لم يَلد لبنان مِثلك...

نابغة ذبيانالثلاثاء 2025/08/05
جدارية الفنانان اللبناني زياد الرحباني، والفلسطيني فرج سليمان في عمّان (Getty)
جدارية الفنانان اللبناني زياد الرحباني، والفلسطيني فرج سليمان في عمان-الأردن (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لن أكتب عن عبقريتك، فهي واقع محتوم شاء من شاء، وأبى من أبى. أمّا فاجعة اللبنانيّين برحيلك فهي حكايتي، وهي كل الحكاية. فلبنان لم يلد شخصية عامة اجتمع اللبنانيّون على محبتها إلى هذا الحد، إلى حد الألم الموجع على رحيلها. ألمٌ لا ينتهي بعد ساعات أو أيام، بل يتحوّل إلى حزن يستمر ويكبر ويزداد مرارة. حال الشعب اللبناني على رحيل زياد الرحباني وحزنه عليه هو حالة استثنائية، تمامًا كشخصيته... والسبب واضح ومعقّد، فزياد الرحباني، رغم عدم اختلاطه بالناس هو قريب منهم إلى حد لا يصدّق، هو قرب واقعيّ ومتجذّر وسورياليّ في آن واحد، هو خلطة زياد الرحباني المستعصية على سواه، وأهم ما فيها، إنسانيته ونزاهته وبساطته وكلامه الذي لامس صميم الناس، ووصل إلى قلوبهم قبل عقولهم.
 

نعم، لم يلد لبنان شخصية عامة يحزن على فقدانها معظم اللبنانيّين وبمختلف أطيافهم، إلّا زياد الرحباني. سمعت من قال "الحزن عم بزيد"، وآخر عبّر عن رحيله بكلمة "فراغ" وأحدهم همس لي "ما عم بستوعب"، وأنا أقول إني فقدت جزءًا من قلبي، وأعتقد أنه حال معظم اللبنانيّين.


نعم، لم يلد لبنان شخصية عامة حزن عليها اللبنانيّون، كمن يحزن على حبيب، أو أب، أو أخ، أو صديق، سوى زياد الرحباني. ولم أبالغ حين أطلقت لقب "روح لبنان" على زياد الرحباني بعد مماته، وأسميته أيضًا "شعب لبنان" وأسميته "الوطن". أنتَ كل هذا يا زياد، خلطة من الصعب أن تتكرّر. خلطة ترفّعت عن المال والسلطة والمناصب. خلطة جمعت بين العبقرية الفنيّة والشرف والجرأة والصدق، هي خلطة نادرة، هي كنز لشعب ووطن يقدّران بأنّ الحداد الشعبيّ على زياد هو أصدق وأشرف من أيّ حداد رسميّ. 

 

رحيلك لن يعوَّض بسماع موسيقاك ومسرحياتك وكلماتك ومواقفك، لأنّ وجودك حيًّا بيننا له طعم آخر، له طعم الفخر، له لون المقاومة الشريفة، له مذاق الجرأة المدوّية والصدق الصارخ، له راية الثورة وعنفوان الشعب العنيد. هذا الشعب تركته يتيمًا "بلاك" يا زياد. هذا الشعب فقد الشخصية العامة الوحيدة التي حكت عن الناس بلغتهم على مدى نصف قرن، وصرخت كما يصرخ الفقير والمظلوم. أنت الناس يا زياد، ولقد بُتر جزء منا برحيلك. من قال إنّنا فقدنا زياد الفنان؟ نحن فقدنا زياد الإنسان قبل الفنان، الذي كان صوته صوتنا، صوت الشعب وصوت الوطن. 
 

" أنا ما عم جرّب غيّر البلد، أنا عم جرّب ما خلي البلد يغيّرني" هذا زياد الذي ولد فنانًا قبل أي شيء آخر، وأصبح فيلسوفًا حكيمًا، هذا الزياد الصلب الذي لم يغيّره البلد، ولم يستطع أي موقف سياسيّ، أو أيّ مصلحة ماديّة، أن يعلوا فوق إنسانيته. هذا الزياد هو صوتنا وصوت الوطن الذي حلمنا به وطمحنا له. 


ألمنا كبير على رحيلك وخسارتنا أكبر. لعلّك قررت الرحيل في الوقت المناسب، فصعدت روحك لترتاح من كل هذه البشاعة التي تحيط بنا، وكنت أنتَ الوجه العام الوحيد الذي يحلّق جمالاً في سماء هذا اللبنان. رحلت كي لا تشهد بشاعة أكبر، أما نحن فخسرنا برحيلك "روح لبنان"، خسرنا زياد الرحباني الذي لا مثيل له.


 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث