في أربعينيات القرن العشرين، حين كانت الأغنية اللبنانية تتلمّس هويّتها وسط تحوّلاتٍ ثقافيّة عاصفة، مترنّحةً بين نغمة الموال والعتابا والدلعونا الريفيّة من جهة، وبين موجةٍ مصريةٍ جارفةٍ تبهر الأذن بهيبتها الفنية وسطوتها الإعلامية من جهةٍ أخرى، خرج فيلمون وهبي (1916 - 5 تشرين الأول 1985)، مارد كفرشيما، من قمقمه، ليقلب الموازين، ويكتب مع معاصريه الصفحة الأولى في سيرة الأغنية اللبنانية الحديثة. لم يكن فيلمون ابن مدرسةٍ موسيقيةٍ كلاسيكيّة، بل ابن الفطرة والدهشة؛ وقد أنقذ بهما الجملة اللحنيّة من رتابة المحليّة وضبابيّة التبعيّة في آن، مطلقًا إيّاها في فضاءٍ مفتوحٍ للتجريب والتطريب. لحّن ما يزيد على ألفي عملٍ بعفويّةٍ راوغت مناهج العلوم الموسيقيّة، واضعًا في كل نغمةٍ شيئًا من ضحكته الساخرة، وسحر روحه المرحة والحزينة في آنٍ واحد، ليكون زوربا الأغنية اللبنانية بلا منازع.
نشأ فيلمون وهبي في منزلٍ متواضعٍ في كفرشيما، حيث كان والده سعيد وهبي مختار البلدة وشيخًا للصُلح، فانغرس في نفسه منذ صغره حبّ الناس وبساطة العيش. غير أنّ شغفه المبكر بالفن لم يجد صدى في بيئته الأولى، إذ عدّه والده نزوة عابرة. لم يثنه ذلك، فقطع دراسته وتوجّه نحو إذاعة القدس حالمًا بالغناء. هناك، التقى بعددٍ من الفنانين الفلسطينيين في القدس ويافا وغزة قبل نكبة العام 1948، فكانت تلك اللقاءات محطةً أولى في تكوينه الفني، إذ زوّدته بذاكرة موسيقيةٍ غنيةٍ، وفتحت أمامه أبواب التجربة، قبل أن تقوده رحلته إلى إذاعة الشرق الأدنى في الخمسينيات.
في تلك البيئة الخصبة التي جمعت روّاد تلك المرحلة، أمثال زكي ناصيف، عاصي ومنصور الرحباني وتوفيق الباشا، تبلورت شخصيّة فيلمون وهبي الفنية بشكل جدي، واستكشف في نفسه حسًا موسيقيًا فريدًا يسبق الكلمة إلى النغمة، لتبدأ ملامح مشروعه الموسيقي بالنضوج. كان غناؤه حينها أدائيًّا، لا يُطرب بقدر ما يُعبّر، وقد شكّل استماعه إلى أصوات من طراز فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب، ولاحقًا وديع الصافي، وعياً بمحدوديّة قدراته الصوتيّة فعدّل مساره، واختار أن يجعل من اللحن لغته الأولى والأخيرة.
كملحنٍ، تعاون فيلمون وهبي مع عددٍ كبيرٍ من فناني عصره، غير أنّ إنجازه الأبرز تمثل في كسره للطوق الرحباني الذي احتكر فيروز، واللافت أنّ علاقته بعاصي ومنصور الرحباني لم تكن مجرد شراكةً فنيةً عمليّة، بل رابطة روحية نمت على أسس الانسجام الإبداعي والتوافق الفنّي والإنساني.
رأى فيلمون في فيروز حينها حالة فنيةً استثنائية تستحق أن يصبّ فيها كل جنونه وعبقريته، فكانت ألحانه لها فريدة ومختلفة عن كل ما يقدّمه لسواها. حتى أنّ بعض النقاد يعتبر أنّه نجح في سدّ ثغرة في المشروع الرحباني-الفيروزي، إلا أنّ هذه القراءة تتراجع أمام الخلط الكبير الحاصل بين ألحان فيلمون وألحان الرحابنة. وهذا الخلط إن دلّ على شيء، فيدل على أنّ الروح الموسيقيّة كانت مشتركة، مع وجود بصمة فيلمونية متفرّدة وواضحة لا يُمكن طمسها أو إنكارها.
ضمن هذه الرؤية، غنّت فيروز لوهبي نحو ثلاثين عملًا، شكّلت علامات فارقة في تاريخ الأغنية اللبنانية الحديثة، من بينها "يا كرم العلالي"، "جايبلي سلام"، "يا مرسال المراسيل"، "فايق يا هوى"، "ليليّة بترجع يا ليل"، "يا دارة دوري فينا"، "على جسر اللوزيّة"، "من عزّ النوم"، "أنا خوفي"، "كتبنا وما كتبنا"، "طيري يا طيّارة"، و"ورقو الأصفر"، والكثير من أعماله ما زال يُنسب زورًا إلى الأخوين الرحباني حتّى يومنا هذا.
وقد تجاوز أثر فيلمون وهبي في مسيرته مع الرحابنة حدود التلحين إلى المسرح والتمثيل، فبرز وجهًا مرحًا مألوفًا على الخشبة في أعمالٍ شهيرة مثل "بياع الخواتم"، "ناس من ورق، "يعيش يعيش"، "ناطورة المفاتيح"، "المحطة"، و"لولو". وقد جمع بأسلوبه الغنائي الأدائي الفريد، بين الطرافة والعفوية، مرّسخًا حضوره ككوميديان محبوب، حتى لُقّب بـ"سبع المسرح"، تعبيرًا عن موهبته المتفرّدة وحسّه الفكاهي المشاغب.
والواقع أنّ التجربة الرحبانية، على عظمتها وتأثيرها، لا تختصر مسيرة فيلمون وهبي الذي امتدّت أنامله لتطبع بصمتها على أصوات كبار فنّاني لبنان والعالم العربي. فإلى جانب فيروز، جمعه مشوار طويل بالفنانة صباح، أهدى خلاله الأغنية اللبنانية مجموعة من الأعمال الخفيفة الراقصة التي لاقت رواجًا واسعًا، مثل" دخل عيونك حكينا"، و"عالعصفورية"، و"يا طير الطاير". كما ربطته بالفنان وديع الصافي صداقة فنية متينة أثمرت أغاني شهيرة، أبرزها "بتروحلك مشوار" و"حلوة وكذّابة".
ولم تتوقف إبداعاته عند هذا الحدّ، إذ لحّن لعدد كبير من الأصوات اللبنانية اللامعة مثل نجاح سلام، نصري شمس الدين، سميرة توفيق، عصام رجي، وملحم بركات، وسواهم من نجوم ذاك الزمن. كما امتدّ أثره إلى العالم العربي، حيث قدّم ألحانًا لوردة الجزائرية، وشريفة فاضل، وفايزة أحمد، فجمعت موسيقاه بين البساطة الشعبية والعذوبة الجبلية في توليفةٍ فريدةٍ خاصّة به.
فيلمون "خلق ضد الفشل"، كما وصفته فيروز، ولهذا لم يقتصر نجاحه على التلحين أو التمثيل فحسب، بل تجاوزهما إلى التأليف وكتابة المونولوجات والنوادر التي سخّر فيها الواقع ليصنع منه مرآةً للضحك. قدّم أعمالًا مونولوجية شهيرة مثل "همبرغر" و"الفيلمون أتى" و"البوسطجي"، كانت أشبه بصرخات فنية متمرّدة تُعرّي المجتمع بخفة ظلٍّ آسرة. أما في السينما، فقد ألّف موسيقى عددٍ من الأفلام اللبنانية، وشارك كممثل في بعضها. وكان الجامع بين كل هذه الفنون السخرية الذكيّة التي شكّلت هويته الفنية، إذ كان يضحك من العالم ويُضحك عليه، دون أن يفقد عمقه الإنساني أو صدقه الشعبي. وقد وصفه وديع الصافي بما يجيز كل هذا قائلاً: "الفيلسوف الساخر، الملحن العظيم، والصياد الرائع"، تلخيصًا لرجلٍ جمع بين البسيط والمعقد ببراعة طفل.
والواقع أنّ فيلمون وهبي الملحّن قد تفوّق على كلّ أدواره الأخرى، بل وعلى نفسه أيضًا؛ إذ ابتكر مدرسةً لحنيةً فريدةً عصيّةً على التصنيف الأكاديمي، قوامها البساطة العميقة والدهشة الدائمة. وقد اعتمد في فلسفته على خلفيّته الفولكلورية اللبنانية التي أعاد صياغتها في إطارٍ متجدّد، حيث اشتغل على مقامي الراست والبياتي، مستثمرًا مرونتهما التعبيرية، وأوجد في كنفها لألحانه هندسة سمعيّة دقيقة تتخفّى خلف عفويةٍ مباشرة، حيث تدور الجمل الموسيقية حول ذاتها في بناءٍ دائريٍّ يبدو للوهلة الأولى سهلاً ومألوفًا، لكنه في جوهره بالغُ التعقيد، كأنه معادلةٌ موسيقيةٌ تحقّق التوازن بين الفطرة والعقل، بين الحِسّ الشعبيّ والدقّة المقاميّة.
في موسيقاه اقتصادٌ لحنيٌّ باذخ، مشغول بامتلاءٍ فنيٍّ وسمعيٍّ غير متوقَّع، يمنح المستمع إحساسًا بالاكتفاء دون إفراطٍ، فيبدو كلّ لحنٍ عنده كجملةٍ مكتفيةٍ بذاتها، وقد أشار عاصي الرحباني إلى هذا السرّ حين تحدّث عن "الشيء الغامض" في ألحان فيلمون، أي تلك العلامة الفريدة التي تجعل التعرّف إلى موسيقاه من الثواني الأولى من الأغنية أمرًا بديهيًا. رؤية فيلمون الموسيقيّة قامت على الاكتشاف لا على التلقين، واستندت إلى ما يمكن تسميته بـ "التوقّع المؤجَّل"؛ إذ يتجنّب القفلات التقليديّة ويُبقي الجملة اللحنية معلّقة في فضاءٍ مفتوحٍ، يُجبر الأذن على انتظار الاستقرار من دون أن تفقد المتعة في الترقّب.
ولعلّ جوهر عبقريته يكمن في أنه لم يفتعل هذه الدهشة، بل أطلقها بعفويّة الفنان الفطريّ الذي لا يؤمن بالتنظير قدر إيمانه بالحدس. وليس أدلّ على ذلك من جوابه الشهير لعبد الغني طليس حين سأله لماذا لم يدرس الموسيقى، فقال: "إذا تعلّمت الموسيقى، أصبحت حمارًا في التلحين". عبارةٌ تختصر فلسفته الفنيّة كلها: فالإلهام عنده أسبق من التعلّم دائماً.
هكذا اكتسبت اعمال فيلمون وهبي نفحة مَحَلّيّةً مفرطة عابرةً للحدود، تصل إلى كل مستمع عربي بما فيها من صدقٍ، وقد امتدّ هذا من المستمع العربي الى المتخصصين حيث حظي فيلمون وهبي بتقديرٍ واسع من نخبة عصره من موسيقيين وشعراء وروّاد الفن العربي، الذين اجتمعوا على فرادته الإبداعية. فقد رأى فيه محمد عبد الوهاب "ملحناً نادراً"، أما سعيد عقل، فقد أقرّ بأنّ فيلمون قادر على تلحين أعقد القصائد وأعمقها تركيباً. أمّا فيروز فقد أجازت مسيرته الإنسانيّة بالكامل حينما قالت في رحيله "كل اللي تركتن رح يشتاقولك وكل اللي جايين رح يحبوك" وبالفعل نحنا نعيش بين جيلين جيل اشتاق لفيلمون وجيل آخر من النخبة، يحبّه ويسعى لمعرفةٍ أعمق به رغم الصخب الموسيقي والعولمة الفنية المجنونة وما بعدها.
