سبعٌ وستون قصة قصيرة ضمّتها مجموعة "جمال العالم الموجود" للكاتب الكردي السوري عبد الرحمن عفيف المقيم في المانيا، والتي صدرت حديثاً عن دار سامح للنشر في السويد في 168 صفحة من القطع الوسط. وتدور أحداث معظم القصص في أجواء بلدة عامودا السورية وجوارها، مع ما في تلك المنطقة من تنوّع سكّاني، وغنى ثقافي وديني وعرقي. وقد جاء على غلاف المجموعة:
بلغةٍ شاعرية مقتصدة في المفردات، تنساب حكايات عبد الرحمن عفيف في هذه المجموعة من القصص القصيرة. ومن حكاية إلى أخرى، ترتسم صورة الحياة في بلدة عامودا ومحيطها؛ حياة يتحرك فيها الناس ذهاباً وإياباً في السوق، وفي الشوارع المغبرّة صيفاً والموحلة شتاءً.
والناس الذين يتحركون ويحرّكون الحياة في البلدة طلاب يضجون في المدارس، وروّاد مقاهٍ يتخففون من هموم تثقل كواهلهم، وشعراء يهيمون بحثاً عن المعنى والفكرة المستعصية، وعشاق أسكرتهم نظرة عابرة أو إشارة، وأصحاب دكاكين يتصيدون الزبائن ومشائخ طرق صوفية لهم أتباع ومريدون. هذا هو عالم هذه القصص... العالم الجميل الموجود.
من أجواء القصص:
شارعُ الكتم
كلّ مساءٍ تقريباً، ولمدّة خمسِ سنوات كان يمرُّ مِن أمامِ بيتِ محبوبتِهِ الجميلة، ليسَ لوحدهِ، بل برفقةِ ثلاثةٍ يأخذُهم معهُ:
نهر الخنزير الجافّ، السينما التي احترقَ أطفالُها وتلّ شرمولا الذي نُهبتْ عظامُ موتاه مِن جوفهِ.
فقالت له المحبوبةُ ذاتَ يومٍ بلغةِ الرمزِ والإشارةِ، لأنّها لو كلّمته بشفتيها؛ لكانَت قُتلت أو قُتلَ هو بهذهِ الجريمةِ:
- ألا ترى أنّ شارَعنا ضيّقٌ، لا يسعُ لكم جميعاً!
فردّ أيضاً برمزٍ وكتمٍ:
- النّهرُ سيبكي إن تركتُه! إنّه جافّ، لا دموعَ لهُ، فيتمزّق ويتفتّت كبدهُ، وأطفالُ السينما المحترقونَ لازالت عيونُهم حيّة، وشرمولا مهجورٌ للغايةِ؛ فلا بُدّ مِن أخذهِ، لا بُدّ!
وبعد خمسِ سنين ظلّ فيها الحُبّ صمتاً، رمزاً وكتماناً، تزوّجت المحبوبة وانتقلت من ذلك الشّارع إلى بيتٍ آخر ومدينةٍ أخرى. فملّ العاشقُ سريعاً مِن مرورهِ المسائيّ مِن هناكَ، إذ لم يتبقَّ مِن عشقهِ شيءٌ البتة، فحتى ذلك الحديث بالصّمتِ والرمزِ أو الكتمِ انتهى؛ على العكسِ من مرافقيه الثلاثة:
الخنزير، وشرمولا والسينما المحترقةِ، فإنّهم ظلّوا على ديدنهم من التمشّي مساءً في ذلك الشّارعِ طوالَ فصولٍ عديدةٍ وأيّامٍ كثيرةٍ. وفي فصولِ الصّيف، خاصّة، شديدة القيظِ والالتهابِ، كثيراً ما دعاهم السمّانُ البدينُ الطيّبُ، يحيى، كي يجلسوا ويستريحوا في زاويةِ دكّانهِ، مقدّماً لهم الدوندرما الكاكاويّة والحليبيّةَ وتلكَ، خاصّة، ذات طعمِ ونكهةِ الليمونِ ولونهِ الليمونيِّ الأصفرِ الغامق التي يهواها الأطفالُ. ليحلّوا ويرطّبوا بها ألسنتهم وحُليماتِ ذوقهم؛ آخذاً منهم نصفَ ثمن المرطّبات والكازوزِ؛ وأحياناً كثيرة كثيرة لا يأخذُ ثمناً على الإطلاق.
الكنيستان
الكنيسة الأولى صغيرةٌ في الشّارعِ الذي يمكنُ تسميته بشارعِ الكنائسِ أو شارع المركزِ الثقافيِّ أو كذلكَ شارعَ المقبرةِ؛ نواقيسها أيضاً صغيرة مرنّةٌ، رصينةٌ، فيها متانةٌ باديةٌ، كذلك الكنيسةُ، ولو أنّ النّواقيسَ صامتةٌ لم تعد تدقّ، فلا زوّار أو صلاة تُقام، سوى روضةِ للأطفالِ أُقيمت في باحتها وصالتها الوحيدة؛ فلا تشعرُ النّواقيسُ بالوحشةِ والأطفالُ يغنّونَ ويضحكونَ.
لكنّ الكنيسة الأخرى، ولو أنّها أكبرُ بكثيرٍ من الأولى، أجزاءٌ عديدةٌ لها أصابها التهدّمُ من عدمِ العنايةِ، وبرجها ذو قضبانِ الإسمنتِ الملساء، المائلة للصفرةِ، لازالت مشرئبّة في أنظارِ الناظرِ رافعاً رأسه إلى البرجِ، وقد سقطَ الناقوسُ الضخم أرضاً فوقَ ما انجرفَ وتفتّتَ مِن بقايا الأركانِ وأصباغِ الحيطانِ. وفي هذه الكنيسة الفسيحة، المركزية ذات يومٍ، التي لو دُقّ ناقوسها، لكانَ أيقظَ رنينه المعذّب الواسعُ القديسينَ والملائكة، يقصدونَ الكنيسةَ كورقِ الخريفِ المتساقطِ وحفيف النسيمِ ذي الهبوب؛ بدلَ الأطفالِ المرحين، بدل الملائكة والقديسين، عنصرٌ مِن المخابراتِ، اتخذها مسكناً، كالحُ الوجهِ، غامقه، غضوبٌ، ذو جهامةٍ لا انقطاع فيها، يستعملُ في تحركاتهِ دراجة نارية يتحاشاها الناسُ. ويلوذونَ هلعين بشوارع أخرى، إن تناهى إلى أسماعهم ضجيج قرقعات محرّكها المصمِّ؛ حذرَ أنْ يعمّ أيّامهم الشؤمُ؛ لو لم يستطيعوا الفرار بالسرعة الكافية، ورأوا وجه صاحبهِ الكالحِ، المتقطّر سمّاً، كلاحة، غماقة وجهامة.
عسلُ المسيحييّن
حتّى مع أبيه الذي اكتهلَ وفقدَ الذّاكرة لم يزل الشّاعرُ السرياليُّ في القامشلي يمارسُ ألعابه البيضاء ومزحاته السّوداء. فحينما يخرجُ مِن البيتِ ويسأله أبوه:
- إلى أينَ يا ولدي؟
يَردّ: «أذهبُ، أجمعُ مِن حارةِ المسيحييّن الفتيات، قبل أن تصيبهنّ العنوسةُ، فمعظم الرّجال هاجروا؛ ولم يبقَ سواهنّ في الطّرقات».
فيبتسم الوالدُ أو يضحكُ من جنونِ ابنهِ.
يخرجُ الشّاعرُ ليختفي خلفَ الحائطِ على الشّارعِ لعدّة دقائقَ، ثمّ يدقّ البابَ وينادي مِن هناكَ، دونَ أنْ يراهُ والده الذي لازالَ في الحوشِ:
- عمّو، هل صديقي براهامو بالبيت؟
يردّ الوالدُ غير متعرّف على صوتِ ابنهِ:
- لا يا ابن أختي. خرجَ قبل خمس دقائق إلى البريّةِ، يشتري العسلَ الأصليّ من عند رجلِ مسيحيٍّ، هناك يربّي النحل؛ فهو مقوّ للذّاكرةِ!
فيقولُ ابنه مِن خلفِ البابِ:
- لكنّه، عمّو، يذهب إلى البرّيةِ، ليسَ ليأتي بالعسلِ، بل ليستخرجَ الألغامَ من أرضِ الحدودِ ويبيعها في سوق المعادن الخردةِ؛ وقبلها يلاحقُ فتيات المدارس المراهقاتِ على الأزقّةِ، كما يقولُ لنا، نحن رفاقه!
- لا، لا يا بنيَّ. إنّه يمزحُ معكم. تعالَ، اقعد ريثما يعودُ، لترى بنفسك.
