ختارات شعريّة لأحمد يماني، الإصدار الحديث لمرفأ للثقافة والنشر، حيث تقدّم الدار للقارئ صورة عن تجرِبة أحمد يماني الشاعر والأكاديمي المصري الرائد في الحداثة الشعريّة العربيّة، الكتاب الذي يقع في 448 صفحة يتضمن تقديمًا من قبل الشاعر والمترجم العراقي كاظم جهاد وتظهير من قبل الشاعر والروائي اللبناني عبّاس بيضون، حيث يتناول جهاد تجربة يماني من زاوية نفسيّة اجتماعيّة، أمّا بيضون فيركز في كلمته على الشكل الأدبي حيث تتراوح قصيدة يماني بين قصيدة النثر والأقصوصة، بالإضافة إلى مختارات من مقالات ودراسات نقديّة تناولت تجرِبة يماني.
الكتاب يغرف بعناية من مجموعات يماني الست قصائد يغلب عليها طابع التكثيف والسرد الشعري وتتناول موضوعاتيًّا الجوانب المجتمعيّة والعاطفيّة والفكريّة التي تعتلج داخل الشاعر وذهنه.
من مقدّمة كاظم جهاد نقرأ:
هي ذي إذَنّ مرثاة جميلة وأليمة لهولاء القتلى في قلب الطبيعة، ما يذكّر بجنديّ رامبو «النائم في الوادي» وله «في خاصرته اليمنى ثقبان أحمران». لا أثر هنا لأيّ عاطفة أو تصريح بالاكتراث، بل تمارس القصيدة أثرها من خلال الوصف المحض، ومن قال إنّ الوصف لا يكفي ذاته ولا يفجّر العاطفة ممّا وراء الكلمات؟
هذا الاكتراث المتعاطف يجعل من أحمد يماني أحد أكبر شعراء الجُموع أيضًا، لا بمعنى شعر نضاليّ أو جماهيريّ، بل بمعنى التحديق الدائم في أوجاع البشر، وفي هذه المتاهة الواسعة التي هي الحياة، التي يظلّ من جوهرها -كما أكّد دانتي- ألا تستوعب السّعادة إلا لمامًا. في مطلع القرن العشرين، أطلق الشاعر والروائيّ الفرنسيّ جول رومان عمله الشّعري المنطوي على فلسفة في الحياة سمّاها الحياة الاجتماعية ومنح التعبير ذاته عنوانا للمجوعة الشعريّة التي عبّر فيها لي عن فلسفته هذه. لا تصدر هذه النظرة -ولا نقول النظرية- الشَّعرية عن إيمان أيديولوجي باهمّية الجماعة، بل عن تشخيصات ثاقبة لحركة توافقيّة (ومن هنا اختياره مفردة «الإجماع»)، توجّه في نظره الكلّ وتؤطّر حركة العالم في شتّى المواقف والحالات. وقبله كان بودلير قد رصد الجمهور وحركيّة المدينة وشعور الإنسان في أحيان كثيرة بالوحدة في قلب الحشد لكنّ حركة المجموع لا تلبث أن تجتذبه وتجرّه إلى زمن آخر يُحِلّ في صميم ذاته هذه الحركيّة الكليّة التي من دونها قد لا يكون شاعرٌ، مهما يكن من توحّده، شاعرًا حقًّا. هذا ما نراه في وثبة التماهي الكبيرة التي نجمع أحمد يماني بالآخرين، وقديمًا قال عروة بن الورد: «أقسِّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ...». هذه الاجتماعية الجذريّة نقابلها حتّى في قصائد يماني…
لا شك أنّ شعراء من شتّى البلدان واللّغات يمكن أن يأتوا بمثل هذه المقاربة الشّعرية- العاطفية، لكنْ لا أدري لماذا يراودني الاعتقاد بأنّ شاعرًا مصريًّا بنباهة أحمد يماني ووعيه لعالَم البشر وطقوس العالم الجميلة أو المكتئبة هو الأقدر على الإتيان بمثل هذه اللوحات المنغرسة في قلب الحياة. منذ عقود ونحن نغوص في قلب الواقع مصوَّرًا من مناظير مختلفة، في سرديّات نجيب محفوظ ويوسف إدريس وخيري شلبي وإبراهيم عبد المجيد وآخرين، وفي أشعار صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأسامة الديناصوري وعلاء خالد وسواهم. ثمّة في قصائد أحمد يماني هذه هواء لذيذ ومنعِش، روح شعبية نبيلة وأليفة، ولا يتعلّق هذا بمفردات كالفلاحة والجلباب والفول السودانيّ، وإن كان لها دورها في إرساء القصيدة في صميم المعترك اليوميّ، كما أشرنا إليه في أثناء التعليق على قصيدة «هواء توقّف أمام البيت». فالمسألة مسألة مقاربة شِعرية لا تنحصر في معجم يوميّ أو لغةٍ مَعيشة. على النّحو ذاته نجد هذه الاجتماعية الجميلة في القطعة العاشرة من الحلقة الشِّعرية "تحت شجرة العائلة":
"أنا الفلّاح
ذو "الأيدي الناعمة"
أنا عامل الحكومة
وصديق الأرامل
أنا ربّ البيت
النائم ظهيرةَ كلّ يوم...
آنا الرَّجل
الذي فقدَ في مكانٍ ما خمسة سنتيمترات من جسده".
من قصائده نختار المقاطع التالية:
كل انهيار جديد لجسدي أكافئه بملابس جديدة،
مع السقوط الجماعي للشعر أشتري جاكتا،
مع ابيضاض الحاجبين حذاء طويلا،
مع تجاعيد الجبهة بنطلونا،
ولانحناءة الكتف كوفية صوفية.
لست متأسيًا على الفقد ولا فرحا بالاكتساب،
فقط أضع لكل مقام غطاء.
-----
حدقتك نفسها
تنكمش في النهار وتتسع في الليل.
"أفعى الشك"
ستبقى نائمة تحت سريرنا،
أحيانا نداعبها فتفغر فاها مهددة
وأحيانا نتركها هناك مئتنسين بحضورها العنيف.
الأفعى أبدا لم تنفث سمها
وإلا لكانت الحدقة قد اختفت تحت عين مغلقة نهائيًا دون نوم
وبجانبها يتمدد جسد نحيف يهتز كمجنون.
----
أطير معك يا يمامة الحقل
في رحلتك اليومية بطول القرية
أطير وأحط
على الشجرة التي تحبينها
وألقط معك القشات
أرصها واحدة فواحدة
أضع لمسة من روحي على بيتك
وعندما تعودين منهكة
من الرفرفة الطويلة الطويلة
سأكون في انتظارك
أحمد يماني: يقيم في إسبانيا منذ عام 2001. حاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها من جامعة القاهرة العام 1992. حاصل على الدكتوراه من جامعة كومبلوتنسي مدريد العام 2014 عن رسالته:
EL POEMA EN PROSA ÁRABE: BASES TEÓRICAS Y ESTÉTICAS.
UNIVERSIDAD COMPLUTENSE DE MADRID.
يعمل معدّا ومذيعا للبرامج في القسم العربي من إذاعة إسبانيا الخارجية، اتحاد الإذاعة والتليفزيون الإسباني. La Corporación de Radio y Televisión Española (RTVE).
أصدر خمسة دواوين شعرية باللغة العربية:
- (2013) منتصف الحجرات، دار ميريت للنشر والتوزيع، القاهرة
- (2008) أماكن خاطئة، دار ميريت للنشر والتوزيع، القاهرة
- (2012 طبعة ثانية عن مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة.
- (2001) وردات في الرأس، دار ميريت للنشر والتوزيع، القاهرة.
- (1998) تحت شجرة العائلة، طبعة خاصة، القاهرة.
- (1995) شوارع الأبيض والأسود، طبعة خاصة، القاهرة.
وترجمت مجموعة من قصائده إلى اللغة الإسبانية تحت عنوان "ملجأ من عظام". وصدرت العام 2015 عن دار نشر أوليفانتي. REFUGIO DE HUESOS. Editorial Olifante, 2015. Zaragoza, España.
