مرت ذكرى مرور 100 عام على ولادة سهيل إدريس بصمت وخجل في بيروت. وهو الذي عاش حياته مع الكلمة. وكان جسرًا حقيقيًا بين النهضة والحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين. نهل العلم من مدارس بيروت المدينة العزيزة على قلبه، والشاهدة على نجاحاته وإنجازاته. ذات مرحلة كان سهيل إدريس عنوانا كبيرًا في البلد وقنطرة في المدينة، وكان المثقف الذي اتسعت همته لأمال كبيرة. اتجه في بدايات تعليمه إلى المدارس الدينية وخاض صراعا مع نفسه ومجتمعه ليشق طريقًا مختلفًا. وكتب هذه السيرة ومعاناته في روايته "الخندق الغميق" 1958 والتي انتهت بمغادرته لبنان إلى فرنسا بمنحتين من وزارة التربية وجمعية المقاصد لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون. وكان موضوع أطروحته "الرواية العربية الحديثة من عام 1900 حتى 1950 والتأثيرات الأجنبية فيها". ولكن سبق ذلك كله عمله في الصِّحافة البيروتية ردحاً من الزمن في "الأنوار" و"الصياد" و"الجديد".
أسس عام 1953 مجلة الآداب مع بهيج عثمان ومنير البعلبكي ثم استقل بها عام 1956. ولا أزال اذكر مبلغ حماسته لمجلة الآداب وكنت اجري حوارًا مطولًا معه لكتابي "اشارات النص والإبداع" 1995 كيف احضر وثيقة يعتز بها وتفيد ان مجلة الآداب هي امتياز سياسي وليس ثقافياً. جعل سهيل ادريس من الآداب منبرًا للفكر القومي العربي وتظهير فكر ملتزم عماده قضية فلسطين. واستقطبت المجلة على صفحاتها أدباء ونقاداً وشعراء لبنانيين وعرباً مثل خليل حاوي وبدر شاكر السياب ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وصلاح عبد الصبور ولويس عوض وأنور المعداوي واحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم. وفي مرحلة الستينات ظهر محمود درويش، سميح القاسم وعزالدين المناصرة وآمل دنقل وممدوح عدوان والياس خوري ومحمد علي شمس الدين وغيرهم. استمرت الآداب في الصدور منذ تأسيسها 1953حتى العام 2012 اي بعد وفاته بأربع سنوات، بهمة ابنه سماح إدريس. أثناء الحرب اللبنانية فكر إدريس بنقل مجلة الآداب إلى إحدى العواصم العربية، ولكنه تراجع بعدما لمس هول المخاطرة. وقال: "الآداب من بيروت وفي بيروت وإلى بيروت والعالم العربي". اسس ادريس مع نزار قباني دار الآداب في العام 1956 واستقل بها في العام 1961 وعرفت الدار نجاحًا وحضورًا قويا وانتشارًا في لبنان والعالم العربي. وخصوصا في مجال الرواية والأدب والدراسات والترجمة لنتاج التيار الوجودي في فرنسا الذي مثله جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار والبير كامو. ترجم إدريس أكثر من 20 كتابًا من الفرنسية إلى العربية مغنيًا المكتبة العربية. أسس في العام 1968 مع 4 كتاب لبنانيين هم قسطنطين زريق وجوزف مغيزل ومنير البعلبكي وادونيس اتحاد الكتاب اللبنانيين وانتخب أمينا عاما له لثلاث دورات. رغم ذلك لبثت الرواية شغفه الأول وغرامه الاخير. ولكن تسرب وقتها في العمل في الترجمة ومجلة الآداب ودار الآداب. لكنه كتب وأبدع. عكست رواياته وقصصه جوانب حياته. وبرأيه ان العمل الروائي يجب ان يعبر عن العام بواسطة الخاص وان يكون موضوعيًا في ما هو ذاتي. كتب "أقاصيص أولى" و"الحي اللاتيني" 1953 وصور فيها الصراع بين الشرق والغرب ولعلها من الروايات الاولى التي تصدت لاشكالية شرق-غرب. قال عنها نجيب محفوظ :"الحي اللاتيني لسهيل إدريس معلم من معالم الرواية العربية الحديثة". أما روايته" الخندق الغميق" 1958 فعبرت عن الصراع بين جيلين ومفهومين. بين الجمود والتحرر وتحولات الصراع. عام 1962 أصدر "أصابعنا التي تحترق" وصور فيه حياته بعد عودته إلى بيروت وتأسيسه لمجلة الآداب وفيها رصد لحياة العديد من مبدعي لبنان مثل رئيف خوري وحسين مروة وسعيد تقي الدين. كان له قصة غريبة مع سعيد فقد انعقدت الصداقة بينهما ودعمه سعيد وكتب عنه وتوسم فيه تميزا وغنى للرواية العربية الحديثة. ولكن في السنوات الأخيرة من حياة سعيد انقطعت الصداقة فجأة وتوفي سعيد في المهجر ولم يكتب عنه إدريس حرفًا واحدًا.
لا أزال اذكر في بداية التسعينيات عندما احتفلنا بخمسينية الآداب واقترحت على الشاعر الصديق شوقي أبي شقرا، وكانت صفحة النهار الثقافية في عهدته، ان تخصص صفحة في النهار لتكريم الآداب فقال: "بل صفحتين واحدة لحوار مع سهيل إدريس والثانية لشهادات عن المجلة من كتابها". توجهت لزيارته في مكتبه في عين التينة وكان المكتب والمنزل في شقة واحدة. وما ان تبين له سبب الزيارة حتى قال: "أنت أت من جريدة النهار لمحاورتي وبيننا وبين شوقي أبي شقرا ومجلة شعر والنهار ما صنع الحداد. ولكن لنتحاور". وأضاف: "مرجعنا في الكتابة الجاحظ وصاحبك شوقي مرجعه كليلة ودمنه". انفعل أثناء الحوار بسبب سؤال عن حقيقة محاولتهم في مجلة الآداب لاستمالة السياب ودفعه إلى مهاجمة مجلة شعر. واذكر كيف ختم جوابه: "كان بدر شاكر السياب شاعرًا كبيرًا ولكن على المستوى الشخصي كان متذبذبًا".
واستشهد بكلامه بكتاب للسامرائي الذي جمع فيه رسائل السياب. رافقني حتى الباب مودعًا وكانت روائح الطعام تنبعث من الارجاء فدعاني إلى الغداء، فاعتذرت. ولكنه قال لي عبارة بقيت في ذاكرتي: "أنت قريب من روحي". وتعددت اللقاءات بيننا فيما بعد. ولكن جرت بيني وبينه ردود على صفحات ملحق النهار حول كتاب "يوسف الخال ومجلته شعر "2004 للباحث الإيطالي جاك اماتاييس. هذه الردود وصفها جهاد فاضل بانها معركة أدبية في بيروت. عام 2004 أصدر أخر كتبه "ذكريات الأدب والفن" وكان بصدد إصدار الجزء الثاني منه ولم يصدر. المهم، كتبت مراجعة نقدية عن الكتاب وأرسلتها كالعادة إلى جريدة النهار. اتصل بي مسؤول الصفحة الثقافية يومذاك جورج كعدي، وأخبرني أن المقال لدى رئيس التحرير انسي الحاج ويريد أن يراك. دخلت إلى مكتب الأستاذ انسي وكان المقال على طاولته فسألني: شو القصة ... معقول". أجبت: أنني اقتبست فقرات من الكتاب وأدرجتها في المقال عن علاقة والد ادريس مع احد الشبان". بعد لحظة صمت قال لي انسي :"انسى المقال وبرأيي ان تحضر اسئلة وتحاوره في مضمون الكتاب". لم أقتنع، ونشرت المقال بعد أسبوع في ملحق "نوافذ المستقبل" وكان يحرره الروائي الصديق حسن داوود. وفي اليوم نفسه اتصل بي سهيل إدريس شاكرًا للقراءة النقدية المميزة وأضاف بلكنته البيروتية "مع أنك قرْوَصتني هون وهون".
في المدّة الأخيرة من حياته دخل حديقة الصمت وبدا مسكونا بما يبقى وبما يزول. كان يرى ولا يرى. يعتصره الهم والقلق على لبنان وما يهدده من اخطار، وعلى أحوال الأمة المتردية. ولكن السؤال الصعب ونحن نتذكره في مئويته، لماذا لم يأخذ حقه في الاعتبار في مدينته وبلده. تذكره النادي الثقافي العربي غير مرة حين أطلق اسمه على دورة معرض بيروت عام 2009. وكذلك تذكره معرض المغرب للكتاب العربي حين أطلق اسمه أيضا على احدى دوراته. ذلك الحاضر بقوة إبداعه وعطاءاته وإنجازاته على مستوى النشر العربي والعمل الثقافي المؤسسي، لم تلتفت إليه الهيئات الثقافية والاجتماعية في بلده. ولم تبادر إلى إحياء ذكراه ولا تسمية شارع باسمه في مدينته ولا في إصدار طابع تذكاري. هذا الأديب البيروتي اللبناني العربي الكبير كان في زمانه منارة من منارات الأدب والثقافة في لبنان والعالم العربي.
