فيلمون بعد أربعين عاماً: صانع السمفونيّات الصغيرة

أسعد قطّانالأحد 2025/11/09
Image-1762629974
قدم وهبي فتحاً موسيقياً قض مضجع الكبير فريد الأطرش
حجم الخط
مشاركة عبر


يُحكى أنّ فيلمون وهبي كان في استقبال محمّد عبد الوهّاب في مطار بيروت، وكان ذلك في أثناء عرض مسرحيّة «لولو» للأخوين رحبانيّ العام ١٩٧٤. فبادره الزائر المصريّ بسؤال خطابيّ ينمّ عن تقدير يمتزج بشيء من الاستفزاز المحبّب: «إيه الحتّة اللي إنت قلّقت الناس بيها دي من عزّ النوم»؟ فإذا بالملحّن الظريف يجيب: «دي حتّة؟ دي سمفونيّة». والحقّ أنّ «من عزّ النوم»، هذه الأغنية الحرّاقة التي كتب منصور الرحبانيّ كلماتها الجميلة ولحّنها فيلمون، ملأت الدنيا آنذاك وشغلت الناس، حتّى إنّها، كما يقول مطلعها، سرقت شيخ الموسيقيّين في وادي النيل من رقاده قبل أن تطأ قدماه أرض لبنان ذات صيف. 
 

كان الفيلمون يدرك أنّ فيروزيّاته بمنزلة سمفونيّات صغيرة يتحدّى بها العملاقين، عاصي ومنصور، اللذين يحيطان بالصوت الفيروزيّ كما يحيط ضلعا المحارة بلؤلؤة ثمينة. وكان ابن كفرشيما «ينقّر» على الأخوين كلّما استزاد الناس من ترداد ألحانه للؤلؤة. ويدرك أنّ بعض هذه الألحان، مثل «ليليّي بترجع يا ليل» (يعيش يعيش) و«فايق يا هوى» (الشخص) و«يا دارة دوري فينا» (المحطّة) ينافس فعلاً، من حيث تلقّفه لدى السمّيعة، أعمالاً للأخوين كبرى مثل «كفرحالا» (يعيش يعيش) و«سوا ربينا» (الشخص) و«راجعين يا هوى» (لولو). لكنّ فيلمون كان يتحدّى ذاته بالدرجة الأولى. فحيال العبقريّة الهائلة التي مثّلها الرحبانيّان، كان يدلف إلى قيعان ذاته كي يستخرج منها أحلى ما عنده وأشدّه لمعاناً. لم يكن هذا شأنه في الألحان المئتين ونيّف التي وضعها لصباح مثلاً. هناك، كان مرتاحاً يسرح كالغزال في السهول، ولا من يزعجه أو ينغّص عليه: «دخل عيونك حاكينا»، «يا طالعين من جبل لجبل»، «يا طير الطاير قلّو»، واللائحة تكاد لا تنتهي. حتّى في لحنه للصبّوحة «يا أمّي دولبني الهوى»، الذي أتى في سياق مسرحيّة رحبانيّة (دواليب الهوا)، بدا فيلمون مرتاحاً، مع أنّه رفع مستوى الصنعة التلحينيّة بما يليق بثقل الأخوين، فقدّم فتحاً موسيقيّاً قضّ مضجع الكبير فريد الأطرش، الذي راح يسأل كالمجنون عن مؤلّف هذا اللحن الأسطوريّ. بيد أنّ الألحان التي وضعها الوهبي للسيّدة فيروز لم تكن بنت العفويّة الفيلمونيّة فحسب، بل كانت أيضاً بنت القلق والتكثيف والحفر في الذات سعياً إلى أن تأتي كما أتت بالضبط: مقطوعات يتعملق فيها فيلمون إلى جانب حارسَي الكنز الفيروزيّ، وينشغل بها الكبار في القاهرة.

 

في هذا كلّه، قيل عن الفيلمون إنّه ملحّن شعبيّ ورائد الأغنية الشعبيّة اللبنانيّة. هو كذلك فعلاً، ولا ريب. وليس ثمّة من ينكر أنّ موسيقاه انبجست من تربة الفولكلور اللبنانيّ وتراث بلاد الشام الشعبيّ، وتكحّلت بالعبقريّة الآسرة لهذا العظيم من بلادنا. لكنّ هذا التوصيف لا يفي هذه الموسيقى حقّها. فقد كانت لابن الوهبي صولات وجولات في أمداء أخرى تجعل من الصعب اختزال إنتاجه في صيغة ما، مهما كانت رفيعة. فبالإضافة إلى تراثه المونولوجيّ المتهكّم وحضوره التشخيصيّ الفريد في المسرحيّات الرحبانيّة وسواها، كان فيلمون قادراً على أن يجترح أعمالاً مُذهلةً هي أقرب إلى الكلاسيكيّ الطربيّ المخفّف، مثل لحنه النادر «تبقو اذكرونا كلّما الحسّون» لصاحب الصوت الجلموديّ الرقراق وديع الصافي

 

لم ننتهِ بعد، إذاً، من تفحّص إرث فيلمون وهبي بالتحليل حتّى بعد مرور أربعة عقود على رحيله. ولم نبلغ بعد الخواتيم في تقويم إنتاجه المترامي. أمّا اليوم، فحسبنا القول إنّ هذا الفنّان الظاهرة كان قادراً على أن يستقي من روحه الصافية المرحة موسيقًى للناس تشبه الناس، وأن يحوّل النوطات البسيطة والقليلة العدد إلى سمفونيّات صغيرة تقارع جريان الزمن وتنتصر عليه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث