جميعنا، بشكل أو بآخر، نعمل في حقل صناعة المحتوى. وذلك، طالما لدينا حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي ونستخدمها، سواء بطريقة سلبية أي عبر التلقي وحده، أو بطريقة فاعلة من خلال المشاركة أو التعليق أو الإعجاب أو إنتاج المحتوى بأنفسنا ولو حتى في حده الأدنى، أي عبر المجاملات الاجتماعية على سبيل المثال، ففي النهاية نشارك في مراكمة المادة التي تتيح استخراج القيمة من فائض عمل مجاني في معظمه. مفهوم فائض القيمة الماركسي يعجز عن الإلمام بالاستغلال في حالتنا هذه، حيث الإنتاج قد يكون في معظمه نشاط عرضي أو آثر جانبي للتواصل. وصف "الإقطاع الرقمي" هنا يبدو صيغة مخففة لعمل يبدو أقرب إلى السخرة، حيث تستولى شركات التكنولوجيا الرقمية على معظمه من دون مقابل، ومن دون توزيع ولو بسيط للأرباح على سكان الشبكات بوصفهم عمالاً أو حملة أسهم.
لكن ليس كل العمل على الشبكات مجانيًا، يستطيع مؤثرو شبكات التواصل تحقيق دخول مباشرة وغير مباشرة من إنتاجهم، فمن حيث الدخل المباشر تدفع شركات التكنولوجيا الرقمية لصناع المحتوى وبالتحديد لمواد الفيديو حسب عدد المشاهدات. وبعض من تلك الشركات يشارك أيضًا نسبة من قيمة الإعلانات، وذلك شرط أن تتجاوز المشاهدات حدًا معينًا، قد تكون ألف مشاهدة أو أكثر. يحرم نظام المدفوعات هذا الغالبية العظمى من المشاركين في إنتاج المحتوى من أي دخل، فيما يكافئ نسبة صغيرة جدا منهم من أصحاب الجماهيرية الواسعة بدخول كبيرة نسبيًا. يعكس تصميم ذلك النظام هرم توزيع الثروة في عالمنا المعاصر، والذي تستفحل فيه الفوارق في الدخول والثروات بين قمة الهرم المسننة والقاعدة العريضة من المنتجين/المستهلكين. أما من حيث الدخول غير المباشرة، فالجماهيرية على الشبكات تتحول إلى رأسمال رمزي صالح للتحويل إلى منافع مادية وقد يتيح لأصحابه الولوج إلى عوالم أخرى مثل الصناعات الفنية والثقافية والإعلانات، وأحياناً حقول السياسة.
على تلك الخلفية، تشن الأجهزة الأمنية والقضائية في مصر حملة جديدة على صناع المحتوى، حيث قامت بشكل متزامن بإلقاء القبض على عدد من صناع المحتوى، وبالأخص من مشاهير تطبيق تيك توك. وكان من بينهم مريم أيمن، المعروفة باسم، سوزي الأردنية، والتي تم قُبض عليها في السابق عدة مرات، وواجهت عدة اتهامات في أكثر من قضية، تتعلق بإنتاجها للمحتوى على منصة تيك توك. وعلاوة على تهم خدش الحياء العام والمساس بقيم الأسرة، تم التحفظ على أموالها وممتلكاتها هذه المرة بتهمة تبييض الأموال.
غالبية المقبوض عليهم من النساء بالضرورة، ومعظمهن من الطبقات الدنيا أو الشرائح السفلى في الطبقة المتوسطة. ثمة جانب جندري في تلك الحملات المتجددة، برغبة في قمع النساء وضبط سلوكهن في العالم الافتراضي، بنفس مستويات الضبط في الحيزين العام والخاص. وثمة جانب طبقي أيضًا، فالحملة الأخيرة مثل سابقتها تأتي مدفوعة ببلاغات من عدد من المحامين، بشكل يجعل الحملة نتاج تقاطع لرغبات فئات مجتمعية وتحريض أهلي، مع ميل مؤسسات الدولة للقمع. ولعل الأمر يتعلق بنظرة الطبقات الوسطى إلى أفراد الطبقات الدنيا على أنهم غير مستحقين مثل تلك الدخول/ الثروات. تتراكم في تلك النظرة غيرة طبقية، وخوف من اختلال التراتبية الاجتماعية-الاقتصادية، فالثروات المحصلة من صناعة المحتوى تمكن أصحابها من تجاوز الفواصل الطبقية بسهولة واختراقها بعنف، ولذا تظهر كتهديد لرسوخ النظام الاجتماعي.
من ناحية الدولة، وبعد السيطرة على مواقع التواصل ذات الجانب السياسي مثل فيسبوك وإكس عبر استهداف نشطائها، تظل تطبيقات مثل تيك توك البعيدة نسبيًا عن التعليق السياسي، مساحة شبه مجهولة يجب ضبطها أيضًا. ومن جانب تنظيم النشاط الاقتصادي وتوزيع الثروات العامة، تجد السلطة الحالية في المداخيل المولدة من تطبيقات التواصل تعدياً على سلطاتها، أو إفلاتاً من قبضتها المهيمنة على النشاط الاقتصادي بقدر هيمنتها على المعيار الأخلاقي للسلوك. بالقبض على سوزي الأردنية والتحفظ على أموالها، ترسخ السلطة دورها في الضبط الأخلاقي من منطلقات ذكورية وأبوية، والأهم، تؤكد موقعها كلاعب وحيد في توزيع الأنصبة الاقتصادية وتنظيم الحراك الطبقي صعودًا وهبوطًا.
