حسام الدين محمد في "رسالة اللاغفران" على درب النجاة

بشير البكر الاثنين 2025/11/10
Image-1762769034
حجم الخط
مشاركة عبر

كتاب الصحافي والشاعر حسام الدين محمد " رسالة اللاغفران.. نقد ثقافي على تخوم مضطربة" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، عمل يندرج في إطار فن المقالة التي تتناول ظواهر وتجارب وأحداث، وتفصح عن نفسها، من القراءة الأولى، بأنها ثمرة جهد ومتابعة مديدة لكاتب أمضى عدة عقود بين الكتب والصحف، منذ أن عمل، في طفولته إلى جانب والده في صناعة الكتاب، حينما أسس مطبعة قرب محطة الحجاز وسط دمشق أعطاها اسم "دار العلوم"، وبعد ذلك انتقل لبيروت ليكمل في المجال نفسه، ولكن حرب اسرائيل على لبنان في العام 1982، اضطرته للمغادرة إلى قبرص، ومن ثم إلى لندن، حيث استقر، وعمل في صحيفة القدس العربي حتى الآن.

 

رحلة حياة وشغف بالكلمات ورائحة الحبر والورق، وطباعة الكتب والصحف، دواوين شعر وكتب علوم وسياسة وفيزياء ورياضيات، توقظ حلم اكتناه المعارف، وجه خطاه على دروبها "اسطرلاب المتاهة"، متكئاً على رؤيا المتصوف النفري "في المغامرة جزء من النجاة" نحو تقاطعات ونقاط تلاقي واشتباكات تخوم العالم العربي الإسلامي بالغرب.

 

يكتب حسام الدين محمد بأسلوب أدبي، وسرد خاص به عابر للاختصاصات، تتشابك فيه مقاربات العلوم الاجتماعية والإنسانية، من تاريخ، وفكر، وفكر نظري، وفلسفة، واجتماع، لا يقتصر على تقدير وتحليل الأعمال والظواهر والشخصيات من منظور أدبي؛ بل بناء روابط تفاعلية بين الأدب والعلوم بتخصصاتها المختلفة، وحينما يقدم نقداً ثقافياً لأعمال أدبية وفنية، فإنه يعتمد على إقامة صلة قرابة، تجمع بينه وبين المؤلف والقارئ على قدم المساواة. لا تتوخى القراءة النقدية تفكيكاً أو تفسيراً للنص؛ بل تواصلاً معه، بحيث تظهر النصوص التي نوقشت عبر سماتها الأسلوبية، ومن بينها أهمية وخصائص الكتابة نفسها، حيث يتنافس التحليل مع الكتابة وفق رولان بارت، في مواصلة النقاش النقدي للثقافة في المجال العام لطلاب الأدب والفلسفة والعلوم الإنسانية، ولكل من يقتات على نثر الأفكار ويرغب في ذلك بوعي كامل، ولذا نجد أن الكاتب يشرق ويغرب، مرة يغوص في عالم الأدب، وأخرى في السفر والرحلة، وثالثة في العلوم، من دون الرغبة في حصر نفسه في مكان محدد، وقبل كل شيء، من دون الرغبة في إرساء معيارية تنطبق على أكثر من مجرد "كل كتاب" لـِ "كل كاتب"، وهو ما يطرح، بطريقته الخاصة على نحو يسمح بالتفكير بحرية، وتجريبية أكبر.

 

Image-1762769207

 

يبرز في الكتاب تمكن المؤلف من فن المقالة كتمرين فكري واختبار للتأمل، وتمرسه في عرض أفكاره، إذا يبدو النص المكتوب بمهنية وعناية ضرورة لبناء نص محكم الأسلوب، ثري لغوياً، وعلى درجة من المتانة، تحوله إلى فعل جمالي متكامل. مقال متحرر فكرياً وفنياً. مرح، ولكنه بالغ الجدية. يمزج بين التأمل النظري والإعلام، بل وحتى التداخل بين الوسائط، في شكلٍ يدفع اللغة الفلسفية إلى أقصى حدودها، كي يبدو المقال النظري شكلاً جمالياً بروح وخلفية فلسفية، يتلاعب باللغة، في مسعىً إلى إثارة المتعة الفكرية.

 

المقال عند حسام الدين محمد، لا يخضع لقواعد صارمة، متعدد الجوانب، وجريء، يُشجع على خلق وجهات نظر جديدة. فيه، تُتاح القراءات غير التقليدية، والفرضيات التي لا يمكن الدفاع عنها، والاستطرادات، والنكسات، جميعها مسموح بها. يصقل كاتب المقال مهاراته النقدية وخياله، مُثبتًا أنه لا توجد حقيقة بمنأىً عن الشك. باختصار، المقال جزءٌ من عملية بحثٍ إبداعية مثمرة للغاية؛ إذ يجمع بين خيال الكاتب عن عدم الانضباط، وعمل الباحث المتعمق، الذي ينفق وقتاً طويلاً في قراءة كتاب علمي صادر حديثاً باللغة الإنكليزية، ومن بعد ذلك يشارك متعة هذا العمل، بكل أمانة، مع القارئ.

 

مقال قادر على استيعاب خطابات مختلفة. هذا هو المبدأ الكامن وراء النظرة التعددية التي تتجه لسبر أعماق أنواع أدبية، واستيعاب المعرفة الفلسفية والعلمية، وحشد المؤلف جميع الوسائل الفكرية والأشكال الشعرية لتسليط الضوء على ما لا يمكن إلا للفن العلم الوصول إليه، وكما هو الحال في الرواية، يبدو لنا المقال مسامياً ومرناً، قادراً على دمج الحكايات والقصص والرسائل ومقتطفات الصحف والمقابلات والحوارات والمواقف والفكر الأكاديمي، وما إلى ذلك، من مناورات نقدية تضع فن المقال، بين اللعب والجرأة الفكرية.

 

يعتمد الكتاب أسلوب السرد ذا المنحى غير الكلاسيكي، وتتبدى مهارة ورشاقة العرض في عدة مقالات، ومن بين الأمثلة التي تشد قارئ الكتاب تلك التي خص بها شخصيات إشكالية تقع على حدود السياسة والثقافة، عدوانية ولكنها تثير الشفقة، تثير غباراً دائماً من حولها، بسبب دخولها في نزاعات مفتوحة ذات طابع دونكيشوتي عدواني مع القريب والبعيد، الرجل والمرأة، باستخدام أسلحة حادة موجهة بوعي ساذج حيناً ومرضي في أحيان أخرى، نابع من آلام وأمراض فيزيائية مثل حالة الشاعر وكاتب السيناريو الراحل حكم البابا، الذي خصه بالمقالة التي حملت عنوان الكتاب، "كلما تقدم مرض السرطان في جسده ابتعد عن الغفران" والاحترام المتبادل، من دون أن يرى ان المرض يمكن أن يكون لحظة امتحان أخلاقي، يرتقي بالكائن. والصنف الآخر يتناول شخصيات تعتمد أسلوب السخرية السلبية بعدوانية للتنمر على من يختلف معها كرسام الكاريكاتير علي فرزات، الذي يجسد الغرور الفني والشخصية الكئيبة للفنان، عندما تراوح بين الخطأ والتيه.

 

ثمة جهد كبير وضعه المؤلف في كتابة كل مقال، مثال ذلك مراجعة كتاب ريتشارد غابرييل "محمد جنرال الإسلام"، الذي يركز على فكرة أن الرسول العربي أحدث ثورة في الطريقة التي خاض بها العرب حروبهم سابقاً، باستخدام القوة على نحو تكتيكي، وإعلاء السياسي على العسكري مثل تعيينه أفضل المحاربين من أعدائه السابقين في مناصب قيادية بمجرد اعتناقهم الإسلام، وينسب كل الإنجازات التي تحققت إلى تحويله للجيوش العربية، وطريقتها في الحرب. ويتجلى الجهد أكبر في مقالين آخرين أحدهما عن موقف حجة الاسلام أبو حامد الغزالي من الفلاسفة، والثاني عن المتنبي، وادعائه النبوة وأصوله الملتبسة بين التشيع والإسماعيلية، ويعرج في ذلك على متنبي الأندلس ابن هانئ الاندلسي، الذي نافسه في مدح الحكام، ولقي مصيره نفسه بفارق عام واحد، الأول على شواطئ دجلة، والثاني على شواطئ برقة في ليبيا.

 

كتاب كرس له المؤلف وقتاً طويلاً، وكتبه على مراحل متباعدة، لمَّ فيه شتات الكثير من الأفكار والتأملات، في طريقته رحلته الطويلة بين مسقط الرأس حي الميدان الدمشقي، ومدينة لندن التي شدته بسحرها وفضاءاتها المفتوحة بلا قيود، ووفرت له حرية فكرية، ومهنية، بما هي مركز ثقافي ومستقر.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث