها... إلى عصام بو خالد، الرجل الملتبس، ثنائي الحب والعنف، الساخر حيناً، العنيف أحياناً، الضعيف وصاحب الشخصية الأكثر هشاشة في بعض الأحيان، يروي لنا ما حصل لزوجته. يروي من زوايا متناقضة وقاسية ملتبسة في أداء يجيده بو خالد الغائب عن المسرح تمثيلاً منذ أعماله الفارقة في مسيرته الفنية مثل "صفحة 7" مع فادي أبي سمرا و"كارنيفوروس" مع رفيقة دربه برناديت حديب.
الحضور التمثيلي الآسر في "سكتت" يشارك فيه شربل عون، الطبيب الشرعي، وأحمد الخطيب، المعالج النفسي من طريق الموسيقى... إلى جانب حضور علي بليبل المساند، ليخرج العمل الممسوك إيقاعاً ونصاً.
مشرحة الحب
السينوغرافيا (فيكتور داغر) عنصر رئيس في "سكتت "، مثل جميع أعمال بوخالد والتعاون مع المسرحي المخضرم سرمد لويس. السينوغرافيا عبارة عن طاولة مشرحة للموت تارة، وبساط ريح متخيّل لحب لا يدوم، ووظائف عديدة يحولها بو خالد في أعماله بصرياً وجمالياً حكاية إنسانية ساخرة باكية وغاضبة من كل ما يجري حولنا من ظلم السلطات، كافة السلطات، وصولاً إلى ظلم ذوي القربى في هذا العمل الذي يختلط فيه العنف بالجسد المتيبس بالمشاعر والصراخ المكبوت.
الجسد والكدمات تروي. والرجل يروي حبه القاتل لزوجته. القاتل يروي ويبرر، يحن ويعنف، يبكي ويضحك، والطبيب الشرعي يدوّن التناقضات والمعالج الموسيقي يعزف، علّ الجسد الميت يعود ليخبر ما حصل.
"سكتت" عرض موغل في الوجع والألم والأعراف الاجتماعية الجائرة والوقحة التي تأتي من أعلى السلطات لتطعن الحق الإنساني. في "سكتت"، شهرزاد لم تحكِ لنا كما حكاية الموروث، بل شهريار القاتل هو من حكى، بكل تناقضاته وهشاشته وسلطته، فيما قالت شهرزاد جسدها المنتهك واختصرت الحكاية والحقيقة.
