كيف دعمت "الجمهورية العربية المتحدة" حقوق الأكراد بلا حدود؟

إبراهيم الجبينالجمعة 2025/08/15
حجم الخط
مشاركة عبر

يسوّق بعض السياسيين الأكراد في سوريا، ولتعزيز المظلومية في الوعي العام من خارج وقائعها التاريخية، أن اضطهاد القوميين العرب لهم تم تدشينه في عهد جمال عبد الناصر، وأن تغييرًا كبيرًا طرأ على حقوق الأكراد السياسية والثقافية، ما جعلها تتراجع إلى أبعد حدّ، وهو العامل الذي يدفعهم اليوم للمطالبة بإلغاء كل ما يمت بصلة للقومية والهوية العربية ابتداءًً من اسم الدولة، وصولاً إلى ما اعتبروها ممارسات شوفينية وعنصرية ممنهجة طبّقت عليهم، لكن يبدو أن التاريخ القريب يقول غير هذا، فقد امتازت سياسات عبدالناصر بالحرص على دعم الأكراد ماديًا، إعلاميًا، سياسيًا وعسكريًا بشكل مثير للجدل.

 

بدأ ذلك كله منذ أن تلاقت نظرة الحركة الكردية في العراق ممثلة بالحزب الديمقراطي الكردي، مع توجهات ثورة الضباط الأحرار في مصر في يوليو 1952، على اعتبار أن المصلحة القومية الكردية بمواجهة الملكية في العراق تقضي بالتخلص من الأنظمة العربية التي ترى أن استمرارها يعيق تحقيق مطالب الأكراد، فيما كانت ثورة الضباط الأحرار تعتبر تلك الأنظمة "رجعية" يتوجب الانقلاب عليها لتأسيس جمهوريات جديدة في الشرق الأوسط.

وفي زمن حلف بغداد، كانت الحركة السياسية الكردية مصطفة مع موقف مصر وسوريا والسعودية وغيرها من الدول التي عارضت نشوء وتوسّع هذا الحلف، وعادت مصالح عبد الناصر للتلاقي مع الأكراد حين استخدم الأراضي السورية وكردستان العراق لمناوأة الحكم الهاشمي في العراق وسياسات نوري السعيد، وشهدت السليمانية مظاهرات واحتجاجات شعبية كردية واسعة ضد تلك السياسات التي رأت أن حلف بغداد يهدّد الوجود الكردي في إيران وتركيا والعراق معاً.

الحرب التي عُرفت بالعدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر عام 1956، عبّرت شعوب عديدة في المنطقة والعالم خلالها عن تضامن واسع مع المصريين ومع عبد الناصر شخصيًا، ومن بين أولئك كان الأكراد العراقيون، ومما يُذكر أن جلال طالباني خرج وقتها مع المظاهرات التي نددت بالعدوان ما تسبّب بطرده من المدرسة في العهد الملكي، وأعلن الملا مصطفى البارزاني، الذي كان يعيش آنذاك لاجئًا في الاتحاد السوفييتي، عن استعداده للسفر إلى مصر مع مقاتليه الأكراد ومقاومة العدوان، الأمر الذي دفع عبدالناصر إلى توجيه رسالة شكر للبارزاني من خلال سفارة مصر في موسكو.

 

إذاعة كردية من القاهرة

مع تطوّر علاقات عبدالناصر مع السوفييت، في فترة ما قبل الوحدة المصرية السورية، تصاعد دعمه للأكراد، فقرّر تأسيس إذاعة ناطقة باللغة الكردية تبثّ من القاهرة عام 1957، وتم تكليف الشيخ عمر وجدي وهو من أكراد تركيا بإدارة الإذاعة

كانت الإذاعة الكردية التي أنشأها ومولها عبد الناصر أول مساحة للدفاع عن الحقوق الكردية في المنطقة العربية، مساحة مثلت فرصة لناشطين وطلبة أكراد سيكون لهم مستقبل سياسي مؤثر في مسار المسألة الكردية لاحقًا من أمثال جلال طالباني وفؤاد معصوم، والاثنان سيحتل كلّْ منهما لاحقًا منصب رئيس الجمهورية في عراق ما بعد صدام حسين. كما نشط في تلك الإذاعة أكراد سوريون منهم عبدالوهاب الملّا، وكانت الإذاعة تفتتح يوميًا بالنشيد القومي لجمهورية مهاباد الكردية "أي رقيب".

ويذكر راصدو تلك المرحلة أن تأثير الإذاعة الكردية التي كانت تبث من القاهرة، كان قويًا في تعزيز الشعور القومي الكردي، وقد أزعجت نوري السعيد والحكومة العراقية في بغداد، واضطرت السفارة التركية في القاهرة إلى تسليم الخارجية المصرية احتجاجًا رسمياً ضد هذه إنشاء وتمويل تلك الإذاعة. وكذلك كان رد فعل إيران الشاه التي قرّرت التصدّي للإذاعة الكردية بأخرى مناهضة لها تبث من كرمنشاه.

 

التداخل بين الحركة السياسية الكردية السورية ونظيرتها الكردية بدأ من لحظة تشكيل أول حزب سياسي قومي كردي سوري في 14 حزيران/يونيو عام 1957 وهو الحزب  الديمقراطي الكردستاني (P.D.K.S) واسمه بالكردية "بارتي ديموكراطى كوردستان - سوريا"، ويلاحظ أن الحزب واسمه عبارة عن استنساخ تام للحزب الديمقراطي الكوردستاني العراقي الذي تأسس في 16 آب/أغسطس عام 1946 بقيادة الملا مصطفى بارزاني.

وكان من مؤسسي "البارتي" في سوريا الصديق السياسي السوري الكردي الراحل عبد الحميد درويش الملقّّب بـ "طالباني سوريا"، والذي تأثر بفكر الشاعر الكردي جكرخوين، بعدما التقاه مطلع الخمسينيات، ودرس في الثانوية البطريركية للروم الكاثوليك بدمشق، وبكلية الحقوق فيها، وتعرف إلى شخصيات سياسية وقومية كردية بارزة مثل روشن بدرخان زوجة الأمير جلادت بدرخان القادم إلى سوريا من تركيا، وأوصمان صبري، وعبد الرحمن ذبيحي، وهذه المجموعة أسست في العام 1955 "جمعية إحياء الثقافة الكردية" وطبعت سلسلة من الكتب السياسية والثقافية الكردية، وفي السنة التالية أسست اتحاد الطلبة الكرد، ومن ثم وبالتعاون مع حمزة نويران ولد "حزب الديمقراطيين الكرد السوريين" الذي غيّر اسمه إلى "الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا"  أو "البارتي" الذي انضمت إليه "جمعية وحدة الشباب الديمقراطيين الكرد" المشكلة سابقاً في آب/أغسطس عام 1952 على يد محمد ملا أحمد وعبد العزيز علي العبدي.

جكرخوين ومحمد فخري وآخرون أسسوا في العام 1958 حزباً سياسياً كردياً وسمّوه "آزادي"، ثم لم يلبثوا أن انضموا إلى "البارتي" الذي تم حلّه مثل غيره من الأحزاب السورية عندما أُعلنت الوحدة السورية المصرية.

الدور الكردي العراقي برز وقتها في تأثير جلال طالباني وجهده التوحيدي الذي بذله من أجل خلق حركة سياسية كردية سورية متماسكة، فقد لعب دور الوسيط بين "البارتي" والتنظيمات الكردية الي نشأن في سوريا وقتها، وشجّع أثرياء الأكراد على دعمها، كبكوات جمعية "خويبون" و"جمعية الشباب الديمقراطي". ثم عرضت قيادات "البارتي" على نور الدين ظاظا العمل سوية، فانضم إلى الحزب وأصبح رئيسا له.

 

 

دولة الوحدة والحدود البرية مع روسيا

ذهب عبد الناصر بعيدًا في دعم الأكراد والاعتماد عليهم لتعزيز نفوذه ومصالحه المشتركة معهم، وحين حانت لحظة التصويت على قرار الوحدة مع مصر، كان النواب الأكراد السوريون أوّل من صوت بالموافقة على الوحدة في مجلس النواب السوري الذي كان يترأسه أكرم الحوراني ممثلاً عن حزب البعث. ومع قيام ثورة تموز/يوليو في العراق وبروز دور عبد الكريم قاسم، اتسق ذلك مع دعم عبد الناصر للأكراد، لكن رئيس الجمهورية العربية المتحدة كانت لديه استراتيجيات مفاجئة حتى لقاسم، ويقال إنه كان يخطّط لدعم إعلان دولة كردية مستقلة في شمال العراق وجنوب شرق تركيا وشمالي إيران، تنضم إلى دولة الوحدة المصرية السورية، ما يجهل إمكانية وصول دولته إلى حدود الاتحاد السوفييتي والاشتراك معه بحدود برية مباشرة.

ولم يكن مفاجئًا أن يختار الملا مصطفى البازاني القاهرة لتكون محطة عودته من منفاه الروسي إلى العراق، بعد أن يلتقي بعبدالناصر في بيته، وهو ما حصل في آب/أغسطس عام 1958.

وكتب السياسي الكردي فؤاد عارف في مذكراته التي قدّم لها المؤرخ كمال مظهر يصف موقف عبدالناصر من الحقوق الكردية "لقد أوضح لنا عبد الناصر رأيه صراحة خلال لقائنا به، أنا وجلال طالباني، بأن للكرد حقاً في الصيغة التي يرتؤونها لحياتهم ماداموا لا يريدون ولا يطالبون بالانفصال عن العراق، ومن المفروض أن تمنحهم الحكومة العراقية حق اختيار الأسلوب الذي يريدون العيش به، وكان يؤيد فكرة الحكم الذاتي للشعب الكردي"، بينما اعتبر الكاتب علي شمدين في مقال له في "مؤسسة الرئيس جلال طالباني" إن الأكراد السوريين، ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا لم يأخذوا موقف عبد الناصر الإيجابي المذكور بعين الاعتبار آنذاك.

أكّد مثل هذا الاعتقاد عبد الحميد درويش في كتابه "أضواء على الحركة الكردية في سوريا" الصادر في العام 2000 "طبعة خاصة"، إذ يقول درويش "أعتقدُ أن حزبنا ارتكب خطأً كبيرًا في موقفه السلبي ذاك من حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وإن لم تسجل اللجنة المركزية في قراراتها مثل هذا الاعتراف بهذا الخطأ، وكان يمكن الوصول إلى نوع من التفاهم مع سلطات جمال عبد الناصر الذي كان يدعو إلى تفهم المطامح المشروعة للشعب الكردي، والاستجابة لحقوقه القومية بشكل سلمي، بدلًا من قمعه، كما كان يفعل حكام العراق وقتذاك".

 

لم تُصغِ الطبقة السياسية الكردية في زمن الوحدة إلى مثل تلك الأصوات، وكان من بينها صوت سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني، إبراهيم أحمد، الذي اقترح أن يضع الأكراد أيديهم بيد الجمهورية العربية المتحدة، بينما اتجه سكرتير الحزب حمزة عبدالله نحو التحالف مع الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم ضد عبد الناصر

وهكذا نفّذ السياسيون الأكراد أجندة قاسم حرفياً، وكانت بالطبع تقضي باتخاذ موقف سلبي من عبد الناصر ودولة الوحدة، الأمر الذي ظهرت نتائجه سريعاً من خلال صدام مباشر مع عبد الحميد السراج وجهاز المخابرات الذي ضمّ السياسيين الأكراد إلى مجموعة الجهات التي قمعها بقوة.

تبنى هذا النهج أيضاً الملا البارزاني، وتم تداول فكرة تقول إن أي تقارب مع دولة الوحدة سوف يقلّص من نسبة الأكراد الذين يمثلون في العراق 22 بالمئة وسوف تنخفض هذه النسبة في دولة الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة إلى 5 بالمئة وأن هذا لن يكون في صالحهم.

تغلّب ربط القرار الكردي السوري بقرار الخارج، الأكراد العراقيين في هذه الحالة، على القرار الوطني السوري الذي يراعي مصلحة أكراد سوريا لا مصلحة جهات خارج حدود الدولة السورية، وأخذ الحزب "البارتي" يهاجم عبد الناصر عبر صحيفته، ويتهمه بمحاولة تدمير الجمهورية العراقية الناشئة وقتها، وشبهته الصحيفة بنوري السعيد الذي كان قد أعدم وسُحلت جثته في شوارع بغداد. وكان المحرّض من خلف الأكراد في ذلك الوقت عبد الكريم قاسم وحكومته.

ومنذ تلك اللحظة أخذ هذا الخلاف بين الأكراد والجمهورية العربية المتحدة، يبحث لنفسه عن مبررات قومية وإيديولوجية، وبدأت تنتقد قمع دولة الوحدة لأكراد الإقليم الشمالي (سوريا) وتصوّره على أنه استهداف عنصري ضدهم، بينما كان جميع السوريين يعانون من إدارة دولة الوحدة والعديد من المظاهر التي لم تستثن أحداً، وقد تعرض "البارتي" في سوريا لحملة اعتقالات في آب/أغسطس عام 1960، وجرى توقيف كل من أوصمان صبري ورشيد حمو، نور الدين ظاظا وآخرين.

 

تسلّل خطاب أكراد العراق وتركيا إلى سوريا

بعد اعتقال ظاظا عُرض على المحكمة بدمشق، فقدّم مذكرة دفاع شهيرة قال فيها "إلى سيادة رئيس محكمة أمن الدولة العسكرية العليا بدمشق: حسب طلبكم في الجلسة السابقة التي انعقدت بتاريخ 31/12/1960 لمحاكمتنا في محكمتكم الموقرة، اقدم إليكم بياناً بالوقائع والحوادث التي تثبت تطبيق سياسة التمييز العنصري تجاه الشعب الكردي في الإقليم الشمالي في الجمهورية العربية المتحدة، آملاً أن تكون وسيلة تتفهمون بها وضع الشعب الكردي في الإقليم الشمالي، وتبرير موقفنا نحن بالذات، حينما اتخذنا هذا الطريق الجماعي للوصول إلى حقوقنا الطبيعية والإنسانية". وأضاف "إن في الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة واقع ملموس وموضوعي هو حقيقة وجود الشعب الكردي الذي كان ولا يزال يعيش على أرضه ضمن نطاق جمهوريته العربية المتحدة، جنبًا إلى جنب مع إخوانه العرب، وهو شعب له لغته وعاداته وتقاليده الخاصة به، وهو غيور على هذه اللغة والعادات والتقاليد". بقي ظاظا في السجن لسنة ونصف السنة، وقد نشرت رسالته مراراً ومن بين من أعادوا نشرها مجلة "الحوار" في العدد المزدوج 50-51، شتاء وربيع العام 2006.

سرد ظاظا في رسالته تلك بعضاً من الممارسات التي صنّفها كتمييز عنصري بحق الأكراد، حوادث ومواقف، احتجاجات على تمثيل الدروز في مجلس الشعب، معتبرًا أنهم الأكثرية السكانية في منطقة الجزيرة! وشاكياً من عدم الاعتراف الرسمي بوجود "كيان للشعب السوري في الإقليم الشمالي"، ومن إطلاق بعض الموظفين لنعوت مهينة للأكراد من قبيل "شعوبي"،  "شيوعي"، "كردي"، "خائن"، "يهودي"، وطالبًا متابعة ما يُنشر في الصِّحافة اللبنانية والمصرية والسورية

ومضمناً رسالته حوادث فردية قام بها مساعد في الشرطة في منطقة ديريك كان إذا أوقف شخصاً سأله: أنت كردي أم مسيحي؟ فإذا قال كردي، ضربه وأهانه على مرأى من الناس، وربما أوقفه في السجن. كذلك كشف عن توجه للدولة بتغيير أسماء المناطق التي اعتبرها كردية وإطلاق أسماء عربية عليها، رغم وجود بلدات مثل دوما والزبداني وحرستا وهي أسماء قال إنها ليست عربية.

وعن دوائر السجل المدني، قال ظاظا إن أي شخص يتقدم بأوراق تسجيل أولاده بأسماء كردية كان سيتعرض للإهانة والمنع، وأن شخصًا في ناحية الدرباسية كان يلبس العمامة بالطريقة الكردية تم إيقافه. بالإضافة إلى إغلاق جريدة الطليعة التي تصدر في سوريا بعد أن نشرت مقالًا بعنوان “الأخوة العربية الكردية”، مع أنه أضاف "وربما كانت هناك أسباب أخرى لإغلاق تلك الجريدة".

ما كتبه ظاظا في مرافعته تلك يعدّ مطالبة بحكم ذاتي كامل المواصفات، حتى أنه احتج على "عدم السماح بممارسة واستعمال الحقوق اللغوية والثقافية للأكراد، وعاد إلى العام 1955، أي قبل قيام الوحدة، وقال إن كتب "ألفباء" لغوية كردية تمّت مصادرتها من أوصمان صبري، كما صودرت دواوين الشاعر جكرخوين الشعرية بعد ذلك، وضرب مثلاً عن حادثة وقعت عام 1957 حين أوقف رجال الشعبة الثانية المواطن عبد المجيد حاجو لحيازته كتابًا كرديًا باللغة العربية يبحث في الأكراد، واقتياده إلى دمشق حيث افرج عنه هناك. وذكر توقيف رجال المباحث المواطن حمزة نويران مع عدة أشخاص آخرين من قرى الدرباسية بسبب حيازة كتب كردية.

 

ومن أطرف ما ذكره ظاظا أن كلاً من السياسيين أحمد نافذ، سليمان حاجو، إبراهيم متيني، يوسف ميرزا، عبد الحميد شيخموس، وجميل إبراهيم كانوا قد تقدّموا بطلب في القامشلي لترخيص لنادٍ ثقافي، اختاروا له اسم “نادي جمال عبد الناصر الثقافي”، ورفض طلبهم رغم وجود نادٍ للسريان، وناديين للأرمن في القامشلي، عدا مدارسهم الابتدائية والثانوية. وعاد مجددًا إلى العام 1957 ما قبل الوحدة وحكى قصة دخول رقيب من الشعبة الثانية إلى المقهى العام في القامشلي وتحطيمه للأسطوانات الكردية، بالرغم من وجود اسطوانات أخرى تركية و أرمنية، مشدداً على أن "النظرة العنصرية تؤدي إلى حرمان الأكراد من حقوقهم كمواطنين"، ومن الدلائل التي ساقها على ذلك وجود أرض من أملاك الدولة في جنوب الجزيرة، بين الحسكة وتل كوجك، تعرف باسم “الرد”، "قامت السلطة بتوزيعها على أفراد العشائر، ولكنها خصّت بها العرب دون الأكراد، ولم يستفد منها كردي واحد، مع العلم أن الذين وزعت عليهم تلك الأراضي لا يقومون باستغلالها بأنفسهم بل يؤجرونها إلى ذوي المصالح".

أما غالبية الأكراد، فقال ظاظا إنهم غير مسجلين بدوائر النفوس، وبالتالي فهم محرومون من حقوق الانتخابات وخدمة العلم والتعليم، كما يمكن أن يُحرموا من قانون الإصلاح الزراعي. وزعم أنه تم طرد وترسيب معظم الطلاب الأكراد في الامتحانات في المدارس الثانوية، رغم انهم كانوا بارزين ومتفوقين، وتم انتخاب 14 نائباً من منطقة الجزيرة، منهم كرديان ومسيحي وجاجاني و10 نواب عرب، مبررًا احتجاجه بأن الأكثرية الساحقة من السكان هم من الأكراد، متجاهلًا أن الغالبية الساحقة من سكان الجزيرة هي من العرب وهو أمر لا يختلف عليه أحد.

 

أوردتُ ما أمكن من بعض تفاصيل مرافعة ظاظا لأنها تكشف عن الانزياح التدريجي للصراع الكردي في العراق وتركيا نحو خطاب السياسيين الأكراد، وهي وثيقة تاريخية تثبت مثل هذا الانزياح وتفسّره. علماً أن نور الدين ظاظا ذاته ولد في مدينة معدن التي تقع في عمق تركيا وتبعد أكثر من 205 كيلومتراً عن القامشلي التي يذكرها في رسالته، ونشأ في تركيا ثم لجأ إلى سوريا هو وجلادت وكامران بدرخان، وممدوح سليم، حمزة مكسي، وأوصمان صبري، ودرس في حلب وكانت صلته بمنطقة الجزيرة أن شقيقه كان يعمل طبيبًا مع الجيش الفرنسي هناك فكان يزوره بين الوقت والآخر.

كان موقف السوريين، كما أسلفنا في الحلقة الماضية من هذه السلسلة، يشكو من المركزية الشديدة لدولة الوحدة، ويطالب بتخفيف هذه المركزية أو تطبيق نظام لا مركزي في قالب الاتحاد المصري السوري، وهذا ما تلقّفه السياسيون الأكراد وأخذوا يشنون هجوماً على فكرة الدولة المركزية بصورة عامة، هجومٌ استمرّ حتى هذه اللحظة بعدما انهارت الوحدة و"صارت عظام قادتها مكاحل" كما يقول المثل الشامي.

لم يمض وقت طويل حتى غيّر عبد الكريم قاسم سياساته الداعمة للأكراد، وتراجع عن الوعود التي قدّمها إعلانه الدستوري المؤقت الذي نصّ في مطلعه على أن الدولة العراقية جمهورية مستقلة ذات سيادة كاملة، وأن العراق جزء من الأمة العربية، وأن المادة الإسلام دين الدولة، فيما ورد في المادة الثالثة منه ما يلي "يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية".

 

أخذت حكومة بغداد تسلّح العشائر العربية في شمال العراق والتي كانت على خلاف مع البارزاني، فانقلب موقف الأكراد المؤيد لها، وبدأ قاسم يكشف للأكراد عن وجه آخر، فقرّر إغلاق صحيفة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتمت مداهمة مكاتب الحزب في العاصمة والشمال، ووصل التصعيد إلى درجة أن الطيران الحربي العراقي قام بشن غارات ضد الأكراد واجتاحت القوات العراقية طريق الموصل السليمانية في أيلول/سبتمبر عام 1961، وتلك الشرارة أطلقت ثورة كردية مسلحة أيدتها الجمهورية العربية المتحدة، وعندها نشأت محددات لذلك التأييد تقوم على رفض أي حركة انفصالية داخل أي دولة عربية، وتأييد وحدة العراق أرضاً وشعباً، وإدانة حكومة عبد الكريم وتحميلها مسؤولية ما اعتبره عبد الناصر "إثارة النعرات الانفصالية".

مع كل ذلك، لم يعتبر عبد الناصر ودولة الوحدة أن الصراع ما بين قاسم والأكراد يشكّل أي تهديد للعرب، وتم تصنيفه أنه لا علاقة له بالصلة الوثيقة بين القوميتين العربية والكردية، وحين وصل البعثيون إلى السلطة في العراق في 8 من شباط/فبراير عام 1963 أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني تأييد ثورتهم، وطالب بحكم ذاتي في الشمال ضمن إطار الدولة الواحدة، فكان رد البعثيين إنه يشترطون موافقة عبدالناصر لتلبية هذا المطلب.

وضمّ الوفد الذي أرسله البعثيون من بغداد إلى القاهرة للمشاركة في احتفالات قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط/فبراير عام 1963 كلاً من جلال طالباني وفؤاد عارف، فأبلغاه بشرط حكومة بغداد بشأن موافقته على الحكم الذاتي الكردي، وكان ردّه إليهم في طريق عودتهما من الجزائر يتضمن البنود التالية: الموافقة على إقامة حكم ذاتي كردي في شمال العراق، شريطة أن يكون في إطار دولة العراق الواحدة، وألا يؤثر ذلك على مسار الوحدة العربية، وأن يتصدى لمطامع شاه إيران ويقطع الطريق على في استغلاله للقضية الكردية.

وكان دعم عبد الناصر لقيام الحكم الذاتي الكردي فعالًا ومؤثرًا، فقد أرسل البعثيون بعد أسابيع وفداً إلى كردستان العراق لمقابلة الملا مصطفى البارزاني الذي كان مطلبه "إقامة حكم ذاتي كردي، وإنشاء قوة كردية ضمن الجيش العراقي"، وهذا المطلب سوف نسمعه في هذه الأيام على لسان قوات سوريا الديمقراطية التي تشترط إبقاءها قوة مستقلة ضمن الجيش السوري، وتعثرت المفاوضات بين البعثيين والبارزاني الذي تعنّت في الإصرار على مطالبه، فخسر الحكم الذاتي وقتها، وتم التوصّل إلى اتفاق يقضي بإقامة لامركزية إدارية

 

وقع انقلاب البعث في 8 من آذار/مارس بعد انفكاك عرى الوحدة المصرية السورية، وبدأت مفاوضات لتأسيس وحدة ثلاثية تعيد الجمهورية العربية المتحدة بعد انضمام العراق إليها، وأصرّ الأكراد على أن يكونوا في الوفود المفاوضة وقدّموا مذكّرة تطالب بحكم ذاتي كردي إذا ما تم إعلان الوحدة الاندماجية أو الفيدرالية، وتكرّر الموقف مجدداً حين ذهب وفد كردي للقاء عبدالناصر في القاهرة، وكان رد عبدالناصر هذه المرّة مفاجئاً للأكراد، إذا قال إنه غير موافق على الاتهامات التي وجهتها الحكومة العراقية إليهم واصفة إياهم بأنهم "إسرائيل ثانية"، وقال إن الأكراد مسلمون وهم يعيشون على أرضهم ولم يأتوا من أصقاع العالم كمستوطنين

في النهاية لم تنجح مفاوضات الوحدة الثلاثية، وأعلن عبد الناصر أن حزب البعث، وليس الأكراد، هو السبب في عدم إحياء الجمهورية العربية المتحدة من جديد.

وحين اندلعت الحرب بين الحكومة العراقية وأكراد العراق، طلب البارزاني دعم عبد الناصر للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وأبلغ أكراد بغداد أنهم إذا ما تعرضوا لأي ملاحقة فعليهم اللجوء إلى سفارة الجمهورية العربية المتحدة في العراق وهي ستحميهم، بعد أن أعلن عبد الناصر أن "الأكراد ليسوا دعاة انفصال" وأنهم ثوار، بل إن الإعلام المصري وصف الحكومة العراقية بأنها هي الانفصالية.

وما جعل الأمر شديد التعقيد وقتها، أن الإيرانيين والأتراك قرروا دعم البعثيين في حربهم ضد الأكراد وتوافق معهم نظام البعث في دمشق، بعد أن عقدوا اجتماعًا في مدينة إزمير التركية،  فأشعل ذلك الموقف غضب عبدالناصر فثارت ثائرة الإعلام المصري وكتبت الأهرام إن إيران وتركيا تحتلان جزءًا من الأراضي العربية، حيث تحتل إيران منطقة الأهواز العربية، وتحتل تركيا الإسكندرونة العربية، وأضافت "في الوقت الذي كان الأكراد وسيبقون هم الحلفاء للأمة العربية "وكشفت عن وجود ضباط إيرانيين في كركوك مع أجهزة اتصالات لاسلكية، وضباط أتراك في الموصل مع أجهزة لاسلكية "للتنسيق العسكري ضد الشعب الكردي".

ويقول الباحث المصري محمد الدوداني، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر كلية الآداب في جامعة دمياط إن العراقيين طلبوا من عبد الناصر "إرسال قوات مصرية لمساندتها في الحرب ضد الأكراد، ولكنه رفض ذلك بشدة"، وظل يضغط على بغداد لوقف حملتها العسكرية ضد الأكراد، وحين تغيّر الحكم البعثي في العراق، أرسل قوة لتحلّ محل القوات السورية التي كانت تساند الجيش العراقي، ودعم التوصّل إلى اتفاق في شباط/فبراير عام 1964، أقرّ بالحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الدولة العراقية الواحدة، ولكن ذلك الاتفاق لم يصمد واندلعت الحرب من جديد.

 

وجّه عبد الناصر رسالة بليغة إلى عبد السلام عارف الذي كان صاحب القرار في بغداد آنذاك، قال فيها "قبل عام ونصف، نصحتكم بالنظر في شكل للحكم الذاتي لكردستان، الذي لم يكن يخرق وحدة أراضي الجمهورية العراقية. كنت أودّ أن يقابل هذا الإجراء بمثابة رحابة صدر وموقف نبيل من جانب العرب إزاء اخوتهم الأكراد، والآن فقد وضعوكم أمام الأمر الواقع بعد أن أخذوا بأنفسهم ما كان بوسعكم أن تمنحوا لهم منذ أمد طويل".

وبدأ مسار جديد بين الأكراد وعبد الناصر شمل تقديم المادي والمعنوي لهم في الحرب ضد بغداد. ومن وثائق تلك اللحظات محضر اجتماع ضم عبد الناصر وعبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء العراقي، وعبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، سأل فيه عبد الناصر عضوي الوفد العراقي: هل تستطيع القوات العراقية القضاء على البارزاني؟ فأجاب العقيلي: نعم، تستطيع وخلال 10 أيام فقط. فسأل عبد الناصر: وكيف يمكن ذلك؟ فأجابه العقيلي: عندما أقف أمام المذياع فأشتمك، وإذا شتمتك أمام شعب العراق، سوف يُقبل عليّ الشعب ويساندني، عندئذ أسحق البارزاني وأقضي عليه"، وأردف قائلاً "أنت قومي وتدّعي القومية، فكيف تقبل بتقسيم العراق؟".

بالمجمل كانت القيادات الكردية تنسّق مع عبد الناصر في كافة مراحل صراعها العسكري والتفاوضي، وتكرّر طلب البارزاني من عبد الناصر الضغط على العراقيين للتوصل إلى اتفاقية ترضي الطرفين، بمقابل ذلك أعلن البارزاني أن الأكراد يدعمون العرب في صراعهم ضد الاحتلال الإسرائيلي، متعهدًا الوقوف إلى جانب العرب في حال شنّت إسرائيل أي عدوان ضد الدول العربية، وقال "إن الأكراد أشقاء الشعب العربي وهم على استعداد تام للدخول في أي معركة ضد إسرائيل لاسترداد حقوق العرب المسلوبة".

 

البارزاني ملاكاً مخلّصاً في إسرائيل

اللاعب الذي لم يكن غائباً عن علاقة الأكراد بالجمهورية العربية المتحدة وعبد الناصر، كان إسرائيل التي لم تتوقف عن إرسال مبعوثيها إلى كردستان العراق، مشكلة خلية متماسكة للموساد هناك، وقبل نكسة حزيران/يونيو بعامين اجتمعت غولدا مائير وزيرة الخارجية الإسرائيلية، مع رئيس الوزراء ليفي أشكول، وأبلغ الاثنان كبار مساعديهما بضرورة منح الأولوية للقضية الكردية في هذا الوقت، بعد تقرير رفعه مائير عميت رئيس الموساد بهذا الشأن، وبعدها بأقل من أسبوع، عرض البارزاني، عبر الإيرانيين، استضافة مسؤول إسرائيلي بارز في كردستان العراق، فأرسلت تل أبيب ليشع روني الذي التقى البارزاني.

تطوّرت العلاقات هذه المرّة إلى العلنية، وأسس الإسرائيليون مستشفى ميدانياً في كردستان العراق، ووفقاً لشلومو نكديمون فقد أعلن البارزاني ابتهاجه عندما ألحقت إسرائيل الهزيمة بعبد الناصر والجيوش العربية في 5 من حزيران/يونيو عام 1967، وذبح كبشاً ضخمًا محتفلًا بهزيمة القومية العربية ودخول الجيش الإسرائيلي مدينة القدس، وعلّق على رقبة الكبش شريطتين واحدة بيضاء والأخرى زرقاء، كتب عليهما "هنئوا إسرائيل لاحتلالها بيت المقدس"، ووثق نكديمون ذلك في كتابه "الموساد في العراق ودول الجوار: انهيار الآمال الاسرائيلية والكردية" الصادر عن دار الجليل للنشر والدراسات والابحاث الفلسطينية عام 1997.

بتحوّل كهذا، صار البارزاني حليفاً لإسرائيل، وبات الإسرائيليون يطلقون عليه لقب "بيساح"، عشية زيارته إلى مطار اللد في عيد الفصح العبري المرتبط بالكلمة ذاتها، برفقة أحمد إبراهيم، واجتمع مع الرئيس الإسرائيلي زلمان شوفال، ويروي نكديمون أن الأخير أثنى على البارزاني وقال له: لماذا لا تتخلى عن فكرة الحكم الذاتي وتعمل على إقامة دولة كردية؟

تفاصيل زيارة البارزاني إلى إسرائيل بدت مثيرة للغاية، فقد قابله رئيس الحكومة والوزراء وأقاموا له حفلاً فنياً، وعرضوا عليه المدرّعات التي استولوا عليها من الجيوش العربية خلال الحرب مع الدول العربية.

بعد عامين فقط من تلك الزيارة، رحّب عبد الناصر بتوقيع البعث العراقي بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين اتفاقية الحكم الذاتي الكردي في آذار/مارس عام 1970، وبعث ببرقية تهنئة إلى البكر، معتبراً أن "الاتفاقية خطوة عظيمة في تحقيق الوحدة الوطنية في العراق، وأنها دعم للنضال العربي في مواجهة الصهيونية والاستعمار".

في المحصلة لم تكن الجمهورية العربية المتحدة، بأسوأ حالاتها، معادية للحقوق الكردية، بل على النقيض من ذلك، دعمتها ونافحت عنها وسلّحتها وموّلت إعلامها وضغطت على بغداد ودمشق من أجل ترسيخ حقوق أبنائها، في الوقت الذي نكّلت فيه أجهزة هذه الجمهورية الأمنية ومؤسساتها الاقتصادية بالشعب السوري ككل ودفعته إلى الكفر بالوحدة، حتى أعلن الضباط السوريون الذين أطلق عليه "الضباط الشوام" الانفصال بعد بيان ثقيل وقّعت عليه قيادات ونخب السوريين بمن فيهم أولئك الذين أسهموا في خلق الوحدة وفي صدارتهم أكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة المستقيل.

 

يتبع: سوريا الإقليم وسوريا الدولة المركزية… والانهيار

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث