في صالة "بيت بيروت"، تُفتح الأبواب على معرضٍ عنوانه "بيروت المرفأ". ليس معرضًا فحسب، بل أشبه بمحكمة ذاكرة. يدخل الزائر في أرشيف من صور ومجسّمات وتجهيزات تحكي تاريخًا يمتدّ من العام 1830 حتى 2020، من زمن البواخر الشراعية إلى زمن الانفجار.
من نافذة الزجاج القديمة، يطلّ البحر، لا كخلفية، بل كشاهدٍ يرافق المدينة منذ ولادتها، منذ كانت بيروت بوّابة البحر الكبرى، قبل أن تتحوّل إلى أرضٍ متنازعٍ عليها بين السلطة والناس، بين الخراب والرغبة في الحياة.
ولدت بيروت الحديثة من رحم المرفأ. تمدّدت معه في القرن التاسع عشر، تفتّحت أحياؤها وأسواقها على صوته، وازدهرت بفضل حركته. لكن العلاقة كانت دائمًا متوترة، المدينة تحاصر المرفأ، والمرفأ يعرقل تنظيمها. كأن كليهما يحاول أن يكون مركز العالم.
وحين دمّره الانفجار، سقطت معه بيروت كلّها. تحوّل الميناء إلى جرحٍ مفتوح، والمدينة إلى ذاكرةٍ محروقة تسأل نفسها: هل يمكن أن نعيد بناء ما لم نعرف يومًا كيف نحافظ عليه؟
بين الخرائط والأحلام
يستعرض المعرض ثلاث رؤى لمستقبل المرفأ، كأنها ثلاث طرقٍ لمستقبل المدينة نفسها:
رؤية أولى تتعامل مع المرفأ كمساحة لإعادة التشكيل والتموضع؛ ثانية تطمح إلى توسّع المدينة وتحوّلها إلى محور تجاري متوسطي جديد؛ وثالثة وهي المفضّلة لدى السلطات المحلية، تكتفي بخطة طوارئ لإعادة المرفأ إلى "الوضع الطبيعي" قبل الانفجار.
لكن الزمن تغيّر. فبعد خمس سنواتٍ على الانفجار، ما زال المرفأ أرضًا قاحلة، وبعض عنابرِه صامتة كما هي منذ ذلك المساء. العصف الذي مزّق المدينة كشف أيضًا نظامًا سياسيًا هشًا، فاسدًا، جعل من المرفأ مرآةً لانهياره، لا لقيامته.
لم يعد مرفأ بيروت كما كان. خرج من خطوط التجارة الكبرى، وتراجع موقعه الجيوسياسي. لذلك، يقترح المعرض إعادة تعريف دوره، أن يتحوّل من مجرّد محطة تحميلٍ إلى مرفأ ينتمي إلى الجيل الرابع، مساحة تكنولوجية متكاملة، مركز نقلٍ متعدّد الوسائط، منطقة لوجستية وتجارية وصناعية تتنفس مع المدينة لا خارجها. أن يصبح جزءًا من نسيجها الاقتصادي والعمراني، لا ثقبًا معزولًا في طرفها البحري.
الحفاظ، الترميم، المشاركة
في قلب المعرض، ثلاث كلمات مفتاحية تختصر فلسفته:
- 1أن نحافظ، أي أن نتمسك بما يجب أن يدوم: آثار التاريخ، ذاكرة الفقدان، والعلامات التي تركتها المدينة على جسدها.
- 2أن نرمّم، لا البنية التحتية فقط، بل العلاقة بين المرفأ والمدينة، بين البحر والناس.
3 - أن نشارك، أي أن نعيد رسم المرفأ كمشروعٍ جماعيّ، تتقاطع فيه أفكار الناشطين والفنانين والباحثين والطلاب، كأن كلّ واحدٍ منهم يضع حجرًا في إعادة تخيّل بيروت.
الزمن في قاعةٍ واحدة
يمتدّ خطٌّ زمنيّ من القرن التاسع عشر حتى العام 2020. على الجدار المقابل، خريطة تفاعلية تُظهر نموّ المدينة والمرفأ معًا، كيف تقدّما ثم تعثّرا، وكيف ظلّ البحر حاضرًا كذاكرةٍ لا تهدأ.
من هناك، يمكن للزائر أن يسمع صدى السؤال الذي لا جواب له: هل يمكن لمرفأٍ أن يعود من دون أن تعود معه مدينته؟
مرصد العمارة والمدينة في "بيت بيروت"
مرصد العمارة والمدينة في "بيت بيروت" مساحة مخصصة للنّاشطين في مجالات العمارة، التنظيم المدني، التنمية الإقليميّة، وتصميم المشاهد. من خلال المعارض والمؤتمرات، يسعى المرصد إلى تحفيز النقاش العام حول البيئة المبنيّة. يبحث في القضايا الأساسيّة التي تؤثّرفي قابليّة العيش في المدن، مثل الحيّز العام، حقّ السكن، النقل المشترك، الحدائق والمساحات الترفيهيّة.
يركّز مرصد "بيت بيروت" على ثلاثة محاور رئيسيّة قد تكون أولويّة الفاعلين في مجال البيئة المبنيّة في لبنان: الحفاظ على التراث، ترميم البيئة والمدينة، والمشاركة في الحيز العام.
(*) معرض "بيروت المرفأ" في مرصد العمارة والمدينة في بيت بيروت
من 5 تشرين الثاني 2025 – حتى 8 شباط 2026
يفتح أبوابه من الأربعاء إلى الأحد، من الساعة 12 ظهرًا حتى 8 مساءً
