لماذا لم يظهر في العراق شخصية مثل زياد رحباني؟
سؤال تردد في خضم الأخبار والكتابات والرثاء الذي تحدث به العراقيون إبان الحدث، ورثاء زياد رحباني!
لست مغالياً عندما أقول إن الموسيقار العراقي رائد جورج لا يقل قدرة وكفاءة وموهبة عن ملكات زياد رحباني، نشأ منذ نعومة أظفاره عازفًا ماهراً، وعندما أصبح شاباً كانت ألحان أغانيه ومؤلفاته الموسيقية والدرامية من القوة والجمالية التي تنتزع ليس الإعجاب وحسب؛ بل جوائز عربية ودولية، وهو ما جعل مجمع الكنائس في أميركا يقدمه لبابا الفاتيكان في احتفالية الألفية الثانية لميلاد السيد المسيح في روما، كونه أهم موسيقار قدم أعمالاً موسيقية للكنيسة لسنوات، ليحوز جائزة أفضل مؤلف موسيقي لعموم كنائس أميركا.
وما زالت الذاكرة العراقية تحتفظ بجماليات فن رائد جورج وموسيقاه المؤثرة والمعبرة بدلالاتها الحسية والثقافية، كما في موسيقى الملكات الخمسة في افتتاحية مهرجان بابل، وكانت محط إعجاب ضيوف العالم من كبار قادة التأليف السيمفوني، كذلك في موسيقاه لمسلسل رجال الظل، وهناك عشرات الأعمال الموسيقية التي ألفها رائد، كنا نسمعها في الاستوديو الخاص به في بيته.
صنع رائد جورج أغنيات أنيقة في بنائها اللحني وتوزيعها الموسيقي وأسلوب أدائها بصوته، واختيار كلماتها بدقة عالية الأثر الرومانسي في أثرها التعبيري، وكذلك في تصويرها، أغنية "لا ترحلين" لا يمكن أن تنساها الذاكرة الموسيقية العراقية، كذلك أغنية "سمعني كلمة" و"حيرتيني" و"ذكريات" وأغاني أخرى عدّة، كذلك في جعبة رائد عشرات المؤلفات الموسيقية والغنائية التي لم تنفذ وتظهر للمتابعين.

*لماذا لم يستمر رائد جورج ويكتسب شهرة زياد رحباني؟
رائد جورج رفض أن يكون مغنيًا إلا في اختيارات محددة، وترفع عن السوق ومطالب السوق في أغنيات خفيفة راقصة، أو تستعير من ألحان تركية ويونانية وهندية، رفض رائد منهج السوق التجاري، واعتذر عن العمل برفقة النجم كاظم الساهر وهو في ذروة شهرته العربية، حينما عرض عليه أن يكون قائداً لفرقته الموسيقية، ويشرف على توزيع أغانيه موسيقيًا. رائد كان يبتعد عن الأغنية التجارية، ويعتذر عن عشرات العروض التي ترده من مطربين ومنتجين وغيرهم. منهج يتطابق مع منهج زياد رحباني في الانتماء الوطني والموقف الثوري والتفاعل مع الموسيقى بما هي منتج ثقافي يشترك في بناء الوعي والذائقة الاجتماعية، ورفض أن يغني لصدام أو ولده عدي، وإذا كان زياد الرحباني يجد في الملكة فيروز وفرقتها والإرث الرحباني فضاءً تحلق به مؤلفاته الغنائية والموسيقية، افتقد رائد جورج مثل هذا الإثراء النوعي والامتياز الكبير!
تلك إحدى الفوارق والظروف وكذلك الحدود الفنية والمساحة التي تحرك فيها زياد، وأعطته ميزات إضافية في وفرة إنتاجه الغنائي. وإذا أخذنا الفارق في الحرية بنحو عام، وحرية العمل الموسيقي ومنظومته الفكرية والتعبيرية بين بيروت وبغداد، فإن المقارنة تميل إلى صالح المبدع رائد جورج الذي كان يعاني مضايقات وتهديدات عديدة، لم يتحدث عنها للإعلام، لكن كنا نعرفها نحن المقربين له.
الإبداع قرين الحرية، وكذلك الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تميز المناخات العراقية عن اللبنانية، تلك المناخات أعطت زياد الرحباني فضاءً واسعاً من الشهرة المقرونة بشهرة والدته فيروز، لكن ظروف العراق دعت رائد جورج إلى الهجرة مرة ثانية إلى أميركا، بعد أن عاد من هجرته الأولى قبيل حرب 2003، وبقي حتى نهاية عام 2004 عندما بدأ الإرهاب يتحرك في الساحات، وخيمت المناخات الظلامية على الحياة، وتجمدت الأنشطة الموسيقية والغنائية في البلاد.
ما أنا متأكد منه، أن قدرات رائد جورج ليست أقل إبداعا وابتكاراً عن زياد الرحباني، لكن ظروف البلد زائداً الظروف الشخصية، أعطت لكل منهما ميزاته وخصوصيته الإبداعية ومساحات شهرته.
(*) مدونة نُشرت في فايسبوك
