شتيفان فايدنر مستعرب ألماني معاصر. ولد في مدينة كولن سنة 1967. أنجز أخيرًا ترجمة قصائد مختارة من معلقات الشعر العربي إلى الألمانية، ونشرها في 5 أجزاء (420 صفحة) في عنوان "الديوان العربي: أجمل القصائد من العصر الجاهلي". وقد صدرت في بحر العام الحالي (2025) عن دار "آوفباو فرلاغ: Aufbau Verlag" الألمانية. وتضمنت مقدمة تشرح خلفيات القصائد التاريخية والثقافية، وتعرّف بشعرائها، إضافة إلى ملحق بالمراجع والهوامش.
في سن مبكرة شُغِف فايدنر بثقافات الشرق، وبقصص ألف ليلة وليلة وجماليات الخط العربي والفنون الإسلامية. وهو تعلم العربية في معاهد ألمانية، ثم في دمشق، حيث أقام وصادق بعضًا من المثقفين والكتّاب السوريين، وكذلك العراقيين في ألمانيا. وقد أقام أيضًا في بيروت والقاهرة، وزار كباحث في الجماليات وفنون العمارة مدنًا إسلامية في آسيا الوسطى، كلاهور وأصفهان ودلهي، إضافة إلى زيارته أفغانستان. وللمغرب العربي حضوره في رحلاته وإقامته وتثاقفه، فخصّ مدينة فاس بكتاب يوميات عنوانه "فاس: الطواف سبعًا"، تُرجم إلى العربية سنة 2019. وأشرف فايدنر على إعداد مؤلف عن "نماذج من أدب الشرق" في عنوان "ألف كتاب وكتاب". وقال إنه "هربًا من ضيق الأفق في أوروبا" تعلم العربية، بعد إتقانه الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية.
أما أبحاثه ومؤلفاته فتتناول بالتحليل والنقد النهج السياسي والثقافي الغربي. وهو من أبرز الدارسين الألمان المعاصرين للخيال الشعري والجماليات الإسلامية. وكان ترجم إلى الألمانية "ترجمان الأشواق" لأحد كبار المتصوفين، محيي الدين ابن عربي. ولرواد الحداثة الشعرية العربية ترجم لبدر شاكر السيّاب، وأدونيس، ومحمود درويش. ودرَّس جماليات الفن الشعري والترجمة في جامعتي برلين الحرة وبون ومونستر.
لكن حادثة 11 سبتمبر/أيلول 2001، والحرب الدولية على الإرهاب، وطلب الصحافة ومراكز البحث الألمانية منه ومن أمثاله من المستعربين، الكتابة في الشؤون الثقافة السياسية والاجتماعية في العالمين العربي والإسلامي.. هذا كله حمل فايدنر على صرف شطر من اهتمامه إلى مراجعة النهج السياسي والثقافي الغربي ونقده. وذلك في ضوء ضرورة النظر إلى العالم من منظار تنوع ثقافاته وأشكال التفكير وأنماط العيش فيه.
إلى جانب عمله رئيسا لتحرير مجلة "فكر وفن" ما بين العام 2001 و2016، الصادرة بالألمانية والإنكليزية والعربية والفارسية، بهدف المساهمة في التثاقف والتبادل الثقافي، ألّف فايدنر وأصدر كتبًا عدة، تُرجم معظمها إلى العربية: "خطاب ضد الإسلاموفوبيا"، "الأسئلة الخفية"، "ما وراء الغرب: نحو فكر كوزموبوليتي"، ثم "غراوند زيرو" (أرض الصفر): 11 سبتمبر وولادة الحاضر". وفي هذا السياق يتساءل بتعجب: "متى يفهم الغرب أنه ليس العالم كله؟".
وفيما لا تزال ألمانيا وسائر الدول الأوروبية تعيش ارتدادات عملية "طوفان الأقصى"، والحرب الإسرائيلية الإبادية في غزة، التقت "المدن" الباحث والمستعرب شتيفان فايدنر في مدينة كولن الألمانية، وحاورته حول ترجمته منتخبات من الشعر الجاهلي، وكتابه عن فلسفة اليوغا الهندية وعلاقتها بالتصوف.
-
كيف نشأت فكرة ترجمة معلقات الشعر العربي "الجاهلي" إلى الألمانية، وكيف نفذت المشروع عمليًا؟
* لاحظتُ أنّ كل ترجمات هذا الشعر إلى الألمانية، قديمة، وتعود إلى القرن التاسع عشر. وهي إما من عمل مستشرقين أكاديميين مثل ثيودور نولدكه Theodor Nöldeke، أو مستشرقين شعراء مثل فريدريش روكيرت Friedrich Rückert . وفي ترجماتهم لم يهتم الأكاديميون بنقل جماليات القصائد، بل بترجمة مضمونها. أما المترجمون الشعراء فركّزوا على ترجمة شكل القصائد الخارجي: محاكاة البحور والقوافي. وكلا الطريقتين تنقصهما رؤية شاملة للشعر العربي القديم. وسبب ذلك هو فهمهم العرب القدماء فهمًا استشراقيًا.
ثم إن اللغة الألمانية تغيرت كثيراً منذ القرن التاسع عشر، وخاصة اللغة الشعرية ومفهوم الشعر عامة. ولم يقرأ الألمان تلك الترجمات القديمة، ولا نجدها في المكتبات أو في إصدارات جديدة، ولم يكن للشعر العربي القديم من حضور وقراء في ألمانيا المعاصرة.
- الشعر الذي اصطُلح على تسميته جاهليًا - والأرجح أن الإسلام أطلق عليه هذه الصفة - هو شعر حسيّ، مباشر وصريح، هل اعتُمدت هذه اللغة في الترجمة إلى الألمانية؟
* في الحقيقة لم أستخدم كلمة أو مصطلح الجاهلية. وبدلاً منه أتكلّم عن شعر ما قبل الإسلام. وقد ترجمت في كتابي لشعراء مخضرمين، مثل أبي ذؤيب أو الخنساء أو كعب بن زهير، إضافة إلى نماذج شهيرة من الشعر العذري. طبعًا هناك فرق بين الشعر العربي ما قبل الإسلام وبعده. لكنه فرق أضأل مما هو شائع ومما يفكّر به الناس، خاصة في القرن الأول الهجري. وما ترجمته يحتوي والقصائد التي ترجمتها تعود إلى قرن قبل الإسلام وقرن بعده.
الإنسان والطبيعة
- كيف يقع هذا النوع من الشعر على الذائقة والمخيلة الألمانيتين اليوم؟ وما هي الأساليب اللغوية والفنية التي اعتمدت في ترجمته؟
* ما عدا المشاكل المعروفة في الفهم اللغوي للشعر القديم، ممكن القول: ليس هناك من مشاكل كبرى وكثيرة في إدراك المعاني الأساسية للقصائد. فكل شيء فيها ظاهر ومباشر. والغموض يقتصر على بعض الكلمات غير المعروفة أو المنسية.
الشعر العربي القديم يَمنحنا رؤية لِعالم منصرم تختلف تمامًا عن عالمنا الحديث. وهذا الاختلاف جميل وجدير بالتأمل، ليس فقط للقرّاء العرب، لكن للألمان أيضًا ولكل من يهتم بالجمال اللغوي وجماليات القول وبالتاريخ القديم، عندما كان الإنسان لا يزال يعيش في بيئة طبيعية.
أما المترجم فتكمن مهمته في إظهار هذا الجمال وإبرازه، وفي فهم ذاك التاريخ. ولينجحَ في مهمته يحتاج إلى لغة ألمانية واضحة وطبيعيّة غير متكَّلفة. وقد استخدمت في ترجماتي القافية والوزن والإيقاع، وأساليب شعرية أخرى حيث وجدت إلى ذلك سبيلًا، لكن بلا تكلف وإفراط في البلاغة. وإذا صدّقنا حكمَ النقاد وردَّ فعل القرّاء المثقّفين فإن تذوق هذه الترجمة للشعر العربي القديم أو الكلاسيكي واعد في ألمانيا. ثم إن المقدمة التاريخية العامة التي كتبتُها والشروح والتعريف بكل من الشعراء وقصائدهم تساعد في ذلك.
الأنترنت والشعر "الجاهلي"
- تستدعي في مقدمتك للترجمة وسائط التواصل الاجتماعي المعاصرة وتقارن أساليبها ووظائفها بالشعر "الجاهلي"، بناءً على كثرة الحماسة والهجاء والفخر... فيه. كيف خطر لك ذلك وكيف تعلّله؟ هذا علمًا أن الشعر الجاهلي ينطوي على حكمة وخبرات وتجارب حياتية مديدة، وغير آنية ولا ظرفية سريعة الزوال، مثل ما يُدوّن في وسائط التواصل اليوم، كيف ترى إلى ذلك؟
* في الحقيقة أقارن الشعر القديم ليس فقط بوسائط التواصل الاجتماعي، لكن بوسائل الإعلام الحديثة عامة. لماذا؟ الجواب سهل. في العصور القديمة قبل نشأة الإسلام وبعدها بقرن، أي قبل ظهور صناعة الورق عند العرب، لم يكن هناك من وسيلة لتسجيل وبث الأخبار غير ما نجِدُه في الشعر المحفوظ مشافهة وعن ظهر القلب. لم يكن هناك إذاعة أو تلفاز أو جرائد أو هاتف أو أفلام أو حتى رسائل مكتوبة باليد. إذاً، كل ما ندوّنه أو نبثّه أو نبعثه أو نوزّعه وننشره ونُرسله ونريد الإبلاغ عنه وقوله للآخر غير الحاضر والمرئي أمامنا أو الغائب عنا - إن هذا كله لم يكن من سبيل للإنسان إليه إلا بالشعر. وهذا ما نلاحظه عندما نقرأ الشعر العربي القديم الذي فيه دُونت وأُذِعت أخبار العرب. ولذا بذاته سمّاه العرب القدماء بديوان العرب.
أما اليوم فلا نحتاج إلى الشعر لوظائف إخبارية، بل نستخدم الوسائل المختلفة المناسبة. وأدّى تطوير وسائل الإعلام والتواصل عن بعد إلى تغيير وتقليص دور الشعر وحضوره في حياة الإنسان. فأهميته اليوم أقل بكثير مما كانت هي سابقًا. وعلى خلاف ذلك نرى في الشعر القديم الحياة كلها وبكل جوانبها.
وكما لاحظتَ في سؤالك، يكمن الفرق الثاني بين الشعر القديم والشعر في يومنا في طريقة التعبير. فلتوصيل الخبر وتسهيل حفظه كانت تستخدم في الشعر أدوات معينة، كالوزن والقافية والسرد المشوّق ... الخ، ولا نجد هذه الأدوات في وسائط التواصل الاجتماعي المعاصرة التي لا تخلو من بلاغة من نوع آخر. فلنسمّها بلاغة السرعة والإقناع المباشر الخاطف.
اليوغا والاستعمار
- وضعت كتابًا جديدًا عن اليوغا في الثقافة الهندية بوصفها "قوة ناعمة" مصدرها الشرق، ووصلت إلى الغرب وأثرت في ثقافته وفي وجوه من عادات حياته اليومية. ثم تطرقت إلى صلة التصوف الإسلامي باليوغا. هل يمكن أن تشرح بإيجاز فكرة الكتاب، وكيف أثرت اليوغا في التصوف الإسلامي النخبوي، والثقافي والشعبي أو العامي.
* جاء انتشار اليوغا في العصر الحديث نتيجة كِفاح أهل الهند ضد الاستعمار الإنكليزي. والحركةُ الإصلاحية الهندية اكتشفَت اليوغا واستخدمتها كأفضل وسيلة لمكافحة الإنكليز وتبشيرِهم المسيحي، عسكريًا وسلميًا. والمدهش أنهم نجحوا في ذلك إلى حد كبير. وشخصية مهاتما غاندي نموذج لهذا النجاح.
أما انتشار اليوغا المعاصر عالميًا، فيأتي في سياق استخدامها مزيجًا من رياضة بدنية وروحية. لكن نجاح انتشارها لم يكن ممكنًا لولا الحضور الكبير للحضارة الإسلامية في الهند منذ أكثر من 500 سنة. فأول من ترجم "اليوغا سوترا"، أي النص التأسيسي لفلسفة اليوغا، هو أبو ريحان البيروني (973 - 1050م). وهو أحد أعظم العلماء الموسوعيين في التاريخ الإسلامي، ووُلِد في خوارزم، وكان معاصرًا لابن سينا. وهو الذي رأى في اليوغا ظاهرة روحية شبيهة بالتصوّف.
وللأسباب نفسها أهتمّ المغول باليوغا عندما سيطروا على الهند، وترجموا أدب الملاحم الهندية والفلسفة الدينية الهندية - مثل الأوبانيشاد - إلى لغتهم التي كانت الفارسية آنذاك. ولعبت هذه الترجمة الفارسية للأوبانيشاد دورًا كبير في تطوير الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر. فمن الفارسية ترجمت إلى اللاتينية، وقرأها أرثور شوپنهاور Arthur Schopenhauer الفيلسوف الألماني الكبير.
وقد اكتشفتُ أنّ مصطلح الإرادة عند شوپنهاور يأتي مباشرة من الترجمة الفارسية للأوبانيشاد، ولها بُعد صوفي واضح. وهذا يعني أن هناك تأثير كبير للتصوف الإسلامي على إحدى أهم تيارات الفلسفة الأوربية، من شوپنهاور إلى نيتشة الذي هو الآخر بنى فلسفته على مصطلح الإرادة عندما تكلّم عن إرادة القوة أو السيطرة.
وفضلاً عن ذلك اكتشفتُ أنّ حركة الإصلاح الهندية استوعبت أيضًا الكثير من التصوف وأفكار أخرى من الثقافة الإسلامية، وحتى من القرآن، خاصة في مجال نقد المفاهيم اللاهوتية المسيحية، كنقد الثالوث المقدس. ويجد القرّاء في كتابي قصصًا كثيرة غير متوقعة في هذا المجال. والأمل أن أعثر على مترجم وناشر عربيين لهذا الكتاب، كما وجدتهما لكتبي السابقة.
