تختلف القراءات التاريخية حول إعلان تأسيس لبنان الكبير في 1 أيلول 1920 وأصل الفكرة وفصلها، وهل هي فعلاً مجرد خريطة رسمها سايكس وبيكو، أم أن هناك ما وراء الخريطة، وناتج عن تراكمات وأحداث وموروثات. ومن هم "الأوائل" الذين لعبوا أدوارًا رئيسة في تصوّر لبنان الكبير ونظامه الاقتصادي والسياسي بمثل ما اسهموا بالدعوة والنضال من أجل قيامه.
في دراسة نشرت في كتاب "نشوء لبنان الكبير"(دار رياض الريس)، يروي المؤرخ والجامعي اللبناني، مروان بحيري، أنه في السنوات الهادئة التي سبقت الحرب العالميّة الأولى وفي بيئة سياسيّةٍ مُنذرةٍ بالسوء شهدها العقد الأخير من الإمبراطوريّة العثمانيّة، صدر كتاب في باريس للكاتب لـ. م. جوپلان عنوانه "المسألة اللبنانية: دراسة في التاريخ الدبلوماسي والقانون الدولي (1908)". وفي تحليله للتاريخ المتقلّب لمتصرّفية جبل لبنان، يقترح الكاتب إصلاحاتٍ واسعة بما فيها زيادة هامش الاستقلاليّة بعيدًا من الإمبراطوريّة العثمانيّة وإنشاء مؤسّسات أكثر ديموقراطيّة وحلّ راديكاليّ لأراضي الوقف الديني، وفوق كل ذلك، ضمّ أراضٍ على الحدود الشماليّة والشرقيّة والجنوبيّة بالإضافة إلى مدينة بيروت، وبذلك تكون مساحة المتصرّفية أكثرَ من تضاعفتْ. نُظِر إلى المشروع كإعادة تكوينٍ للبنان العصر الذهبي— لبنان فخر الدين والأمير بشير ضمن حدوده الطبيعيّة كما رُسمتْ عامَي 1861 و1863 في خرائط البعثة العسكريّة الفرنسيّة إلى سورية. وكان على هذه التغييرات الواسعة أن تتمّ برعاية القوى الأوروبيّة العظمى مع دور خاصٍّ محفوظ لفرنسا".
تم الكشف عن هويّة جوپلان بعد إحدى عشرة سنة. في آب/ أغسطس 1919، نشرتْ مجلة بيروتيّة "لا روڤو فينيسيين"، مقالًا بعنوان "المسألة اللبنانيّة: دراسة في الاقتصاد السياسيّ والإحصاء الوصفي"، كشَفَ فيها الكاتب بولس أو پول نجيم أن جوپلان لم يكن إلّا هو نفسه، وأنّ الاسم المستعار م. جوپلان كان إعادة ترتيبٍ لحروف اسمه: پول نجيم. مرّةً أخرى، وكما في العام 1908، دعا الكاتب لإحياء "لبنان العصر الذهبيّ"، لكنّه سمّاه هذه المرّة "لبنان الكبير" تحديدًا وذكر المصطلح مرّتين في المقال، مستخدمًا في المرّتين الخطَّ المائل لإبرازه. ولعلّ هذه المقالةَ الموقّعة في جونية بتاريخ 10 تموز/يوليو 1919 تشكّل، مع مقالة ألبير نقّاش "مستقبلنا الاقتصادي"، والتي نُشرت أيضًا في "لا روڤو فينيسيين" (تموز/يوليو 1919)، أوّل ذِكر موثّق وعلني لـ"لبنان الكبير". ينظّر بولس نجيم لكيان لبناني يضم الساحل وسهلي عكار والبقاع إلى متصرفية جبل لبنان.
والجدل الأهم والأكثر إثارة من الخريطة الجغرافية وضم الأقضية، النقاش حول الخريطة الديموغرافية ويتبين من خلال التمحيص أن هذا البلد طبخة بحص، وكل فريق يريده على مقاسه أو انطلاقًا من هويته وامتداده الديموغرافي، وأن الانتداب الفرنسي كان يريد تلبية مصالح التابعين له. في حوار له مع الكاتب صقر أبو فخر، يتحدث المؤرخ الراحل كمال الصليبي (المفارقة أنه رحل يوم تأسيس لبنان الكبير) عن الخطأ الشائع القائل إن اتفاقية سايكس – بيكو، هي التي أوجدت الكيان اللبناني، ويشير إلى أن "فكرة لبنان بدأت في رأس مجموعة من المسيحيين الكاثوليك، بمن فيهم الموارنة، في لبنان وسورية. ومن غرائب الأمور أن آباء لبنان ولدوا في الشام وعاشوا في الشام. لكن كان هناك ما يجمعهم، أي مسيحيّتهم، وإنهم من الأثرياء الذين يطلق عليهم مصطلح "برجوازية". هؤلاء أقاموا مشاريع تجارية، وخطّطوا لإقامة بلد اسمه لبنان بالحدود المعروفة، وهي حدود أخذوها من خريطة رسمها الفرنسيون سنة 1861. الخريطة كانت خريطة الطوائف"، كما يقول كمال الصليبي في الخلاصة. ومع نهاية الدولة العثمانية، حققت فرنسا حلم الموارنة في أول أيلول 1920 حيث تمّ "إعلان دولة لبنان الكبير بالحدود الحاضرة كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي"، وتم بعدها إقرار الدستور، "فقامت هذه الجمهورية تجسّد الفكرة التي نادى بها الموارنة منذ عهد المتصرفية".
يتقاطع كلام الصليبي مع ما قاله المؤرخ فواز طرابلسي مع ما قاله حول إعادة الاعتبار لدور الاقتصاد السياسيّ في نشوء دولة "لبنان الكبير" في أيلول/ سبتمبر 1920 ("نشوء لبنان الكبير"، دار رياض الريس بيروت). دَرج الحديث عن ذلك الحدث بالتركيز على تلبية رغبات المسيحيّين والمَوارنة خصوصًا لبناء وطنٍ قوميٍّ لهم في إطار تقسيم سورية على أساسٍ طائفيّ وفقًا لاتفاق سايكس ــــــ بيكو. ويقول: أرفَقَ غورو مرسومَ إنشاء "دولة لبنان الكبير" بخريطةٍ قُدّمت نسخةٌ منها إلى عصبة الأمم. ويتبيّن من خريطة "لبنان الكبير" 1920 التي وزّعها الجيش اللبنانيّ بمناسبة الاحتفالات بالمئويّة أنّها مرسومة فوق خريطة العام 1862 بحيث تَظهر من حوافها بعضُ مَعالم تلك الخريطة التي لم يؤخذْ بها. يضيف طرابلسي "الأمر الراجح أنّ الخريطةَ وتعديلاتِها فرنسيّة المصدر. ويجوز الافتراضُ أنّ الخريطة التي حمَلَها البطريركُ الحويّك إلى مؤتمر الصلح بباريس كانت موجودةً أصلًا في محفوظات البطريركيّة المارونيّة في بكركي. ما يثير السؤالَ عن الدور الذي لعبتْه البطريركيّة المارونيّة في تحديد مَعالم تلك الخريطة منذ الحملة العسكريّة في العام 1860 وصولًا إلى مؤتمر الصلح في العام 1919".
ومنذ البداية كان الجدل الأساسي حول الديموغرافيا والولاء والوطن النهائي وتشكل الهويات وبالنتيجة من يحكم، وما حصل بالأمس حول تشكل لبنان الكبير يذكرنا بما يحصل بسوريا الأن وانبعاث الهويات، والأكثريات والأقليات وصراعات النفوذ. يقول طرابلسي "لم يقف النزاعُ على خريطة "لبنان الكبير" عند نشرها رسميًّا في مرسوم الجنرال غورو. في العام 1921 دعا رئيس الوزراء الجديد أريستيد بريان إلى فصْل طرابلس عن "لبنان الكبير" من أجل تأمين أكثريّةٍ عدديّةٍ للمسيحيّين". و"تَجدّدَ السجالُ والمراوحة عشيّة صياغة دستور العام 1926 الذي كرّس التمثيلَ الطائفيَّ في الوزارة والإدارة، ولم يشمل التمثيلَ النيابيّ لأنّ القانون الانتخابيّ قضى بانتخاباتٍ خارج القيد الطائفيّ في البرلمان وتمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ.
خلال مداولات الدستور، أعلن دو كيه أنّ خطأ قد ارتُكب في إدارة "لبنان أكبر مما يلزم" مقترحًا إعادة ضمّ طرابلس والمناطق المسلمة من البقاع وعكار إلى سورية، على اعتبار أنّ فترة الاختبار أثبتتْ عدم ضمان ولاء المسلمين للكيان اللبنانيّ. وبعد سنتين من ذلك، قدّم إميل إدّه مذكرةً إلى الخارجيّة الفرنسيّة تطالب بإنشاء "لبنان متوسّط" يُمنَح فيه جبل عامل الحكْم الذاتيّ، على غرار دولة السويداء في سورية، وتعاد عدّة مناطقَ ذات أكثريّة مسلمة من البقاع إلى سورية. واقترح إدّه أن تعلَن طرابلس "مدينة حرّة" تحت الإدارة الفرنسيّة، يُمنح سكانُها المسيحيّون الجنسيّةَ اللبنانيّةَ والمسلمون الجنسيّةَ السوريّة. هكذا تتأمّن في "اللّبنان المتوسّط" هذا أكثرية مسيحية تصل إلى 80% من السكان، وتسمح بـ"حمايته"، حسب تعبير إدّه. لم يؤخذْ باقتراح إدّه. فقد تجاوزَه دستورُ 1926 الذي عيّن حدود لبنان".
ويسأل الكاتب سهيل القش في كتابه" المرآة المتكسرة (تشظي الكيان اللبناني)": كيف تم اختراع الشعب اللبناني؟ ويقول إن وعد بفلور العام 1917 الذي التزمت بموجبه الامبراطورية البريطانية إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يتشابه في كثير من وجوهه مع الوعد الذي قطعه كليمنصو للبطريك الحويك بإقامة "لبنان الكبير" بهدف حماية الطائفة المسيحية المارونية! يتبين من ذلك أن الهدف في الحالتين، يكمن في اختراع أمة وشعب على مقاس كل من الطائفتين: إسرائيل للطائفة اليهودية، ولبنان الكبير للطائفة المارونية. وقد تكفل اللغط اللغوي الذي أعقب هذين الوعدين بالمزج بين مفهومي الطائفة والشعب. وبذلك استخلصت السفسطة الصهيونية حول المظلومية اليهودية، بأن الشتات جعل من اليهود شعباً بلا أرض، فوعدهم بفلور بإعطائهم أرضاً سائبة لا شعب يقيم عليها".
يضيف: "أما في ما يتعلق بالطائفة المارونية، فقد وجدت في بداية الاستشراق الإيديولوجي الفرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، من يطلق عليها الموارنة، الذي لم يتشكلوا كطائفة، بعد تسمية الشعب الماروني أو الأمة المارونية. الصعوبة كانت تكمن في هذه الحالة في خلق لبنان مكبر أو كبير يتسع لإقامة شعب مسيحي وذلك باقتطاع مناطق بأكملها من الجوار السوري أو "الجوف السوري" وقد ترفض الالتحاق بالطائفة المارونية التي أطلقت على نفسها صفة أمة. لكن الخطر الذي يهدد المشروع الفرنسي بإقامة دولة لبنان المكبر، إنما جاء من داخل الطائفة المارونية نفسها. لقد ثبت أن الحجج التي اعتمدها البطريرك حويك لإقناع كليمنصو بتكبير لبنان المتصرفية، كانت تستند إلى قابلية الدولة العتيدة للحياة، وهي لا تستقيم إلا بالمصادر الزراعية للمناطق التي توافق البطريرك حويك مع كليمنصو على سلخها عن سوريا وضمها الى جبل لبنان".
والنقاش الديموغرافي يأخذ بعدا آخر في كتاب "هذا الجسر العتيق سقوط لبنان المسيحي 1920-2020" لكمال ديب، دار النهار، بيروت، فيقول: "فضّل الموارنة ضمّ مناطق إسلاميّة ورفضوا ضمّ مناطق أرثوذكسية للمحافظة على الطابع الكاثوليكي للكيان الجديد. وكان الكيان الجديد قد بدأ يشهد تطوّراً نحو بناء مؤسسات الدولة، إلا أن العقبة الأساسية بقيت في كيفيّة استيعاب المسلمين. وذلك أنّ مواقف المسلمين السلبية من الكيان أدّت إلى زرع بذور الشّك في نفوس الفرنسيين وبعض القادة المسيحيين في إمكانية النجاح في ضم البقاع وطرابلس إلى لبنان. إذ توصّل كبير مُمثّلي فرنسا في لبنان دوكييه العام 1928 إلى قناعة بأنّ أغلبيّة المسلمين لا تزال بعيدة عن أن تُدين بالولاء للكيان الجديد، فاقترح ضم طرابلس وعكار والبقاع إلى سورية. خاف تُجار بيروت أن يؤدي ضمّ طرابلس إلى سورية إلى تقوية طرابلس ومرفئها على حساب بيروت. وبعد صدور إحصاء 1932 قدّم إدّه باسم عدد من حلفائه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية توضح أن عدد سكان لبنان الكبير هو 840 ألفاً منهم 405 ألف مسلم، أي من دون غالبية مسيحية راجحة. ويقترح أن تصبح طرابلس مدينة مفتوحة يُمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية وسكانها المسلمون الجنسية السورية، فيحذف 140 ألفاً من مسلمي لبنان وتقتصر دولة لبنان على الجبل والبقاع وما تبقى من الساحل. وهكذا تعود نسبة المسيحيين إلى 80 بالمئة من السكان. كما أن أفكاراً لضم تلكلخ ووادي النصارى في سورية إلى لبنان رفضت لأنّ هؤلاء كانوا من الروم الأرثوذوكس ما يجعل الميزان الديموغرافي لغير صالح الموارنة. ولم تلق أفكار إعادة رسم حدود لبنان اهتماماً، إذ عارضها مسيحيون كثر وأبرزهم ميشال شيحا الذي لم ير مشكلة في النسب العددية للطوائف بل نظر في مصلحة الاقتصاد وعلى أن التنوع الطائفي هو مسألة يمكن التعاطي معها. توجهات إدّه كرئيس للجمهورية العام 1936 كشفت أفقه الضيق حيث شجع الإرساليات الأوروبية وتمسك بفكرة "القومية الفينيقيّة" التي عمل على إدخالها في مناهج التعليم مدعوماً من شارل قرم الفرانكوفوني الذي اهتمّ كثيراً ببعث قومية لبنانية بتراث فينيقي".
هذا التقميش لمجموعة من الأفكار والمعلومات والتفاصيل حول تشكُل "لبنان الكبير"، يظهر أزمات البلد المزمنة، وتتجلى الأزمات بقوّة في كل استحقاق سياسي، وفي موسم انتخابي، وكل قانون انتخابي، وفي الخوف من التعداد السكاني وشبح "الغرباء"... ومن خلال التمعن في ولاءات الجماعات اللبنانية، فـ"الهويات المزدوجة" كثيرة الحضور وتتغلب على شعار "لبنان أولاً"، والتصدّع الوطني يسهّل من تدخلات الأغيار، الأعداء والأصدقاء والأشقاء، وتوغلهم وإطلاق مشاريعهم الانتحارية والتعسفية وجعلنا مجرد وقود.
