"الجمل" تنشر ترجمة "غاتسبي العظيم" لفيتزجرالد

المدن - ثقافةالاثنين 2025/08/25
فرانسيس سكوت فيتزجرالد
"في مقتَبَل سنوات العُمر الأشد حَساسيةً، قدم لي والدي نصيحةً، من يومِها وأنا أقلبها في عقلي"
حجم الخط
مشاركة عبر

صدرت عن منشورات الجمل رواية "غاتسبي العظيم" للكاتب الاميركي فرانسيس سكوت فيتزجرالد، ترجمتها عن الإنكليزية، فاطِما خضر، هنا مقطع منها تنشره "المدن" بالاتفاق مع الناشر.

 

اعتمِرْ حينها قُبّعتك الذّهبيّة،

طالما ذلكَ يلامسُ قلبَها

 

وإن استطعت أن تقفزَ عاليًا،

 

فافعل ذلكَ من أجلِها أيضًا

 

إلى أن تُناديكَ:

 

"حبيبي...

 

يا ذا القُبعة الذّهبية

 

يا ذا الوثبة العالية

 

لا بدّ أن أطالَكَ"

 

(من قصيدة ل: توماس بارك دانفيلييه)

 


 

 

الفصل الأوّل


في مقتَبَل سنوات العُمر الأشدّ حَساسيةً، قدّم لي والدي نصيحةً، من يومِها وأنا أقلبّها في عقلي. إذ قال: حالما تشعر برغبةٍ في انتقاد إنسانٍ ما؛ تذكّر فقط أنّ محاسنَكَ قد لا يمتلكها النّاس قاطبةً في هذه الدّنيا.

 

حينها لم يُضِف إلى قولِه كلمةً واحدةً، بالرّغم من أنّنا دائمًا ما كُنّا نتواصل بتحفّظٍ خلافًا للمعهود؛ لذا فهمت أنّه كان يقصد قولَ الكثير بكلامِهِ.  وبذلك صار عندي ميلٌ لعدم إلقاء الأحكامِ على الآخرين، الأمر الذي مهّدَ لاكتشافي كثيرًا من الطّباع الغريبة في البشر، وجعلني في الوقت ذاته ضحيةً لكثيرٍ من الأشخاص الضّليعين في إثارة المَلل. وسريعًا ما يستشعر الذّهن غير السّويّ هذه الصّفة فيما لو ظهرت في شخصٍ عاديٍّ، فيلتصق بها؛ وهذا ما حدث أثناء دراستي الجامعيّة، إذ صرتُ دون وجه حقٍّ مُتّهمًا بأنّي سياسيٌّ، نتيجة اطّلاعي السِّرِّيّ على الأحزان الخَفيّة لرجالٍ جامحين مجهولين. من ناحيتي لم أسعَ لاكتساب مُعظم الثّقة التي مُنحت لي، بل على العكس، غالبًا ما كنت أتصنّع النّوم أو الانشغال التّام أو الطّيش العِدائيّ، لحظة ما أدرك عبر إشارةٍ لا لبس فيها أنّ بوحًا حَميمًا يلوح في الأفق؛ وذلك لأنّ البوح الحميم للشبّان، أو على الأقل العبارات التي يتلفّظون بها للتّعبير عن ذواتهم عادةً ما تكون مُقتبَسةً ومشوّهةً بفعل ما يعانونه من كبتٍ. كما أنّ مسألة الامتناع عن إطلاق الأحكام المُسبقة على الآخرين أشبه بالأمل المُطلَق؛ وأنا ما زلت أخشى خسارة شيءٍ ما، فيما لو نسيت أنّ مسؤوليّة الأخلاق الفعليّة غير موزّعةٍ بالتّساوي بين البشر عند الولادة؛ وهذا ما أشار إليه والدي بتعالٍ، وأعدته أنا أيضًا بتعالٍ.

 

وبعد التّباهي بأسلوب التّسامح هذا، ها أنا أعترف بأنّه ثُمّة حدودًا للتّسامح؛ وبأنّه سواء بُنيَ هذا السّلوك على أساسٍ متينٍ أو لَدنٍ، لا أكترثُ بعد حدٍّ معينٍ على أيّ أساسٍ يُبنى.

 

في الخريف الفائت بعد عودتي من الشّرق، شعرت برغبةٍ بأن يغدو العالم مُتآلفًا وأشبه بصورةٍ سرمديّةٍ للوعي الأخلاقيّ؛ وبعدم رغبتي بأن أحظى بمزيدٍ من تلك النّزهات الصّاخبة المُقترنة بنظراتٍ خاطفةٍ ومُتعاليةٍ إلى الجوهر الإنساني؛ وكان غاتسبي هو المُستثنى الوحيد من ردّة فعلي هذه، الرّجل الذي منحتُ روايتي هذه اسمَه، والذي مثّلت حكايته السّبب لازدرائي الصَّرف للآخرين. وإن كانت شخصيّة الإنسان عبارةً عن سلسلةٍ متواصلةٍ من الأفعال النّاجحة في تجسيد النّوايا، فلا بدّ أنّ ثُمّة شيئًا فائقَ الجمال في شخصيته، كبعض الحساسيّة المُفرطَة تجاه وعود الحياة، وكأنّه يرتبط بواحدةٍ من تلك الآلات المُعقّدة التي ترصد الزّلازل على بُعد عشرة آلاف ميلٍ؛ وليس ثُمّة من رابطٍ بين هذا النّوع من الحساسيّة وتلك الحساسيّة المُفرطَة المُبجّلة تحت اسم «المزاج الإبداعيّ»، بل إنّها هِبةٌ استثنائيّةٌ حيال الأمل، ونزعةٌ رومانسيّةٌ لم أجدها من قبل، وغالبًا لن أجدها ثانيّةً لدى أيّ شخصٍ آخرَ.  وفي النّهاية، تبيّن لي أنّ غاتسبي شخصٌ طيّبٌ؛ وأنّ ما شَغَل باله وعكَّرَ صفو أحلامِه، غدا بصورةٍ آنيّةٍ سَببًا لعدم اكتراثي بكلٍّ من أحزان النّاس المُجهِضة وأفراحهم قصيرة الأجل.
 

غاتسبي

كان أفراد عائلتي شخصيّاتٍ بارزةً وميسورة الحال، عاشوا على مدار ثلاثة أجيالٍ مُتعاقبةٍ في هذه المدينة، التي تُمثّل إحدى مُدن الغرب الأوسط، وعائلة كاراوِي أقرب إلى العشيرة، وثُمّة عرفٌ يحكي بأنّها مُنحدرةٌ من سُلالة دوقات بوكْلُو؛ لكنّ المؤسّس الفعليّ لفرع عائلتي هو شقيق جَدّي، الذي جاء إلى هذه المنطقة عام 1851، بعدما أرسل بديلًا عنه يخوض غِمار الحرب الأهليّة، ثُمّ شرَعَ في تجارة الخُردة بالجملة، والتي استمّر فيها والدي لغاية اليوم.

 

لم أرَ مُطلقًا شقيق جَدّي ذاك، لكنّي وبالعودة للوحته المُعلّقة في مكتب والدي، والمرسومة بواقعيةٍ شديدةٍ؛ أفترض أنّي أُشبهُه.

تخرّجت في جامعة نيو هيفن عام 1915، أي بعد تخرّج والدي فيها برُبع قَرنٍ، وشاركتُ بعد ذلك بقليلٍ في الهجرة التّيوتونية المُتأخّرة، المعروفة باسم «الحرب العُظمى»؛ واستمتعت بالهجوم المُضاد لدرجةٍ أنّي عدت خائر القِوى، وعوضًا عن سُمعة الغرب الأوسط بوصفه قلب العالم النّابض، غدا اليوم أقرب لأن يكون شفا جُرفٍ هار، الأمر الذي حثّني على أن أقصِدَ الشّرق لتعلّم العمل في مجال السّندات الماليّة. إذ كلّ من عرفتُهم هُناك، كانوا يعملون في مجال السّندات الماليّة، وافترضت أن هذا العمل يتحمّل وجود رجلٍ آخرَ. تجادل جميع أعمامي وعمّاتي في الأمر، وكأنّهم يختارون لي المدرسة الإعداديّة التي سأرتادُها؛ وبتعابير وجهٍ حادّةٍ ومتردّدةٍ أجمعوا في النّهاية على القبول الإيجابي قائلين: نعم، لِمَ لا؟ وبناءً على هذا الإجماع، وافق والدي على إمدادي بالمصاريف لمدّة عامٍ، وبعد جملةٍ من الظّروف المُؤخِّرة، وصلت إلى الشّرق في ربيع/1922، وفي نيتي أن أستقرَّ هُنا على الدّوام.

 

من النّاحية العمليّة، استلزم الأمر العثور على سَكَنٍ في المدينة، وبما أنّ الرّبيع فصلٌ دافئٌ، وأنّي غادرت لتوّي ريفًا غنيًّا بمروجٍ شاسعةٍ وأشجارٍ وارفةٍ، بدا لي فكرةً عظيمةً ما اقترحَه شابٌّ يعمل معي في المكتب ذاته، وذلك بأن نستأجر معًا منزلًا في بلدةٍ مجاورةٍ. وفعلًا، تمكّن من إيجاد منزلٍ خشبيٍّ مُتهالكٍ بفعل العوامل المناخيّة، مؤلَّفٍ من دَورٍ واحدٍ بإيجار ثمانين دولارًا في الشّهر، لكنّ الشّركة أمرَت بنقله إلى واشنطن قبل انتقالنا مباشرةً لهذا المنزل، فانتقلت إليه وحيدًا. بدايةً كان عندي كلبٌ، بقي معي هُناك لبضعة أيّامٍ ثُمّ فرَّ هاربًا؛ وسيّارة دودج طرازٍ قديمٍ، وامرأةٌ فنلنديّةٌ تُرتّب سريري، وتُعدّ فطوري وهي تُتمّتم بحكمةٍ فنلنديّةٍ بالقرب من الموقد الكهربائيّ.

 

 بقيتُ وحيدًا ليومٍ أو أكثر، وفي أحد الصّباحات أوقفني في الطّريق رجلٌ حديثُ الوصول إلى المنطقة، وسألني بشيءٍ من اليأس كيف قدمْتُ إلى قرية وِست-إيغ، فأخبرتُه، وبذلك لم أعد وحيدًا، بل صرت مُرشدًا ودليلَ طريقٍ ومستوطِنًا أصليًّا. إذ منحني هذا الرّجل بعبثيّةٍ، حريّةَ من يحيا في هذه المنطقة.

 

 وهكذا... مع إشراقة الشّمس، وتبرّعم أوراق الأشجار المُتسارعة في نموّها كتسارع أحداث الأفلام السّينمائيّة السّريعة، تملّكني شعورٌ مألوفٌ بانبعاث الحياة مُجدّدًا مع بداية الصّيف.

 

كان هُناك الكثير لأقرأَه، والكثير من العافيةِ لأستمدَّها من استنشاق الهواء العليل. اشتريت عشرات المجلدات حول الأعمال المصرفيّة والائتمانيّة والضّمانات الاستثماريّة، التي اصطّفت على رفِّ مكتبتي بأغلفتها الحمراء والذّهبيّة، والتي ولأنّها جديدةٌ تمامًا بدَت كأوراقٍ نقديّةٍ صُكّت للتو، تَعِد بكشْف الأسرار البرّاقة التي لم يعرفها سوى ميداس ومورغان وميسيناس[1].  كما عقدتُ النّية على قراءة مجموعة كتبٍ أخرى، إضافةً لتلك المُجلدات.
 

ي الجامعة كنت مَيّالًا أكثر إلى الأدب، وفي إحدى السّنوات كتبتُ لصحيفة ييل نيوز سلسلةً من المقالات الافتتاحيّة الرّصينة التي تخلو من الغموض، وأنوي الآن أن أُعيدَ مُجمل هذه الأشياء إلى حياتي، وأن أعملَ على عدم البقاء رجلًا يعرفُ شيئًا عن كلّ شيءٍ، وإنّما كلَّ شيءٍ عن شيءٍ بعينه؛ وهذا الكلام ليس مُجرّد إبيغراما[2]، فالحياة أعمق من أن يُنظر لها بعين النّجاح من زاويةٍ واحدةٍ.

 

 شاء الحظ أن أستأجرَ منزلًا في واحدةٍ من أغرب التّجمّعات السّكنيّة في أمريكا الشّماليّة، الكائنة فوق جزيرةٍ صاخبةٍ وضيّقةٍ، تمتدّ باتّجاه شرق نيويورك، حيث ومن بين تكوينات الطّبيعة اللافتة، ثُمّة تكوينان غير مألوفين للنّظر، إذ تتموضع على بعد عشرين ميلًا من المدينة، هضبتان أشبه ببيضتين ضخمتين مُتطابقتين في الحجم، يفصل بينهما خليجٌ بديعٌ تنبثق عنه أشدّ المياه المالحة تحليةً في نصف الكرة الغربيّ، وجوارٌ بمناخٍ عالي الرّطوبة يمتدُّ على طول خليج لونغ آيلاند ساوند؛ لكنّهما ليستا بشكلٍ بيضاويٍّ مثاليٍّ كشكل البيضة الشّهيرة في قصّة كولومبوس[3]، بل مُنخفضتان عند طرف نقطة الاتّصال؛ لكن لا بدّ من أنّ التّجانس الجسمانيّ بينهما يمثّل مصدر ارتباكٍ لامُتناهٍ للنّوارس التي تحوم أعلاهما، أمّا لمن يمشي على الأرض فإنّ التّباين في كلّ تفصيلٍ فيهما ــ باستثناء الشّكل والحجم ــ يمثّل الظّاهرة الأشدّ استدعاءً للانتباه.

 

عشت في وِست-إيغ التي تُعتبر جيّدةً، لكن الأقل فخامةً بين الهضبتين، مع أنّ هذه ليست بالإشارة الذّكيّة لوصف الفرق العجيب والشّديد السّوء بينهما. يقع منزلي على أطراف منطقة وِست-إيغ، على بعد خمسين ياردةً فقط من خليج آيلاند ساوند، محشورًا بين بنائين ضخمين يؤجَّران بشكلٍ موسميٍّ بمبلغ اثني عشر وخمسة عشر ألف دولار؛ البناء إلى يمين منزلي هائلٌ بكلّ المقاييس، فهو محاكاةٌ حقيقيّةٌ لمبنى بلدية نورماندي، يُحاذيه عن أحد جوانبه برجٌ، تُعرِّش من تحته ممتدّةً للأعلى عرائش ناعمةٌ من اللبلاب الغَضّ، له حوض سباحةٍ من الرّخام، ومَرجٌ أخضرُ وروضةٌ يمتدّان على مساحة أكثر من أربعين فدّانًا. كان هذا البناء هو قصر غاتسبي؛ أو بالأحرى وكوني لم أكن قد عرفت السّيّد غاتسبي بعد، لقد كان قصرًا يسكنه رجلٌ نبيلٌ، يحمل اسم غاتسبي.

 

 بينما كان منزلي يخدِش النّظر قليلًا نتيجة ما تعرّض له من إهمالٍ، لكن بالرّغم من ذلك وفّر لي إطلالةً على الماء، وإطلالةً أُخرى جزئيّةً على رياض جاري، وقُربًا من الأغنياء يواسي النّفْس؛ وكلّ ذلك بثمانين دولارًا شهريًّا.

 

 على الجانب المقابل من الخليج السّاحر، تتلألأ القصور البيضاء العصريّة في منطقة إِست-إيغ على امتداد صفحة الماء؛ حيث بدأَت حقًّا حكاية الصّيف ذات مساءٍ، بينما كنت أقود سيّارتي مُتّجهًا لتناول العشاء مع عائلة توم بيوكانِن. تربطني قرابةٌ بعيدةٌ بديزي التي انتقلت للعيش هُنا مُسبقًا؛ أمّا توم فقد عرفته منذ أيّام الجامعة؛ وكنت قد قضيت معهما يومين في شيكاغو، وذلك بعد انتهاء الحرب مباشرةً.


 


[1] ثلاث شخصياتٍ عُرِفَت بثرائها الفاحش، واهتمامها المُفرِط بجمع الثّروات ــ المُترجم.

[2] Epigram ــ إبيغراما: نوعٌ شعريٌّ قديمٌ، يُعرف باسم قصيدة الحكمة السّاخرة، والتي تتميّز على وجه الخصوص بتركيز العبارة وإيجازها، وكثافة المعنى فيها، فضلًا عن اشتمالها على مُفارقة ــ المُترجم.

 

 [3]بيضة كولومبس: مصطلحٌ يُستخدم للإشارة إلى اكتشافٍ استثنائيٍّ أو فعلٍ مميّزٍ، يعتبره الآخرون سهلًا جدًّا لكن بعد إنجازه. وجاء هذا التّعبير من قصّةٍ تُنسب إلى كريستوف كولومبس، أنّه بعد اكتشافه للقارة الأمريكية، قيل له على مأدبة طعام أنّ اكتشافه حتميٌّ وليس بالإنجاز العظيم، وحينها طلب من منتقديه أن يجعلوا بيضةً مسلوقةٍ تقف على أحد طرفيها، وعندما عجزوا عن الأمر، أزال القشرة من أحد الطّرفين جاعلًا هذا الطّرف مُسطحًا باستخدام السكين، ومن ثُمّ أسندها على الطّأوّلة، حينها قالوا له: كان بإمكاننا أن نفعل ما فعلت. فأجابهم بهدوء: إذًا لِمَ لمْ تفعلوا؟ ــ المُترجم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث