"إذا تمّكنت من النجاح هناك، فسأنجح في أي مكان كان، الأمر متروك لك نيويورك نيويورك... أريد أن أكون جزءًا منها، أريد أن أستيقظ في المدينة التي لا تنام... سأبدأ بداية جديدة تمامًا، في نيويورك القديمة" (أغنية فرانك سيناترا)
انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي شريط فيديو يظهر عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني وهو يرقص احتفالاً بفوزه التاريخي في هذه الانتخابات الثلاثاء على وقع أغنية "نيويورك" الشهيرة للمغنية الأميركية أليشيا كيز، في مشهد يجّسد نبض هذه المدينة وتاريخها كمكان تتحقق فيه كل الأحلام والطموحات. وللمفارقات فإن هذه المدينة نفسها التي أعطت الرئيس دونالد ترامب امبراطوريته العقارية وأطلقت مسيرته إلى البيت الأبيض، منحت اليوم في زلزال سياسي صوتها لأول مسلم وأول متحدّر من جنوب آسيا مولود في إفريقيا، وهذا ما يرسّخ صورة نيويورك التقدّمية كساحة قادرة على استيعاب الجميع. هذه الأغنية التي تخّلد أكبر مدينة في الولايات المتحدة، وتعكس هويتها الثقافية هي ضمن لائحة طويلة من الأغاني التي تتناول نيويورك، لكن لا تزال أشهرها رائعة فرانك سيناترا "ثيم فروم نيويورك" التي تحتفي بالبدايات الجديدة والانطلاقة الطموحة.
قلّما ألهمت مدن في العالم هذا الكمّ من الأغاني كما ألهمت نيويورك، قرابة 25، وقد تنافسها في المرتبة الثانية الأغاني التي تصف تألق باريس وسحرها، وقلّة من الأغاني تنقل روح نيويورك بقوة مؤثرة كما تفعل أغنيتا فرانك سيناترا التي صدرت في العام 1979 وأليشيا كيز، واسمها الأساسي "إمباير ستيت أوف مايند (الجزء الثاني) بروكن داون" الصادرة في العام 2009 بعد النجاح الهائل الذي حققته النسخة الأصلية الأولى، وهي أغنية هيب هوب بإيقاع قوي جسدت التعاون بينها وبين مغني الراب الأميركي الشهير جاي زي الذي يبدأ الغناء بكلمات تنقل بريق نيويورك وصخبها، وتلخص قصة نجاحه، وتحولت إلى نشيد عالمي عن المثابرة والفرص التي تمنحها هذه المدينة المتنوعة.
وعلى الرغم من فارق ثلاثة عقود بين الأغنيتين وإيقاعهما الموسيقي المختلف، إلا أنهما تحتفيان بالنحو نفسه بالمدينة كونها ترمز إلى الحلم الأميركي وتشكل أسطورة للتطور وتجديد الذات، وتعكس كل منهما رؤية عصر مختلف للمدينة تماماً كما كانت صورتها بالأمس تجمع بين فرحة المهاجرين والفقراء وهيبة أصحاب المليارات والمشاهير.
فما قصة هاتين الأغنيتين الإيقونيتين؟
تجسد أغنية فرانك سيناترا "نيويورك نيويورك" بإيقاعها المسرحي الذي ينقل المستمع مباشرةً إلى برودواي، العصر الذهبي للحلم الأميركي، وقد كتبت أساساً كأغنية فيلم "نيويورك نيويورك" للمخرج مارتن سكورسيزي في العام 1977 وأدتها في الفيلم الممثلة والمغنية الأميركية ليزا مينيللي بأسلوب جاز، حيث لعبت دور البطولة أمام النجم الأميركي روبرت دي نيرو. الأغنية التي كتبها فريد إيب ولحنها جون كاندر، الثنائي الشهير في كتابة الأغاني والمعروف بنجاحاته الباهرة في برودواي مثل شيكاغو، أعاد سيناترا أداءها في العام 1979 لتنال شهرة واسعة تجاوزت كل الحدود لأنها باتت رمزاً لقوة الإرادة والمثابرة والرحيل من بلدات صغيرة إلى نيويورك وتحقيق النجاحات حين يقول "أحزان المدينة الصغيرة هذه، تتلاشى كلها، سأبدأ بداية جديدة تماماً، هنا في نيويورك القديمة"، أداء واثق وقوي بات نشيداً لأي شخص يريد أن يتصدر أن "يصبح الأول" كما يقول.
أغنية أيقونية جريئة بصوت سيناترا وبلحن كلاسيكي تصاعدي يعكس أجواء المسرح، احتفالية تعطي قوة وزخماً لكل من يريد أن يكون "جزءاً من هذه المدينة التي لا تنام" وتثّبت في الأذهان الجملة الجوهرية فيها "إذا تمكنت من النجاح هناك فسأتمكن من النجاح في أي مكان كان"، لتصبح شعاراً لتحقيق الطموحات والتقدم وتحويلها إلى أمجاد، خصوصاً أنها صدرت في حقبة تميزت بوجود الثقة والاستقرار والانجازات حين كانت البلاد تخرج من الأزمة المالية. هي واحدة من أكثر الأعمال الموسيقية الخالدة تكريماً لأشهر مدينة أميركية، ويبدأ توزيعها الموسيقي بهدوء ويتطور تدريجياً إلى دورة أوركسترالية تصّور قصص النجاح مع إحساس بتحدي صعوبات الحياة والاحتفال، مجسدةً قوة نيويورك الأسطورية كميدان اختبار للمواهب والعمل الدؤوب، ومساحة تتضمن إمكانات هائلة لا تنضب، وهو ما يضفي على الأغنية ثراءً عاطفياً لأن النجاح لا يأتي مجاناً؛ إنما بالعمل بشق الأنفس.
في المقابل، تعطي أغنية أليشيا كيز التي أدتها في النسخة الثانية على البيانو منفردة، صورةً أكثر واقعية للمدينة مقدمة إياها كملاذ للصمود وإعادة اكتشاف الذات في وجه الصعوبات، ويعكس صوت كيز مرونة سكان نيويورك، وقدرتهم على تجاوز المحن وإيجاد الأمل وسط الفوضى، هي تقول إن النجاح في نيويورك يأتي نتيجة الصلابة الداخلية، قوة الذات مشددةً على العظمة بأن يكون الشخص جزءاً من هذه المدينة بالقول "أرى وجهي في الأضواء أو اسمي على لافتات برودواي". نسخة كيز تنطوي على مشاعر شجن لكنها مفعمة بالأمل، وتحمل كلمات الأغنية معنىً تأملياً مُقرَّةً بمصاعب الحياة في نيويورك، ومؤكدةً في الوقت نفسه قدرة المدينة على أن تكون ملهمةً لسكانها، خلافاً للنسخة الأولى مع مغني الراب جاي زي التي جاءت احتفالية بنجاح باهر.
عن إصدار هذه النسخة المنفردة بعد الأغنية الأصلية وتعاونها مع جاي زي تقول أليشيا كيز: "أردت بالتأكيد أن أقدّم نسختي الخاصة من الأغنية، ورؤيتي لنيويورك وما أشعر به تجاهها. أردت أن أقدمها بأسلوبي الخاص-أكثر تفصيلاً- وأكثر على البيانو" مضيفةً "تخيلت- لو استطعت غناء هذه الأغنية كاملة، فكيف سأفعلها؟- لذا جلست أمام البيانو وفكرت فيها وبدأت أغني نيويورك كما أراها، وكانت النتيجة رائعة". تبدأ كيز أغنيتها بالتحدث عن نشأتها في المدينة التي اشتهرت بأنها محور مشاهد كثير من الأفلام السينمائية واصفةً الشوارع حيث "الضجيج عالٍ دائمًا، وصفارات الإنذار في كل مكان". فكما الأغاني التي لا تحصى عن نيويورك كذلك الأفلام.
تبدو كيز في النسخة الثانية التي تبرز أكثر صوتها العاطفي العميق، كما وكأنها تخاطب المدينة، وكلمات الأغنية تصف نيويورك بأنها "غابة خرسانية تُصنع منها الأحلام" حيث "لا شيء أنت غير قادر على فعله، الآن أنت في نيويورك، هذه الشوارع ستجعلك تشعر كأنك متجدّد تمامًا، الأضواء الكبيرة ستلهمك" وهو ما تحقق فعلياً بفوز ممداني الذي أظهر أنه لا شيء مستحيل. هنا تستعيد أغنية كيز الجملة الشهيرة في أغنية سيناترا "إن استطعتُ النجاح هنا، فسأنجح في أي مكان، هذا ما يقولونه".
حقبتان مختلفتان، إنما سيناترا وكيز يجسدان جانبين من القصة نفسها: بريق نيويورك الدائم. في النهاية، لم يعد الحديث عن أغنيتين؛ إنما عن احتفال بالطموح الإنساني، ويأتي تردد صدى صوتيهما بالرغم من فارق أجيال، في المدينة المحتفية بحدث لا سابق له، ليذّكر بأن إيقاع المدينة وروحها ثابتان، وبأن الجميع يرددون خلف أليشيا كيز "حتى لو لم يكن الأمر كما يبدو، لديّ جيبٌ مليء بالأحلام".
