توقعتُ العامَ 2042 - حلولَ مئويتي البيولوجية- حدّاً زمنيًا يُضطّر بعده السكّان إلى اللجوء تحت الأرض.
شبكةُ أنفاق غائرة، تعلوها قبابٌ سطحية للتهوية وأبراج اتصالات، تحدّ شوارعَ خالية، كما تحدّها تماثيلُ وجدارياتٌ رُسِمت قبل الهبوط وبعده في ظروف مناخية قاسية، وكذلك تلال القمامة.
فصلُ الثمانين من (كتاب العقود) - صدر عام 2020- يحتوي قصصًا من تحت الأرض، عنوان إحداها (غرافيتي 2024) وتتجاذب السكّان في هذه القصة دورةٌ من اللجوء الأرضيّ خلال فصل الصيف، والرجوع إلى السطح في فصول أخرى، هذا إذا لم تحتجز الأعماق أغلبهم لأداء أعمال لم يكملوها.
تلتحق بهذا النصّ الديستوبيّ قصصٌ عن استوديو الأفلام، والسجن، ودار المسنّين. ومن المفارقة أن تحتوي الأعماق على سجين أبديّ، لم يعرف معنىً للحرية، مع أن نوافذ القباب السطحية تسرّب نوراً كافياً لقراءة الكلمة المحفورة على جدار سجنه، صباح كلّ يوم، قبل أن تمحوها الظلمات.
أعتقد، في درجة حرارة ترتفع تدريجياً كلّ عام، وتكتسح البيوتَ والحدائق ومياه الأنهار، سيعود كتّابُنا إلى تجريب ما جرّبوه سابقًا من نُسَخ يوتوبيّة زائفة، وعوالم تناصيّة، بعيدة عن المرمى الطبيعيّ والاجتماعيّ للواقع العراقيّ (قصص جليل القيسيّ مثلاً) ويتتبّعون بصدق وحميمية الوعيَ الغائر تحت الأرض، مفلِتاً زمامَه، ناقمًا على زمانه.
سيبلغ أحدُنا أرذل العمر فيقوده أبناؤه إلى دار المسنّين (نسخة فريدة من نوعها) هناك تحت الأرض. أما الآخرون اليافعون من السكّان، وسعاةُ البريد، ومتنبئو الطقس، وعمال تفريغ القمامة، فسيخرجون من أنفاقهم، تحت سطوع الشمس، ويقصدون دوائرَ متروكة على السطح، مثل المطار ودائرة البريد والمقبرة ومَشغل المنحوتات والرّسوم الجدارية الكبيرة. لن يعني السكنُ الأرضيّ هروبًا من المغامرة، بل هو ابتداء نوعٍ من التجارب الخطرة وتمرّد الذاكرة على أنظمة التدجين والسيطرة.
بعد تأليفي قصص تحت الأرض، أحسست- أنا المئويّ في دار المسنّين- بما يعتري هؤلاء السكّان المتطلّعين/ الناقمين من نوبات الصعود إلى السطح، وتعريض أنفسهم للتبخّر. وما يهمّ في ذلك؟ الخضوع لهيمنة القوى الظاهرة والخفيّة، مهما كان مسكنها وسلطتها، ستدفع الكتّابَ والرسّامين إلى تجريب هذه الدورات من الحفر والارتقاء، ثم الهبوط والضياع في داخل الانفاق، مفرّطين بكلمات الحرية التي يرسمها شعاعٌ ساقط على جدران سجونهم.
(*) مدونة كتبها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية.
