أتمت المطربة الكبيرة نجاة الصغيرة عامها السابع والثمانين (من مواليد الحادي عشر من آب أغسطس 1938) من دون أن يصاحب هذه المناسبة أي احتفال أو حتى ذكر لها في وسائل الإعلام، وهي ألتي ملأت سنوات صبانا وشبابنا صخبا وفنا وقدرة فائقة على التعبير عن مشاعر الحب ومواقف العشق والغرام حتى باتت تعرف بلقب "صوت الحب" والذين يعرفون جيدا سيرة نجاة يؤكدون أن ما طفا على السطح من تفاصيل حياتها قليل جدا إذا ما قورن بما أخفته المطربة الكبيرة بحكم تركيبتها المزاجية وطبيعتها الشخصية القائمة على الحرص والحذر وعدم الظهور كثيرًا في وسائل الإعلام.
واحدة من هذه الصفحات الخفية في حياة صوت الحب هي تلك التجربة المبتورة التي تتعلق بتعاونها مع ألحان الموسيقار فيلمون وهبه وكلمات الشاعر جورج جرداق صاحب قصيدة أم كلثوم الشهيرة "هذه ليلتي"، التي لحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب العام 1968، وما أحيا الحديث عن هذه الصفحة المجهولة في حياة المطربة المعروفة هو وقوعي على رسالة مهمة بعثت بها نجاة الصغيرة عن طريق مكتب محامي الفنانين لبيب معوض إلى الموسيقار عبد الوهاب، تكشف فيها جانبا من الملابسات التي أحاطت بتلك التجربة، وقد حصلت على هذه الوثيقة عن طريق جامع الأرشيف الراحل مكرم سلامة، الذي توفي قبل أسابيع بعد أن كان قد قام بشراء جانب كبير من وثائق شركة "صوت الفن" لأصحابها محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ومجدي العمروسي، مستفيدا من الخلاف القانوني الذي لا تزال تداعياته قائمة بين شركة عالم الفن لصاحبها محسن جابر التي تؤكد أنها المالكة الفعلية لكل ما يخص صوت الفن وبين ورثة المؤسسين الأصليين للشركة الشهيرة التي بدأت نشاطها الفني في العام 1961، فماذا تقول سطور هذه الرسالة؟
"إستاذي الكبير .. أحييك أطيب تحية وأرجو أن تكون في أتم صحة وسعادة، أبي الروحي لا شك أنك لاحظت ترددي أكثر من مرة في تسجيل أغنية صديقنا الفنان الشاعر جورج جرداق، والحقيقة أنه منذ ذلك الوقت وأنا في صراع وخوف شديد من هذا الموضوع، وحاولت كثيرًا أن أقضي على هذا الخوف الذي يسيء لي كثيرًا ويسبب لي مشاكل كثيرة، وفعلا عملت الباسبور وأخذت الفيزا وستراها يوما، ولكن لم أستطع التغلب على هذا الخوف والتردد بل أنه زاد جدا بعد حصولي على الفيزا ولم أنم دقيقة واحدة ليلة أمس نتيجة لهذا الخوف لاعتقادي أن هذا اللون تتقنه الزميلات اللبنانيات أكثر مني، وأنا متأكدة أني لن أنجح في أدائه وسأجر معي جورج جرداق وفيلمون وهبه إلى فشل لا أرضاه لهما.
ربما أكون على خطأ، ولكنك تعرفني فأنا ابنتك وتعرف ترددي وخوفي الذي يتعب أعصابي، فأرجو منك أن تعفيني من هذه المشكلة، وأن تنوب عني في الاعتذار الشديد للصديق جورج جرداق الذي أعتز به كثيرا وللشركة الصديقة، وسوف أقوم بكل واجباتي، واعذرني يا استاذي العظيم فأنا أنتظر منك دائما أن تغفر لي أخطائي وأحاول أن أتعلم منك الحكمة.
المخلصة نجاة
انتهت الرسالة التي ضمها مظروف خارج من مكتب المحامي لبيب معوض، والآن تعالوا نستوثق ما خفي وراء هذه الرسالة:
أولا: تبدو الرسالة للوهلة الأولى غامضة لا تقدم أية معلومات موثوقة بها سوى أنها تحمل توقيع المطربة نجاة، فالرسالة وإن كانت قد أفصحت عن اسم المرسل فإنها لا تحدد هُوِيَّة المرسل إليه لا سيما وأن نجاة لم تذكره بالاسم، وإنما اكتفت بعبارات من قبيل أستاذي الكبير، أو أبي الروحي، أو إنني ابنتك، ولولا أن الرسالة كانت من مقتنيات شركة صوت الفن بالقاهرة وأحد أصحابها هو الموسيقار محمد عبد الوهاب لما أمكننا حسم أنه المرسل إليه بالفعل خاصة وأن نجاة كانت ولا تزال تعتبره أباها الروحي وأستاذها في الفن والحياة، وهو أيضا كان يضعها في مقام ابنته، وكثيرًا ما صرح بأنها أكثر الأصوات التي هضمت أسلوبه في الغناء، وأنها الصوت النسائي الذي يعادل صوته.
ثانيا: كما أن الرسالة لا تحمل تاريخًا محددًا، لكنها تلمح إلى أن عبد الوهاب كان خارج الديار المصرية وإلا لما كان هناك داع لأن تراسله نجاة في ظل الصلات القوية التي جمعت بينهما والتي كانت تتيح لها زيارته في بيته في أي وقت أرادت أو على الأقل محادثته هاتفيًا، ولما كان عبد الوهاب - وعلى غير عادته - قد أمضى بلبنان قرابة العام بين سنتي 1968 و 1969 أقام خلالها بفندق "إمباسادور" وهي ذاتها المدّة التي باشرت فيها شركته "صوت الفن" تصوير بعض مشاهد فيلم "أبي فوق الشجرة في لبنان والمعروض في العام 1969 فإنه من المرجح جدا أن تكون هذه الرسالة قد أرسلت إلى عبد الوهاب في بيروت العام 1969 بعد أشهر من نجاح التعاون الوحيد بين الموسيقار الكبير وأشعار جورج جرداق في قصيدة "هذه ليلتي" التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم للمرة الأولى بتاريخ الخامس من كانون الأول ديسمبر 1968 في دار سينما قصر النيل بالقاهرة، وهو توقيت سوف ترجحه حقائق أخرى لاحقة.
ثالثا: الأهم من هذا أن نجاة الصغيرة لم تذكر في رسالتها اسم الأغنية مكتفية فقط بذكر اسم مؤلفها جورج جرداق وملحنها فيلمون وهبه، وهي الأغنية التي كانت مربط الفرس في تلك الأزمة النفسية الكبرى التي تحدثت عنها المطربة الكبيرة في رسالتها، والتي طيّرت النوم من عينيها بفعل تخوفها من غنائها وتأكيدها لعبد الوهاب أن زميلاتها اللبنانيات أكثر قدرة منها على أداء هذا اللون، وأنها تخشى أن تجر معها جرداق ووهبه إلى فشل لا ترضاه لهما، فهل مثلا كانت تخاف أن تغني شعرا فصيحا من وضع جورج جرداق وهي التي اعتادت في السابق على غناء قصائد كامل الشناوي ونزار قباني وغيرهما؟ لا أظن لأن نجاة كانت شديدة التميز في أداء شعر الفصحى، إذن فالأغنية المقصودة التي رأت نجاة زميلاتها اللبنانيات أجدر منها بغنائها كانت بالعامية اللبنانية في واحدة من المرات التي تخلى فيها جرداق بكتاباته عن لغته الفصحى، وعلى هذا فإن الأغنية المقصودة التي كتبها جرداق ولحنها فيلمون وهبه هي "مش بس حبيتك صرت أحلى" وهي كلمات بدا فيها جرداق محاولًا التخفف من اللهجة اللبنانية شديدة المحلية والاقتراب نوعا ما من اللهجة المصرية كى تناسب نجاة على النحو الذي رأيناه في بداية الأغنية وبالتحديد في عبارة "مش بس" الشيء المدهش أن فكرة أن تغنى نجاة من ألحان فيلمون وهبه كانت فكرتها هي حين أسرت للملحن الكبير أنها تريد منه لحنا يحقق النجاح ذاته الذي حققته أغنيته التي قدمها لفيروز "يا مرسال المراسيل" على أية حال فبعد وأد الفكرة في مهدها رغم عدد من البروفات التي قامت بها نجاة احتفظ فيلمون بالأغنية لسنوات إلى أن طلبتها منه المطربة ماري سليمان كي تعود بها للغناء بعد مدّة من التوقف.
رابعا: يبدو أن نجاة التي كانت تستشعر الحرج في اعتذارها عن عدم غناء الأغنية قد حاولت مصالحة الشاعر جورج جرداق، فطلبت في ذلك الوقت من الملحن حليم الرومي أن تغني قصيدة "أنا لياليك" التي كان الرومي قد غناها أولا بنفسه على عوده، فكانت واحدة من أجمل ما غنته نجاة بالفصحى، ولم يكن هذا العمل هو التماس الوحيد مع المدرسة اللبنانية، فقد غنت نجاة أيضا من تأليف وألحان الأخوين رحباني أغنية "دوارين في الشوارع" والتي ظهرت ضمن أحداث فيلم "سبع أيام في الجنة" المعروض في نيسان/ أبريل 1969 من إخراج فطين عبد الوهاب.
خامسا: تعكس سطور هذه الرسالة بعض النواقص في شخصية نجاة لا تنكرها في نفسها، وهي الوسوسة والتردد والتراجع عن قرارات كانت قد اتخذتها بسبب مخاوف تعتريها، وهي نواقص لم تستطع الفنانة الكبيرة وهي على مشارف عامها الثامن والثمانين التخلص منها.
سادسا: ويبقى السؤال: ما دور عبد الوهاب في هذه القصة؟ فالأغنية كانت من ألحان فيلمون وهبه، والتسجيل كان من المفترض أن يتم في بيروت، وشركة الأسطوانات كانت ذاتها التي أصدرت لنجاة أغنية دوارين "للأخوين رحباني، أغلب الظن أن شركة صوت الفن كانت هي التي ستتولى تسويق أسطوانة الأغنية في مصر، أو أنه كان العراب الذي تبنى فكرة هذا التعاون بين نجاة وصديقيه جرداق وفيلمون وتحمس له، أو أنها قد لجأت إليه بحكم رعايته لها فنيا وإنسانيًا كي ينوب عنها في الاعتذار للرجلين لا سيما وأنه كان يقيم تلك المدّة في لبنان إقامة شبه دائمة، وفى الوقت نفسه كانت حريصة على التأكيد على نيتها الالتزام بواجباتها والمقصود هنا أي التزامات مادية تجاة الشركة المنتجة خاصة وأنها قد أرسلت رسالتها من مكتب المحامي لبيب معوض حتى تعطي التزامها هذا الصفة القانونية، وفي كل الأحوال فإن هذه المحاولة المبتورة للتعاون بين نجاة وكل من جورج جرداق وفيلمون وهبه، قد أضاعت علينا كمستمعين، تجربة ربما كانت ستضيف الكثير إلى تاريخ هؤلاء المبدعين الثلاثة.
