أمن وأطباق وزينة: معضلات وزير الثقافة السوري

علي سفرالاثنين 2025/08/04
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ تعيينه وزيرًا للثقافة في الحكومة الانتقالية التي يرأسها أحمد الشرع، لم يتوقف محمد ياسين الصالح عن إثارة الجدل بين السوريين. الأمر هنا لا يتعلق بالمثقفين الذين يُفترض أن يكونوا الأكثر حساسية لسلوكياته، بل يتعداهم ليصل إلى حساسية جماهيرية عامة، لا ترتبط به وحده، بل بأي مسؤول آخر لا يدرك أن سوريا في هذه المرحلة أشبه بحريق كبير، يخضع فيه الجميع لتسخين هائل، يكون محظوظًا من لا تمسّّه النيران أو مَن لا تحرقه في لظاها.

 

في لحظاته الأولى أمام الكاميرات، قرر الوزير والمذيع السابق أن يصنع عرضاً خاصاً به، فصدرت عنه بضعة أبيات حماسية من الشعر، قال فيها:

لقد صمنا عن الأفراح دهراً.. وأفطرنا على طبق الكرامة

فسجل يا زمان النصر سجل.. دمشق لنا إلى يوم القيامة

 

تداول كثيرون كلمات الوزير بوصفها ثيمة خاصة بالمنتصرين الذين صاروا يدّعون أنهم يستكملون مسيرة بني أمية، ككناية عن سيطرة السنّة مرة أخرى على البلد الذي بقي 54 سنة، وفق تأويلاتهم لطبيعة الحكم السابق، محكوماً من الأقليات.

 

ندوة مع وزير الأوقاف

 

ولفت وزير الثقافة الأنظار بعد أيام من توزيره حين قام بزيارة لمقام السيدة زينب جنوبي دمشق، وسط استغراب الجميع من تصرفه الذي لا يبدو مبرراً من زاوية المهام الموكلة إليه، فمثل هذه الزيارات يقوم بها وزير الأوقاف أو مندوبون عن السلطة، في حين يمكن له أن يزور المكان من دون تغطية إعلامية لتُعتبر زيارة خاصة! لكن زيارة المقام الشيعي لم تكن تجاوزاً كبيراً، إذ لطالما زار "الشوام" المكان نظراً لمكانته الراسخة في وجدان الناس بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الطائفي.

 

لكن الغضب حلّ على الوزير الصالح حينما ظهر بعد مدّة وجيزة برفقة جمال الشرع، أحد أشقاء الرئيس، في مضافة فرحان المرسومي، أحد الأشخاص الذين يُحكى أنهم ارتبطوا بنظام الأسد وكذلك عملوا مع ماهر الأسد في تجارة المواد المخدّرة، ثم عادوا ليبنوا علاقة مع السلطة الجديدة. وهكذا صار الحديث عن حضور الوزير في المكان، "ترند" بين السوريين، وسرعان ما تحولت عبارته التي اشتهر بها عن طبق الكرامة في حفلة إعلان الوزارة الجديدة إلى عبارة أخرى هي "مناسف الكرامة"!

 

في زيارة مجمع دمر الثقافي

 

مذاك، صار الوزير مرصودًا بكل ما يفعله أو يقوله، فاعتبره البعض جاهلًا حين قال إن السريانية هي لهجة من لهجات العربية، ولا يعرف الواقع الثقافي حين ظهر في صورة مع أحد مديري الثقافة السابقين ممن كانوا يمجّدون الأسد وعائلته! ولا يحسن السلوك حين يرد على المعلقين في الفضاء العام، أو حين يجلس على الرصيف بداعي إظهار التواضع، وحين يسأل طفلاً مهجراً في معرة النعمان عن شاعر المدينة أبي العلاء المعري! 

 

ثم جرى التشكيك في عفويته التي تكشف، وفق البعض، نزعات طائفية حين تحدث عن امرأة علوية فقيرة كانت تساعد والدته في أعمال المنزل، معتبرًا أن هذا العمل معيار يفرّق بين العلوي الشريف والعلوي الذي خدم في إرهاب الدولة البعثية. وتبيّن لاحقاً أن المقطع المصوّر قديم ولا علاقة له بالمرحلة الحالية، لكن ذلك لم يكفِ محمد ياسين الصالح تعليقات وانتقادات الناشطين في فضاءات التواصل الاجتماعي، بل جرى الضخ في وقائع رُصدت عبر صور الوزير في مكتبه، تُظهر أن المكان يخضع لعملية تعديل بالغة الكلفة لجهة الإكساء بالموزاييك الدمشقي ليصبح مشابهاً لملامح قاعات الاجتماعات في بعض المؤسسات الأخرى وفي قصر الشعب، والتي بُنيت في العهد السابق. فجرى السؤال عن حقيقة المشكلة المالية التي تعانيها الدولة فتمنعها من صرف المال لمن يستحق، أو تقنينه، بينما يُنفق ببذخ في مكتب الوزير!

 

طبف الكرامة

 

كل ما سبق لم يتعلق بأداء الوزير في الموضوع الموكَل له؛ أي الثقافة السورية، حيث ظل الوضع هامدًا، لا تُلحظ فيه أية مؤشرات على بيئة مختلفة أو تقدم في أحد مساراته تحت ظلال الحرية.

 

لم يكن لدى الصالح خطة ثقافية معلنة سوى ما قاله في حفلة إعلان الوزارة: "أن نفتّت ونبتعد عن كل المنظومة الثقافية التي كان يتبناها الوضيع البائد الهارب (…) وأن الثقافة التي نحتاج أن نفعّلها هي ثقافة عمل الخير وعمل الإحسان وهي ثقافة التآخي". لكن هذا الكلام النظري المتخم بالأماني لا يمكن أن يمر عبر المكاتب والمسارح وصالات العرض السينمائي، ولا حتى في المتاحف والمعاهد الفنية العليا التي تتولى الوزارة شؤونها. فظهر الوزير في صور مصدرها مكتبه الإعلامي، وهو يقود ورشة عمل تضم مديري مؤسسات الوزارة من أجل وضع خطة عمل تعمل عبرها كوادرها! وهو الأمر الذي يدل بوضوح على أن الوزير لم يأتِ إلى وزارته وهو يعرف ما الذي سيفعله فيها، بل جاء عبر سبل أخرى، وقد بات عليه أن يقدم شيئًا أهم من تزيين مكتبه ومن إنشاء صفحة جديدة للوزارة في فايسبوك، يتخمها بأخبار استقبالاته ونشاطاته وزياراته لأماكن ثقافية وتراثية يظهر فيها كأنه سائح يدخل المكان للمرة الأولى! علماً أن أحداً من المعنيين بشؤون الثقافة، لم يفهم السبب الذي جعل الوزارة تتخلى عن حساب فيه أكثر من 100 ألف متابع، وهو رقم كبير بالمقارنة مع أعداد متابعي صفحات الوزارات الأخرى، بحساب جديد لم يتجاوز عدد متابعيه حتى الآن الـ16 ألف شخص.  

 

الوزير في المكتب المكسي بالموزاييك

 

وبعيداً عن كل ما سبق مما تضج به تعليقات المتابعين، تورط الوزير أمام جمهور بات يركز على السلبيات، بعد أن تجاوز صدمة النصر على النظام الأسدي والاحتفالات بذلك، حين نشر زاوية في جريدة الثورة بعنوان "الثقافة أمن قومي"، قال فيها: "الدول تُهزم حين تُهزم ثقافياً، وتُولد من جديد حين ينهض كتّابها ومفكروها وفنانوها من بين الركام. ولهذا نقول: إن بندقية بلا وعي قد تُخطئ الهدف، لكن كتابًا حقيقيًا يصيب دائمًا قلبَ الأمة. من هذا المنطلق نؤكد التزامنا بتمكين السوريين، نساءً ورجالاً، من مختلف فئاتهم حتى يشترك الشعب في صنع هوية ثقافية تحصّن أمنه القومي وتشد أواصر القربى بين كل المحافظات بشكل عابر للأديان والأعراق. حتى تكون دمشق لنا إلى يوم القيامة".

 

تركيز الوزير في أولى زواياه، التي تكشف عن نمط تفكيره، على قصة الأمن، لم يمر مرور الكرام، حيث يمكن، وبقليل من التحليل، اكتشاف أن الشعار المركزي للمقال يبدو جذابًا لكنه غامض وغير معرّف بوضوح. ما المقصود بالثقافة هنا؟ هل هي الإنتاج الرمزي؟ اللغة؟ الآداب؟ التعليم؟ الإعلام؟ ثم يصبح السؤال الواجب: ما معنى "أمن قومي" في سياق دولة مثل سوريا خضعت لعقود من الحكم الأمني؟ هل يبرر ذلك عسكرة الثقافة واستخدام مفردات كالبندقية وأيضاً تحويلها إلى أداة أيديولوجية؟

 

يسأل طفلا عم المعري

 

غير أن مشاكل الوزير الصالح لم تنتهِ عند حدود اتهامه من قبل كارهي سلوكياته بالضحالة الفكرية، بل وصلت إلى آخر ما صدر عنه، أي رسالة التعزية التي أرسلها للسيدة فيروز بمناسبة رحيل ابنها الموسيقار زياد الرحباني. حيث واجهه كثيرون ممن يتمترسون وراء الدشم الأخلاقية الثورية بأنه يقوم بالتعزية بشخص لم يوفر أية فرصة أتيحت له في سبيل التشنيع بالثورة السورية، وطالب البعض بمحاسبته في منشورات وجهت لرئيس الجمهورية.

 

وفي الوقت الذي رحب فيه البعض بتصرفه واعتباره جزءاً من السلوكيات المحمودة، كونها تعبر عن تصرف أهل سوريا تجاه فيروز الشخصية المبدعة الحاضرة في بيوت السوريين، ركز كثيرون على برقية التعزية نفسها، فأشاروا إلى أنه لم يذكر اسم المُعزّى به، وأنها اشتملت على مدائح لفيروز أكثر من العبارات التي تُساق في مناسبات كهذه.

 

ما يجري مع الوزير الصالح يحدث أيضاً مع وزراء آخرين، فالجميع تحت العدسات، ولا يمكن لأية خطوة يقومون بها أن تنجو من الانتقاد. لكن حساسية الثقافة في بلد كسوريا، بوصفها تعبيراً عن بنية البلد وتحولاتها تحت حكم الأنظمة، تجعل من موقع وزير الثقافة هدفاً للجميع، يُسدَّد عليه بسبب تفاصيل لا تنتهي. وحتى التعيينات التي يتحمل مسؤوليتها، والتي يُفترض بها أن تخفف من التركيز عليه، تزيد من حجم الأسئلة عما يفعله. فالبعض يرى صوابية قرار تعيين الممثل جهاد عبدو مديراً للمؤسسة العامة للسينما نظرًا إلى تجربته في السينما العالمية، في حين يرى البعض الآخر أن تعيين نوار بلبل مديراً للمسارح والموسيقى بالنظر إلى ثوريته ارتجالاً ومراهنة خطرة، وتنطبق وجهة النظر هذه على وصول الشاعر أنس الدغيم إلى موقع مدير مديريات الثقافة. في حين ينتظر صدور قرارات أخرى قد تفصل بين حد إرضاء جَمهور الثورة وتعيين أصحاب الرؤوس الحامية، وحد الاعتماد على الكوادر الاحترافية ممن شاركوا بمواقفهم في دعمها، لكنهم لم يعتلوا المنابر بما يحولهم إلى أبطال.

 

وربما تكمن المعضلة الأوسع في أن موقع وزير الثقافة ومهامه، بعد عقود من الاستبداد، ليس مجرد إدارة للمؤسسات أو توزيع للمناصب، بل امتحان لفهم جديد للثقافة نفسها: هل هي امتداد لخطاب السلطة السابق بأدوات جديدة، أم مشروع وطني جامع يعيد للسوريين ما فقدوه من معنى الحرية والعدالة والذاكرة المشتركة؟

 

سيظل محمد ياسين الصالح – ومن سيأتي بعده – عرضةً للنقد ما لم يجرؤ على مواجهة هذا السؤال الجوهري، وتحرير الثقافة من ثقل الأيديولوجيا ومنطق الولاءات، باتجاه رؤية تُعيد بناء الروح السورية المنهكة مثلما يُعاد بناء الحجر. 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث