"وادي المسك": عودة الرواية إلى حضن الفلسفة

د.زهيدة درويش جبورالثلاثاء 2025/08/05
حجم الخط
مشاركة عبر

لعل الميزة الأساسية لرواية حسان زين الدين "وادي المسك" الصادرة مؤخراً في 211 صفحة عن دار الأنام، هي القطيعة مع السائد في الرواية المعاصرة من جهة، واستلهام التراث، من جهة أخرى. فهي لا تنحو باتجاه الواقعية لتكون مرآة تعكس التحولات والمشكلات السياسية والاجتماعية عبر التجارب التي تعيشها الشخصيات الروائية. وهي عودة إلى الجذور كونها تستلهم تقليدًا أدبيًا دشنه في الأدب العربي ابن المقفع في كتابه الشهير "كليلة ودمنة"؛ إذ إن صاحبها  أراد لشخصياته أن تنتمي جميعها إلى عالم الفراشات والطيور والحيوان. يمكن اعتبار “وادي المسك” رواية عرفانية وفلسفية تهدف إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الإنسان بوصفه كائناً روحياً، في الوقت الذي تمعن الحضارة المعاصرة في تشييئه وتحويله إلى مجرد آلة للإنتاج والاستهلاك. 

 

ليس من المستغرب أن تكون الشخصية الأساسية فراشة  لما يتمتع به هذا المخلوق من رمزية في قاموس التصوّف. ثمة كلمات مفاتيح تدخلنا إلى عالم السرد المشحون بالأفكار والحكم والمفاهيم العرفانية : "الاحتراق بالنور"، "المشاهدة"، "عيد الظهور"، "روح الكل”، "أنيما"، "فراشة السماء". فالمغامرة التي تخوضها الفراشة زارا بحثًا عن جذورها، من جهة، وتوقاً إلى الكشف عن الحقيقة الكامنة وراء اللهب، من جهة أخرى، إنما ترمز إلى مغامرة الإنسان المهجوس بالسر الكامن وراء الظواهر، الباحث عن حقيقة الذات، وعن سر الوجود. لذلك لا بد له من رحلة إلى الأعماق  ليكتشف حقيقة ذاته ويتصالح معها، تمهيدًا لمصالحة حقيقية مع الآخر، ومع الكون: "في الداخل أبواب ومنازل، يقول سمندل مخاطبًا الفراشة زارا، أنٍت مخيرة في اكتشافها وفي كيفية تخطيها” ص. 103. فالمسار الكشفي  وعر مزروع بالأفخاخ والمخاطر التي تتطلب شجاعة وجرأة على خوض غمار المجهول وعلى الدخول في مناخ العزلة والصمت، وعلى التحرر من الرغبات والانعتاق من زيف المظاهر تمهيدًا للإنصات للحدس الذي يصل الساعي بالباطن الخفي.عندها تنهار الحواجز بين الظاهر والباطن، وتسقط الثنائيات، ليحل محلها شعور بالوحدة والانسجام مع سائر الكائنات. لكن لا يفوت الكاتب أن ينبه إلى التمييز بين الإيمان بوحدة الوجود، وهو مبدأ عرفاني أصيل، والادعاء بأن الكائن البشري يمكنه فعليًا أن يتماهى مع غيره من المخلوقات، كأن يصبح شبيه الكلب مثلًا أو الهر، كما يروِّج بعض أصحاب البدع في الغرب.

 

وادي مسك

 

الواقع أن الرواية تختزن، إضافةً إلى بعدها الفلسفي، موقفًا نقديًا من الحضارة الغربية، وتسلط الضوء على المخاطر التي تواجهها البشرية في ظل الثورة التكنولوجية والتطور العلمي الذي لا يواكبه  تقدم في الفكر الفلسفي وفي سلم القيم الأخلاقية والإنسانية، إضافة إلى ما يلحق بالطبيعة من أذىً تظهر نتائجه في التغيرات المناخية وفي التصحر والجفاف والقحط في بقاع مختلفة من الكرة الأرضية. لا يتردد الكاتب في أن يقحم نفسه في الرواية فتصبح الفراشة زارا ناطقًا باسمه حين يحذر من خطر اكتشاف "الروبوت"، تلك الآلة التي “زودوها بمعلومات ووضعيات واستعدادات وتوقعات عدّة بهدف ماذا؟ بهدف استغلالهم ابن الإنسان، والقضاء على تنوع وجوده، وتقييد حرية اختياره. مذ كان هذا المنتج لا يزال فكرة، قاموا بتسويقها في السينما والإعلام وبواسطة تطبيقات الإنترنت. والآن بات الإنسان الآلي يقوم بأعمال ومهارات الإنسان الطبيعي عن طريق برمجيات دقيقة يسمونها تطبيقات الذكاء الاصطناعي” (ص.61). في مقابل هذا الأسلوب التقريري الجاف، تطالعنا إشراقات تتجلى في لغة تغرف من معين العشق الصوفي، كما في هذه العبارات تجري على لسان سمندل: تذوقنا حضور ذاك الحبيب باعتباره جمال الأشياء، يكون بتماهينا مع حضوره في الأشياء” (ص.82). 

 

إنه الإيمان بالروح الإلهي الذي يحل في كل الكائنات، والذي لا يحده حد ولا يتسع له مكان لأنه المحبة: “هو جمال الحقول والروابي كلها، وهو في كيان كل منا يقوم، ولأنه غير محدود فلا يحتكره قلب" (64). هذا المفهوم للإيمان يبني الجسور بين العقائد والأديان ويعيد الانسجام إلى العلاقة بين البشر ومحيطهم الطبيعي، لأن كل ما في الطبيعة إنما هو آيات  تشهد على حضور الخالق. كما يتخذ أسلوب الرواية في بعض الأحيان طابع الحكمة يطلقها الكاتب على لسان الفراشة مرجانا: "لا تنسوا أن الصدق هو باب النجاة”، "وتنبهوا إلى إشارات ترونها، بدلًا من الوقوف عند شكل عبارات تسمعونها" (ص.31)، أو على لسان الفراشة ليلي: "الحكيم هو الذي يطبق ما يعرفه، ويقول ما يطبق، ونصائحه تأتي بالرفق وتتوافق مع قدرات المنصوح، لا تعتمد على قدرة الناصح" (ص.28). وعلى الرغم من الطابع الفلسفي الطاغي لا يفوت الكاتب أن يشير إلى  الأحداث الجارية على الساحة السياسية في عالمنا العربي، ووفي طليعتها مأساة غزة، وذلك في إطار بناء لوحة شاملة للمعاناة الإنسانية في يومنا الحاضر. في المحصلة، ينبغي الاعتراف بأن غاية زين الدين بالدرجة الأولى هي إيصال الفكرة، وليس توليد الإحساس بالمتعة الفنية، فالحبكة ينقصها التشويق، والأسلوب التقريري هو الطاغي، لولا بعض المقاطع الشعرية التي تتخلل السرد وتمده بدفق من الحيوية والعاطفة:

"هدهد الهدهد فوق شجرة الجميز
مشت غابة بأسرها مجذوبة بالشجن
طار الهدهد إلى غيمة دهرية
فانبجس من التلة ماء...".

 

يبقى أن الرواية دعوة إلى التفكير، وإسهام في تعميق وعي الإنسان المعاصر لذاته وللعالم من حوله.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث