يوم تدخل الملك عبد العزيز لإنقاذ ثروة أم كلثوم وعبدالوهاب

أشرف غريبالأربعاء 2025/08/06
حجم الخط
مشاركة عبر

يقول عتاة التنظير إن الفعل الثوري هو أعلى مراتب الرومانسية الساعية إلى الكمال والصورة المثالية في كل شيء، حتى وإن اقترن هذا الفعل ببعض من العشوائية والجنوح. وهذا يفسر لماذا اختلطت الأهداف النبيلة بالعنف والنزعات الانتقامية لدى الثورات الكبرى في العالم، وعلى رأسها الثورة الفرنسية، أم الثورات. الشيء نفسه حدث مع حركة الضباط الأحرار في مصر فجر الثالث والعشرين من تموز يوليو 1952، والتي تحول مسماها لاحقاً إلى ثورة ذات مبادئ قويمة ونوازع انتقامية من العهد السابق، حتى لو كان من منطلق التطهير واستعادة الحقوق. فبعد أن طرد الضباط الأحرار الملك السابق من مصر، واستقرت لهم الأمور في الداخل، بادروا في تحرك محموم إلى مصادرة أموال وثروات أسرة محمد علي، وهو الإجراء الذي شابه كثير من التجاوزات والممارسات السلبية.


غير أن أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه اللواء محمد نجيب، ويديره فعلياً البكباشي جمال عبد الناصر، لم يكتفوا بمصادرة أموال الأسرة التي كانت تحكم مصر قبل 1952. فبدأوا في مناقشة فكرة أن تمتد المصادرات إلى كل من حققوا ثرواتهم نتيجة الاقتراب من القصر الملكي بدرجة أو بأخرى، ولتكن البداية بأهل الفن مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وليلى مراد ومحمد فوزي. أما فريد الأطرش فكان ينظر إليه حتى ذلك الوقت على أنه مجرد مقيم في مصر، لكن الفكرة واجهت انقسامًا واضحًا بين أعضاء المجلس. فقد تبناها بقوة الشقيقان صلاح وجمال سالم ونجحا فى استمالة عبد الحكيم عامر، وأيدها خالد محيي الدين على خلفية ميوله اليسارية الداعمة لمبدأ التأميم وتوزيع الثروات، ولم يعارضها حسين الشافعي من منطلق نظرته المتدينة للفن. فيما لم يكن لا محمد نجيب ولا أنور السادات مؤيدين لها، تجنباً لاحتمالات الصدام مع المجتمع، إن هي طالت فئات أخرى. أما جمال عبد الناصر فكان أقل حماساً لتنفيذ الفكرة ليس اعتراضًا على المبدأ، وإنما لميله الشخصي لأم كلثوم ولفنها منذ أن استقبلته في منزلها العام 1949 هو والضباط الذين كانوا محاصرين بالفالوجة في فلسطين إبان نكبة 1948، وبعد أن استجابت لهم في حصارهم وغنت في إحدى حفلاتها أغنية "غلبت أصالح في روحي" بناء على طلبهم.

أم كلثوم كادوا يحددون إقامتها


 وبينما كان النقاش على أشده داخل الغرف المغلقة، استطاع الصحافيان المعروفان مصطفى أمين وفكري أباظة تسريب الخبر إلى كل من الموسيقار محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم. في هذا الوقت وصلت إلى اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة هذه الرسالة من وكالة المملكة العربية السعودية في القاهرة، وهي وثيقة في غاية الأهمية والندرة، أنقل لكم نصها الذي كتب بلغة أقرب إلى العامية من دون أي تدخل رغم كل المآخذ على  صياغتها:


وزارة الخارجية
وكالة المملكة العربية السعودية 
بمصر
عدد الأول
القاهرة في 4 – 6 - 1953
بسم الله الرحمن الرحيم
سيادة القائد العام للثورة المباركة الرئيس / محمد نجيب حفظه الله 
بعد موافقة جلالة الملك عبد العزيز على التدخل في هذا الموضوع كلفني بطريقة غير رسمية إخباركم بهذا الموضوع القاسي جدا والذي قد علمنا انه سوف يتخذ عليه قرار قريبًا من مجلس قيادة الثورة وهو مصادرة أموال الاستاذ / محمد عبد الوهاب والسيدة / أم كلثوم وتحديد ألإقامة لهما وذلك كما يقول التقرير انهم كانوا مقربين من العهد البائد وعلى الأخص أن الأستاذ عبد الوهاب له غنوة خاصة للملك ويطلق عليها اسم الفن وكانت خاصة للملك السابق وأن السيدة ام كلثوم لها غنوة باسم حبيبي يسعد أوقاته وهى أيضا خاصة للملك السابق وانهم يدينون بالولاء له إلى الآن ولذلك كان هذا القرار الذي ذكرناه في السابق.. سيدي الرئيس ليس تدخلا في أي قرار يكون في صالح الأمة ولكن هو لرأي ومشوره فإن هذا الموضوع سيكون له اثر بالغ القوة على الشعوب العربية والمصرية خاصة، ويعطي انطباع سيء جدا عن الثورة وأهدافها المقدسة، سيدي لقد حضر عندي كل من الأستاذ محمد عبد الوهاب والسيدة ام كلثوم وقالوا هل كان لدينا أو لغيرنا اتخاذ قرار حر في ذلك الوقت؟ لقد كان يفرض علينا ألأمز فرضا ولا كنا تستطيع أن نرفض، إننا الآن قلبا وقالبًا مع الثورة المباركة ونحن على استعداد للتنازل عن جميع الهدايا الذهبية والمجوهرات التي أخذناها في ذلك العهد وذلك عن طيب خاطر وإننا على استعداد للتبرع ليس بأعمال ولكن بالدم في سبيل الوطن ونجاح الثورة


وبعد سيدي الرئيس لقد كتب كل واحد منهم رسالة بهذا الكلام بخط يده عندي هنا ولكن أشرت عليهم بأن أتدخل مباشرة لأني أعرف مدى حبك وإخلاصك للبلد، وأخيرًا هذا كل شيء كما ذكرت لسيادتكم أول أمسِ وقلت لي أريد أن أعرف الموضوع كله، وشكرا.

 محمد الطبيشي

الوثيقة


                                                      
هذا كان نص الرسالة التي تلقاها مكتب اللواء محمد نجيب، فماذا تقول القراءة في سطورها وما خفي بين السطور؟


 أولا: كانت وكالة المملكة العربية السعودية بمصر أقرب إلى سفارة للمملكة في القاهرة، ولذلك تصدر اسم وزارة الخارجية السعودية هذه الوثيقة، أما السيد محمد الطبيشي فكان - على ما يبدو - سكرتير الوكالة أو أقرب إلى منصب السفير، ولعائلة الطبيشي باع طويل فى العمل السياسي والدبلوماسي بالمملكة، وكان محمد الطبيشي الابن يشغل منصب رئيس المراسم بالديوان الملكي السعودي حتى أيار 2015.


ثانيا: حتى لا يلتبس الأمر ببال أحد على خلفية مخاطبة اللواء محمد نجيب بـ" سيدي الرئيس" في خطاب مؤرخ في الرابع من حزيران/ يونيو 1953 أي قبل أسبوعين من الإعلان الرسمي لإلغاء الملكية وقيام الجمهورية في مصر، فقد كان نجيب حتى ذلك الوقت ينادى ويخاطب بالسيد الرئيس باعتباره رئيسًا لمجلس قيادة الثورة وليس رئيسًا للجمهورية، ولذلك لن تجد في الرسالة أي ذكر لكلمة جمهورية، بل أنها بدأت بمخاطبة محمد نجيب بعبارة سيادة القائد العام للثورة المباركة الرئيس محمد نجيب حفظه الله


 ثالثًا: بدا واضحًا حرص المسؤول السعودي على التأكيد على أن تدخله في شأن هذا الموضوع القاسي على حد وصفه هو بصفة غير رسمية حتى لو كان قد حظي بمباركة من العاهل السعودي الملك عبد العزيز، وذلك تجنبا لأي حرج قد يحدث في حالة رفض الوساطة السُّعُودية وتنفيذ القرار المذكور تجاه كل من أم كلثوم وعبد الوهاب، وأنه قد سعى شفاهة – أولا - قبل ذلك التاريخ بيومين لدى محمد نجيب، لكن الأخير طلب منه استجلاء الأمر تفصيلًا في رسالة مكتوبة على ما يبدو، وهو ما قام به السيد الطبيشي فعلًا.


رابعا: كذلك بدا واضحًا أن الفنانين الكبيرين لم يضيعا أي وقت بعد وصول التسريب إليهما، فقد قاما من فورهما بزيارة المسئول السعودي في مكتبه طالبين تدخل الملك عبد العزيز آل سعود شخصيًا من أجل تأمين ثروتيهما من المصادرة والحيلولة دون تحديد إقامتهما، بل حريرًا خطابين بخط اليد يؤكدان من خلالهما استعدادهما للتنازل عن كل الهدايا التي وصلتهما في سنوات العهد البائد والتضحية بالدم من أجل نجاح الثورة وأنهما الآن قلبا وقالبًا مع ما حدث فى يوليو 1952، وعلى أية حال فلم تكن هذه هي المحاولة الأولى من جانب ام كلثوم تحديدًا لتبييض وجهها وإزالة أي احتمال للربط بينها وبين العهد الملكي، فقد سجلت مجلة "الكواكب" بالكلمة والصورة في عددها الصادر في الخامس من آب أغسطس 1952 أي بعد أيام من قيام الثورة ذهاب كوكب الشرق إلى مبنى الإذاعة المصرية القديم بشارع الشريفين وقيامها بتدمير الأشرطة ألتي تحوي أغنياتها التي تغنت بها للملك السابق كنوع من التطهير، فضلا عن مبادرتها هي وعبد الوهاب بالغناء للثورة الجديدة في الأشهر الأولى لقيامها.


 خامسًا: في رسالته إلى محمد نجيب ذكر المسئول السعودي أغنية "الفن" لمحمد عبد الوهاب وأغنية "حبيبي يسعد أوقاته" لأم كلثوم باعتبارهما الأغنيتين التين تغنيا بهما للملك السابق مع العلم بأن للمطربَين عشرات الأغنيات الأخرى في هذا الصدد، أم كلثوم مثلا كان لها لائحة طويلة من الأغنيات التي مدحت فيها الملك فؤاد ثم الملك فاروق، ويذكر التاريخ الغنائي لأم كلثوم أنها في الحادي عشر من شباط/ فبراير 1937 وبمناسبة عيد ميلاد الملك فاروق الذي كان حديث عهد بعرش مصر غنت في وصلة واحدة أربع عشرة أغنية تتضمن جميعها اسم الملك فاروق ما عرف بالفاروقيات، ثم هي كذلك التي استبدلت كلمات أغنية "يا ليلة العيد" في حفل النادي الأهلي العام 1944 لتتغني بالملك فاروق الذي شرف الحفل بزيارته في المقطع الذي يقول "يعيش فاروق ويتهني ونحيي له ليالي العيد" وبعد الحفل ذهبت أم كلثوم إلى حيث يجلس الملك وقبلت يديه، فكافأها في تلك الليلة بمنحها وسام الكمال لتحمل منذ ذلك اليوم لقب صاحبة العصمة وهو اللقب الذي كانت تحمله فقط أميرات أسرة محمد علي، أما مطرب الملوك والأمراء محمد عبد الوهاب فلم يكن يفوت أي فرصة ملكية إلا وغنى فيها للملك وأولاده، ومن هنا كان غريبًا جدا أن يدعي المطربان أنهما كانا مجبرين على ذلك، ولم يكونا يستطيعان الرفض بحسب ما جاء في رسالة المسؤول السعودي للواء محمد نجيب، فقد كان بإمكان الاثنين مجاملة الملك أو حتى تملقه مرة أو اثنتين، لكن تلك الكثرة ليس لها سوى تفسير واحد لا يخفى على فطنة أحد.


 سادسًا: ولكن من أين أتت حظوة عبد الوهاب وأم كلثوم لدى الملك عبد العزيز للدرجة التي جعلته يتدخل شخصيًا لدى اللواء محمد نجيب الذي انقلب على الحكم الملكي كى تتفادى المصادرات المزمعة ثروة المطربَين الكبيرَين؟ في العاشر من كانون الثاني/ ينايرالعام 1946 قام الملك عبد العزيز آل سعود بزيارته الشهيرة إلى مصر التي تزينت من أول مليكها وحتى أصغر شبابها لاستقبال الضيف الكبير، وفي قصر عابدين بقلب القاهرة أقيم للملك الضيف حفل غنائي كبير كان من الطبيعي أن يحييه أكبر اسمين في عالم الطرب عبد الوهاب وأم كلثوم، في ذاك الحفل غنى عبد الوهاب من نظم صالح جودت قصيدة مطلعها: يا رفيع التاج من آل سعود، يومنا من أجمل أيام الوجود، واختار لحنا من مقام الحجاز على اعتبار أن الضيف الكبير قد أتى من أرض الحجاز، وفيما يخص أم كلثوم فلم تستطع أن تعد أغنية جديدة تناسب المقام الرفيع، فأضافت إلى قصيدة "سلوا قلبي" التي نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي في مدح الرسول الكريم مجموعة من الأبيات من شعر محمد الأسمر وألحان رياض السنباطي بطبيعة الحال كالت فيها المديح للضيف السعودي من دون أن تغفل الثناء أيضا على الفاروق، وعند عودته إلى بلاده أرسل الملك عبد العزيز إلى كل من محمد عبد الوهاب وأم كلثوم والشاعرين صالح جودت ومحمد الأسمر هدايا ثمينة عبارة عن بردة من فاخر الثياب وساعة ذهبية ثمينة، والأهم أنه منذ ذلك اليوم استقر المطربان في قلب الملك السعودي ولم يبرحاه حتى أنه أمر بتدخل مندوبه في مصر لدى مجلس قيادة الثورة كى يستبعد الموسيقار والمطربة من قرارات المصادرة على الرغم من أنه لم يكن قد وطد علاقته بعد بالحكام الجدد لمصر، ومن ثم كان بالإمكان تعرضه للحرج.


 سابعا: هذا هو الفارق بين كل من أم كلثوم وعبد الوهاب وبين محمد فوزي وليلى مراد اللذين كان سيشملهما قرار المصادرة، فالاسمين الأولين كانا من الكياسة بحيث جعلا لهما غطاء سياسيًا يضمن لهما الحماية عند اللزوم، فيما الآخران كانا من البراءة السياسية بحيث لم ينتبها إلى ذلك، وربما لقيا الاثنان لاحقا صنوف الاضطهاد من جانب القيادة السياسية فى مصر ما دفع ليلى للاعتزال اللإجباري فيما أخذت من فوزي أمواله وأممت ممتلكاته من دون أن يشمل ذلك أصول ممتلكات أى من عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم، فمات الرجل معدمًا صريع المرض الخبيث.


  ثامنا: على أية حال فإن فكرة مصادرة أموال المنتمين إلى العهد البائد لم تصمد طويلًا، فقد وأدها عبد الناصر سريعًا إرضاء لأم كلثوم بالتحديد مبررًا ذلك لبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة بأن مثل هؤلاء الفنانين لهم شعبية طاغية من الممكن خسارتها لو وضعوا في خانة أعداء الثورة، كما يمكن كذلك الاستفادة من شعبيتهم هذه في التأكيد على الصورة التي يريدون لها أن تصل إلى الناس، وهو ما حدث فعلًا في السنوات التي تلت هذه الواقعة المثيرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث