رهف الجابر تُمسرح الجسد المخدّر في أوبرا دمشق: الأرض تهتز

سوزان المحمودالخميس 2025/11/06
Image-1762419084
حجم الخط
مشاركة عبر

قُدِمَ على خشبة القاعة متعددة الاستعمالات في دار أوبرا دمشق، عرض أداء حركي تحت عنوان "خَدَر"، من تصميم وإخراج رهف الجابر، ويندرج العرض ضمن نوع "مسرح الجسد". يبدأ العرض في ظلام مطبق، ثم تكشف الإضاءة شيئاً فشيئاً عن جسم معدني عملاق هو عبارة عن شكل بيضوي، صُمّم بطريقة خاصة لينقسم في ثلاثة مستويات، تتمركز عليها منصات مفرغة من الداخل ينطلق منها المؤدون والمؤديات في التعبير حركياً عن مفاهيم متعددة، تعبّر عن حالة القلق والاهتزاز والهروب، ثم إعادة ايقاظ الشعور بالألم والتعاطف رغماً عن الخدر والتخدير المقصود كفعل حماية للنفس من العنف المحيط. ورغم أن هذا النوع يعتمد عادة على الحركة، من دون استخدام الكلمات، إلا أننا سمعنا المؤدين يستخدمون كلمات، تبدو كشظايا من عبارات، تأتي في سياقات مفهومة للمتلقي. فتميز العرض بتكامل عناصره مع الأداء من حيث تآلف الدراماتورجيا والسينوغرافيا والموسيقى والإضاءة، وهذا ينم عن تفاهم عميق بين المؤدين والفريق التقني، أيضاً كان لافتاً البروشور في تصميمه ورصده لتحولات العمل ونضجه.

 

التقت "المدن" بكل من مخرجة ودراماتورج العرض وحاورتهما. بداية الحوار مع مصممة ومخرجة العرض رهف الجابر. وهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق-قسم الرقص 2020، ومدرّسة في القسم نفسه لمادة الباليه ومواد أخرى، ومدرسة في قسم التمثيل لمادة الحركة المسرحية.

 

Image-1762419035

 

  • حديثنا عن "خَدَر"، فكرة العرض ورسالته..

     

بالنسبة للعرض لا توجد رسالة واحدة، أعتقد أن هذا الأمر قاصر لا يفي أي عرض حقه، لكن هناك مجموعة من القضايا التي حاولنا تفكيكها وتشريحها، ومفاهيم نحاول تلمسها. فكرة خدر، فكرة العرض الأساسية، خطرت لي في منحيين. المنحى الأول فيزيائي والمنحى الآخر فكري، فكرنا أن نعمل على أرض مهتزة لأننا بصراحة نحن كجيل شباب سوري ليست لدينا أرض ثابتة، نتكئ عليها، خاصة في السنوات الماضية التي أنهينا فيها دراستنا وحاولنا أن نشق طريقنا فوجدنا أنفسنا في حالة غير متوازنة، فكلما تقدّمنا خطوة للأمام، خفنا، لأننا نجد هوة في كل مكان نحاول أن نضع أقدامنا فيه بسبب المتغيرات والمستقبل المجهول.

 

  • بحسب علمنا، قدِّم العرض سابقاً، هل أُجرِيت تعديلات عليه هذه المرة؟

     

 قدمنا العرض المرة الأولى العام 2023 ونحن اليوم نعيد تقديمه برؤيا مختلفة قليلاً بسبب تغير الظروف، لكننا نتابع الفكرة الأولى (الأرض المهتزة) بسبب التغيرات المحيطة والآلام التي عاشها الشعب السوري، خصوصاً الشباب لأنهم في مرحلة تكوين أنفسهم، وهو ما مرت به الفكرة الأساسية، أي الإحساس بالخدر أو اللامبالاة والاعتياد على الآلام لكثرة التعرض لها، سواء بسبب موت أو نزوح أو دمار أو هجرة أو فقدان أحباء أو فقدان ماديات وفقدان استقرار، هناك عدد كبير من الناس تغيرت حياتهم في أي بقعة كانوا من سوريا، وكل منطقة تعرضت للانتهاكات بطريقة مختلفة، وكلنا كنا نتعرض بطريقة أو بأخرى لاستلاب ممنهج حتى لم نعد نشعر بذواتنا أو بالآخرين أو حتى بالفقدان، أصبحنا نقول لأنفسنا مثلاً: منيح أنه مات مئة شخص بدلاً من ألف، وأننا على قيد الحياة  نأكل ونشرب الخ ونرضى بالقليل خوفاً من الأشنع، بطريقة أو بأخرى خدّرنا أحاسيسنا الإنسانية.

 

Image-1762419115

 

  • ما معنى الخَدَر هنا، وكيف عبّرت عنه؟

 

فضلت أن استخدم مصطلح الخدر، لأننا عندما عملنا على العرض وشرّحنا الحالة، وجدنا أن الخدر حالة من حالات الدفاع عن النفس، عقلنا يدافع عن نفسه من طريق منع احساسه بكل ما يحدث، لأن الإحساس بكل شيء بهذه الشدة والتواتر، مؤلم لدرجة أن يتوقف الانسان عن الحياة أو يصبح شخصاً غير منتج. هذا يتمثل في كثير من حالات الاكتئاب التي نراها بين الشباب في مثل عمري، أو أكبر أو أصغر قليلاً. هناك عبارة يقولها ممدوح عدوان في أحد كتبه "نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصوّر حجم ما مات فينا حتى تعوّدنا على كل ما حولنا"، الهمتني كثيراً. بالتأكيد هناك شيء نقتله داخلنا لنعتاد على هذه المناظر الشنيعة التي لا تمت للإنسانية بصلة. بفكرة الأرض المهتزة مع فكرة عدم الإحساس أو اللامبالاة أو الاعتياد أو الخدر، حاولت أن أوصل بطريقة فنية ما نشعر به، لذلك دربتُ المؤدين فترة طويلة على كتلة بديلة عن المستخدمة في العرض، مثلاً أن يكونوا على ارتفاع عالٍ وغير خائفين، لكن عليهم أن يُشعروا المتلقي بالخوف وباهتزاز الأرض، ما أريده هو ألا ننسى الفطرة التي فطرت عليها إنسانيتنا وأن نتألم مع الآخرين، لهذا عملت مع المؤدين ليوصلوا الحالة للمتلقي وهم على مرتفع، مهتزين ومعرضين للخطر. بالنسبة اليّ، تعريض جسد المؤدي للخطر أمام المتلقي محور أساسي في عملي لتعريض المتلقي لصدمة ولإيقاظه من الداخل.

 

Image-1762419160

 

  • كيف كان تلقي الجمهور لهذا النوع المسرحي؟

 

رد فعل الجمهور بصراحة كان إنسانياً جداً، شعرت أننا استطعنا أن نوصل إليهم هذه الأحاسيس المكثفة، رأيت عدداً من المتلقين يبكون، وأقدّر بكل حب كل ما شعر به الجمهور وكل ما وصله، حتى من لم يفهمه، لأن هذا النوع المسرحي يتميز بأن كل شخص يمكنه أن يفسر ما يراه بطريقته الخاصة. هناك إسقاطات كثيرة تفسر بحسب طبيعة المتلقي وتاريخ شخصيته وما عاشه أو مرّ به في حياته، لم يكن العرض عصياً على الفهم مع أن النوع ليس شائعاً، ففي اليوم الثاني للعرض كان الجمهور غير مسرحي، كان غريباً قليلاً عن المسرح، لكن تفاعله كان جميلاً جداً أيضاً.

 

  • إعادة العمل بعد عامين، هل كانت صعبة أو مختلفة بالنسبة إلى الفريق؟

     

لم يكن سهلاً استحضار مشاعر نهرب منها معظم الوقت، وإيقاظها لدى المؤدين ولدى الجمهور على حد سواء. في الحقيقة خطر لنا بدايةً أنه لن يكون صعباً، لكننا وجدنا أنه صعب جداً، لأن هناك الكثير من المتغيرات. واجهنا أشياء أكثر ضراوة من مرحلة العرض الأول. في المرة الأولى، كنا نقول إننا نشعر بالخدر، ماذا يعني خدر؟ وما الذي أوصلنا للخدر؟ ومن أين يمكننا أن نبدأ؟ هناك مجموعة من الصراعات، كيف يمكننا تفنيدها؟ مثلاً، في المشهد الثالث، شاب وصبية يعيشان صراع: ما هو الأفضل؟ الفوق أم التحت؟ الفرضية تقول أننا كلما صعدنا إلى فوق في الكتلة، حيث الحبل، تصاعد إحساسنا بالخدر، وكلما نزلنا لتحت اقتربنا من ذواتنا أكثر؟ أيضاً في العرض الماضي لم نقترب من الأرض الثابتة أبداً، لكننا في العرض الحالي أضفنا فرضية الأرض الثابتة، لذلك في المشهد الأخير ثمة محاولة لا نهائية من التكرار، اي أننا سنحاول إلى ما لانهاية ولن نستكين

 

  • هل ستكررين التجربة مع هذا النوع من العروض المسرحية؟

     

أنا أمام مشروع كبير، "خدر" هو خطوة منه فقط، سأستمر في التعبير جسدياً لأنه بالنسبة إلي الطريقة التي أستطيعها، وجمهورنا على قدر كبير من الثقافة، وحتى الجمهور الذي لا يتابع المسرح عادةً تمكنا من الوصول إليه.

 

  • لعل أهم ما يميز هذه العروض هو تناغم الفريق، كيف كانت تجربتك مع فريق العمل؟

 

الفريق كان متفاهماً ومتفانياً في التدريب، مع أنه لم يكن أمامنا وقت طويل للتمرين هذه المرة ، أيضاً أود أن أقول أن هذا المشروع كان عبارة عن عملية بحث طويلة بجهود الفريق كله، بدأنا أنا والدراماتورج كمال بشير، العمل على الورق طوال عام تقريباً، ثم عملنا مع الممثلين والراقصين، وكنا في عملية بحث دائمة عبر الكثير من الفرضيات الحركية والتمارين لمدة عشرة شهور، نبحث عن المفاهيم التي نسعى لتجسيدها حتى وصلنا لهذه النتيجة، لذلك يندرج العرض في إطار المسرح التجريبي، وهو النوع الذي أحببته وشغفت به بحثاً عن التجديد والمتعة، لم يكن العرض هو الهدف فقط بل العملية الإبداعية برمتها.

 

Image-1762419198

 

وتنتقل "المدن" إلى محاوة دراماتورج العرض كمال البشير:

 

  • حدثنا عن تجربتك كدراماتورج مع هذا النوع المسرحي الحركي، وكيف وصلت للصيغة النهائية للعرض؟

 

وصولنا للصيغة النهائية للعرض كان بعد نقاشات مطولة قمنا بها أنا ورهف الجابر  لتفكيك مشاعرنا وفهمها بعد انتهاء سنوات الحرب الطويلة، وكل ما مر فيها من انهيار اقتصادي ثم فيروس الكورونا ثم الزلزال الذي ضرب بلادنا منذ أكثر من عامين ونصف، وخرجنا بمجموعة من الأفكار وعلى أساسها انطلقنا في بحث حركي  لترجمتها. كان هناك هاجس شخصي لنا كفنانين، وهو المسافة بين هذا النوع الفني القائم على التعبير الحركي، وهو لغة مستقلة بحد ذاتها، وبين المتلقي. كنا نعرف أن هناك هوة بين هذا النوع المسرحي وبين المتلقي، حتى نحن عندما كنا طلاباً كانت لدينا هواجسنا حول العرض أو تأويل العرض أو رسالة العرض ومعناه.

 

  • كيف كانت تجربتك مع المصممة والمخرجة رهف الجابر؟ وما هي الصعوبات التي واجهتكما؟

 

أنا ورهف تجربتنا العملية طويلة تقارب الست سنوات، عملنا فيها سوياً على هذه القضايا والأسئلة. انطلقنا من بحث حركي تناولنا فيه شكل الحركة الخاصة بمجتمعاتنا. على سبيل المثال، درسنا كيف يتحرك البائع أو شرطي المرور، وهكذا... وانطلقنا من الخاص نحو العام وعدنا بالعكس من العام نحو الخاص. الإشكالية كانت في العلاقة مع هذا النوع من العروض وهو ليس نوعاً قديماً، فقد بدأ ينصقل ويتطور منذ سبعينيات وثمانينات القرن الماضي وصولاً لليوم وهو يعتبر نوعاً جديداً من التجريب الفني، كالرقص المعاصر والمسرح الحركي وغيره. اكتشفنا أن الإشكالية بيننا وبين هذه العروض، هي مرجعياتها الغربية الأجنبية. فهي غريبة عنا والقضايا التي تناقشها بعيدة من ثقافتنا وذائقتنا، وبالنسبة لنا كان العمل على هذا العرض هو المنطلق لردم هذه الهوة، والمختبر الذي أنشأناه خرجنا منه بهذا البحث ووصلنا إلى مجموعة من الأنماط أوصلتنا لاكتشاف موضوع الخَدَر ثم تشريحه وتقسيمه لمحاور وتناول كل محور على حدة. وهذا دفعنا للتعامل مع علم الاجتماع وعلم النفس وأدخلنا في البحث عن تداعيات الحرب وأثرها في الناس والشخوص التي بقيت في البلاد. حتى أنه جعلنا نطلع على تجارب بلدان أخرى عاشت هذه التجربة، ثم بدأنا بالمعالجة الدرامية وخلق بنية درامية تحتوي هذا الموضوع بمحاوره المتصلة والمنفصلة ووضعها في قالب فني مسرحي. فالبنية الدرامية أتت من البحث الحركي فعلياً، بالإضافة إلى تطويعه بمجموعة من القصص والتجارب التي صادفناها أثناء رحلة البحث ومحاولة استخلاص الجوهري منها، لنصل لصيغة العرض التي قدمناها أخيراً. وهذا الموضوع، عندما اكتشفناه، فكرنا في رؤية جديدة للعرض من حيث الشكل والموسيقىى وشكل الأداء وطبيعته. فنحن لم نسعَ إلى حركة فقط، أو تمثيل فقط، بل كنا نبحث عن حالة وسيطة بين النوعين لخلق أثر حسي معين في قلب الصالة، وليعيش المتلقي تجربة حسية كاملة.

 

(*) فريق العمل: تصميم وإخراج رهف الجابر، دراماتورجيا : كمال بشير، سينوغرافيا: أ. كنان جود، تأليف وإنتاج موسيقي: علي سليمان (Stash)،تصميم الإضاءة: محمد نور درا، أداء: نيما الغفير، رهف الجابر علي فطوم، علي خزامي، عليا السعدي، غفران حمادة، تصميم بوستر وبرشور: مادلين الجنحوم، تصوير ومادة توثيقية: رامي حسين، فريق السينوغرافيا: الإشراف على تنفيذ الديكور أ.محمد كامل، تنفيذ الديكور: لؤي مزيان، عمار قادري، تنفيذ تقني: الفريق الفني بدار الأوبرا، تنفيذ الإضاءة: الفريق الفني في دار الأوبرا، تنفيذ صوت: فارس الزرّاد وجد نجار، فيديو ومونتاج: أسامة عبّود.

أُنجز العمل بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون "آفاق"، المورد الثقافي، ودار أوبرا دمشق.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث