أصدر الروائي والشاعر أنطوان الدويهي روايته الجديدة "الشتاء الكبير"(الدار العربية للعلوم ودار المراد)، وفيها جموح في "الكتابة المطلقة"، مدينة متخيلة تلامس الواقع، منقسمة بين شرقية وغربية، استعارات كثيرة هي ابنة النص والكتابة، ,هنا حوار حول الرواية في مختلف جوانبها.
- تفتتح الرواية بالقول "أعجب من الذين يسافرون كيف يستطيعون الانتقال من مكان إلى آخر. وأعجب منهم كيف يمكنهم العيش في أنحاء وبلدان لا علاقة لها بحيواتهم الماضي ولا معرفة سابقة لهم بها. اما أنا فلا أستطيع" وتتساءل عن سبب تعلقك بالمكان هل لطبيعته شبه الدائرية شبه المغلقة؟ أم التعلق عائد لفصول الموت وطقوس العنف، أو لتعلقك بهند.. في المشهد والتساؤلات شيء من الرهبنة والتصوف والتزهد؟ ماذا لو كنت تعشق الترحال والتنقل، هل ستتبدل لغة الكتابة؟
تشبه هذه الرواية أعمالي الأدبية الثمانية السابقة، من "كتاب الحالة" الشعري إلى رواية "آخر الأراضي" في كونها مستمدّة من"يوميات الحياة الداخلية" لديَّ، التي دأبتُ على كتابتها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم. ليست هي يوميات الأحداث، بل الحالات والمشاعر والنزعات والأحلام والرؤى، خصوصاُ تلك اللحظات التي أصفها بالمضيئة.
لكن "الشتاء الكبير" تختلف عن أعمالي الأدبية الأخرى في أمر أساسي: هي لا تحدث في العالمين وعلى مدى الضفتين، ضفّة المكان الأول وضفّة الهجرة، على غرار معظم حياتي الأدبية والجمالية. هي محصورة في المكان الأول، وفي إطاره الضيق والمغلق، قبل الانتقال إلى العاصمة، وقبل الرحيل إلى أوروبا. مكانها موريا القديمة.
يشير الراوي، ابن السابعة عشرة، إلى مدى تعلّقه بحيّ موريا القديم، وإلى كونه لا يستطيع العيش خارجه ولا الانتقال منه إلى أيّ مكان آخر في هذا العالم، ويستغرب كثيرًا السفر والمسافرين. والمسألة لا علاقة لها قطّ بالرهبنة والتصوّف والتزهّد، التي لا وجود لها هنا، ولا أثر لها في ما يجري. إنها هواجس الصبا الأول المضنية وآلامه المبرّحة، التي تثقل جناحي الشاب اليافع المعذَّب، وتربطه بإحكام بالمكان الواحد.
لكن في المراحل اللاحقة، أطلق الراوي جناحيه واجتاز البحر نحو أقطار بعيدة نائية. لكن لغته الأدبية لم تتغيّر طوال حياته، لا في الإقامة ولا في الهجرة. هي لغة نفسه، ولا لغة له سواها، فأنّى له تغييرها؟
- بمناسبة تعلقك بالمكان، حتى في تنظيرك للثقافة تبدو أقرب إلى الجبل ونهضته من المدينة؟
لا ينطبق الاهتمام بالجبل على حساب المدن على عالمي الأدبي، باستثناء هذه الرواية التي يفرض مكانها ذلك. فمكانها هو الجبل الشاهق حيث جيناتا "مدينة الصيف"، وتحتها في السهل المباشر، موريا "مدينة الشتاء". والحياة دورة أبدية صعوداً نزولًا بينهما.
لكن طبيعة المكان في عالمي الأدبي والجمالي، هي غير ذلك. طالما ذكرت أن جغرافيتي الأدبية والجمالية تمتد على المساحة الشاسعة التي امتدّت عليها حياتي، من قمة الحصن في جبل المكمل، المشرفة على الشاطئ المتوسطي شرقاً، إلى مرتفع الملاك ميخائيل على شاطئ المحيط الأطلسي، عند بلاد النورمان وبلاد البروتون غرباً، مرورًا بطرابلس القديمة والميناء وحلب القديمة وبيروت والبحر المتوسط ومرسيليا وأرل وصولًا إلى باريس وسان مالو وشيربورغ، وحولها بروج وروما والبندقية وفلورنسا وفيينا وغيرها، ومروراّ بعدد لا حصر له من الأمكنة والمشاهد، "المرتفعة فوقها روحها كرداء".
ثمة أمور في مدرسة الأدب اللبنانية، وفي مدرسة الرسم اللبنانية، وهما رائدتان في دنيا المشرق، لا ينتبه إليها أحد. أما أنا فأشعر بقوة ووضوح بها لأني عشتها. كم أستغرب مثلاً كيف أن أديبًا مثل جبران خليل جبران، أو رسّاماً مثل صليبا الدويهي، وهما من بيئتي، أمضيا مجمل حياتهما في الغرب، في أميركا خصوصًا وفي بعض أوروبا، تخلو أعمالهما الأدبية والفنية من أي مشهد غربي. ليس في كتابات جبران ورسومه، وليس في رسوم صليبا، إلا مشاهد طبيعة واحدة هي الطبيعة اللبنانية، خصوصًا طبيعة وادي قاديشا بجانبيه، قنوبين وقزحيا. كأن هذه الطبيعة هي الوحيدة التي تستحق ولوج عالم الأدب وعالم الفن. وكأنهما لم يجدا في هجرتهما الطويلة جدًا في الغرب، حيث وافاهما الأجل، أي شيء يستحق الدخول إلى عالميهما.
أنا أستغرب ذلك، لكنّي أحترم وأقدًر تمامًا خيارهما. ولا أعتقد، في أيّ حال، أنه خيار واعٍ بقدر ما هو آتٍ من عمق لا وعيهما، ولا بدّ أن يكون أمراً بديهياً ومعطى طبيعياً لدبهما، ولدى جيلين متواليين في مجتمعهما الجبلي اللبناني.
أما أنا، فمن جيل آخر، وفي مكان آخر. أنا مولهٌ بالطبيعة اللبنانية، لكنها ليست الوحيدة التي تستحق دخول عالم الآداب والفنون. وفي عالمي الأدبي قدرٌ لا حصر له من الأمكنة والمشاهد المسكونة بروحها وسرّها وجماليتها على مدى العالمين، التي أضحت من مكوّنات حياتي الداخلية، من جبل الحصن شرقاً إلى مرتفع الملاك ميخائيل غرباً.
- لا تجد ضرورة لمعرفة ما جرى في مسارات التاريخ أو ما يحدث الآن في أرجاء العالم الشاسع، تقول "يكفيني عيش ولهي بهند، حتى ألج وأشهد لكل شي منذ بَدْء الزمان، حي موريا القديم هو مسرحي الكوني". إلى أي مدى بقيت وفيا لهذا الفكرة، كم استطعت الصمود أمام اغراءات التكنولوجيا والمعرفة، بل تعددية القلب في النظر إلى الفتيات والحب؟
يقول الراوي في "الشتاء الكبير": "يكفيني عيش فصول الحياة والموت في موريا القديمة، ويكفيني عيش ولهي بهند، حتى ألج كلّ شيء وأشهد لكل شيء منذ بَدْء الزمان. حيّ موريا القديم هو مسرحي الكوني". هذا هو شعور فتى السابعة عشرة المجروح الروح، وهذا هو حدسه. إنها رواية عيش الحياة قبل عيشها، ورواية الغوص عميقًا جدًا في الجزئي، حيث يكمن الكلّي. وهي رواية البحث عن الكتاب الواحد المطلق.
لكن بعد أن انطلقت جناحا الراوي وذهب بعيداً في الزمان والمكان في أعمال عدّة أخرى، ورأى ما رآه وعاش ما عاشه، يدلي بهذا الاعتراف المذهل في مطلع "الشتاء الكبير" : "... كلّ ما عرفته بعد ذلك، على مرّ السنين، من مشاهد وأمكنة ووجوه وأنفس وحيوات لا تحصى، في جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتي العالمين، وكلّ ما اكتشفته من ثقافات وجماليات وأنماط عيش، وما أدركته من معارف وعلوم، وكلّ ما انتابني من خيالاتٍ ورؤى، لم يضف الكثير إلى ما كان يختلج في حنايا ذلك الفتى اليافع الصامت".
- صورة هند هي صورة فتاة الشرفة، صورة الفتاة التي يحضر وجهها وطيفها، ويبتعد حضورها الحسي، هي الصورة النقاء الطفولي، والنقاء الديني تقول على الرغم من حالة جمود صورة هند في داخلي كل صباح وما يرافقها من هواجس مضنية، ومن اضطراب في رؤيتي الجسد البشري وأشياء الطبيعة؟ ما تفسير ذلك؟
إنه اضطراب الصبا الأول وعذاباته المبرّحة. عاش الراوي بشدة هذا الاضطراب وعانى بصمت من هواجسه، وانهياراته الداخلية، والاختلالات المضنية التي أحدثها في علاقته بالطبيعة، وبتوالي الاحتمالات والأحداث، وفي رؤيته الجسد البشري، وأشياء كثيرة مأسوية أخرى، يشهد لها في "الشتاء الكبير". لا تفسير لذلك. لا أحد يدرك كيف ولماذا. ثمة نفوس تعيش عذابات الصبا الأول، وثمة نفوس لا تعيشها ولا تعرفها. وعلى الرغم من الاختلاف العميق بين اضطراب وآخر، نجد في الأدب شهادات عن اضطراب الصبا الأول، لدى غوتيه مثلًا في "آلام الشاب فيرتر"، ولدى شاتوبريان في "رينيه"...كما لا نجده لدى أدباء كثيرين آخرين. من يدري؟ سمعت مرّة أديبًا عربيًا جدّ معروف يقول في حوار إعلامي معه أن أدبه لا علاقة له البتة بطفولته وصباه. لكلٍّ عالمه.

- كان دوستويفسكي يقول "الجمال سينقذ العالم"، تقول على الرغم من تعلق أهالي موريا بوطنهم الأصلي جيناتا، "مدينة الصيف"، فلا أدري إلى أي حد تحضر طبيعتها الخلابة في وعيهم، اذ تقتصر علاقتهم بها على الاعتناء بجنائن التفاح وحقول الأشجار المثمرة وكروم العنب ... وغياب الطبيعة عن الوعي الجماعي، او موقعها النفعي الضيق فيه، هما السمة الغالبة أيضًا على الخمسين قرية وبلدة، وتقول "أشعر أن استمرار التوتر والعنف والفتن والحروب في هذه الأنحاء وتفاقم ازماتها، هي على علاقة وثيقة بغياب الطبيعة، أو حضورها الضعيف الباهت" وتستنج إذ لم تلج الطبيعة عميقاً وعي هذه الجماعات، فليس من خلاص لها يرجي؟ هنا يمكن القول أليس للطبيعة أوجهها المتعدّدة يمكن أنْ تكون عاصفة ويمكن أن تحدث زلزالا أو فيضانا أو يمكن أن تكون غابة وحوش ضارية؟
كان شاب السابعة عشرة، مرهف الإحساس، الموصول بعمق بالطبيعة، يستغرب كيف أن غابات الصنوبر والشربين والأرز والسنديان المحيطة بجيناتا لا تمثل عميقًا في وعي مجتمعها، كذلك الأمر بالنسبة لغوطة البرتقال وسهول الزيتون المحيطة بموريا، كذلك غوطة البرتقال الموصولة بالبحر في طينال. كان يشعر بأنه لا يمكن تحرير هذه المجتمعات من العنف إذا لم تمثل الطبيعة في وجدانها. كان هذا شعوره وحدسه، وهو لم يفسّره.
حسناً فعلتَ بالإشارة إلى عبارة دوستويفسكي " الجمال سينقذ العالم". هذه العبارة التي تنسبها شخصية ثانوية في رواية "الأبله" إلى الأمير ميشكن، بقيت هي أيضًا من دون تفسير في الرواية الروسية. وأنا أفسّرها كما يلي: بقدر ما يعي الإنسان جمالية الطبيعة وجمالية الفن، بقدرما يسمو ويرتقي، وبقدر ما تنحسر نزعة العنف لديه. ينطبق ذلك أيضًا على حدس الراوي في "الشتاء الكبير".
وبالنسبة لمخاطر الطبيعة ووحوشها الضارية وفيضانات أنهرها، فتلك مسألة أخرى. الطبيعة المحيطة بموريا وجيناتا وطينال، ليست أدغال أفريقيا والأمازون. وفي أي حال، جمالية المشهد هي معطى ثقافي وليست معطى طبيعياً بحتاً. مطلع القرن الثامن عشر، كانت الغابات الأوروبية لا تزال بعيدة عن الجمالية. كانت تثير المخاوف لما تحتويه من حيوانات مفترسة وقطّاع طرق. مع الرومنطيقية بدأت تتكوّن جمالية المشهد، ثم تعزّزت وتكرّست مع الرسم الانطباعي، متلازمة مع صعود "الأنا" في الفنون والمجتمع، وباتت مكوّناً أساسيّا من مكوّنات الذات الحديثة والمعاصرة.

- تربط أعمال العنف بالمكان وأبعاده، وتجري مقارنة بين موريا التي تقع فيها مجمل أعمال العنف، بينما حالات قليلة للغاية وقعت في جيناتا العالية والصيفية والفردوسية، وتعتبر أن "تجنيب جيناتا بشاعة العنف ليس مجرد صدفة لا تفسير لهاـ بل هو أمرٌ عميق الرسوخ في الذات الجماعيةـ على مستوى الوعي".
لماذا تنحصر أعمال العنف، في غالبيتها العظمى، في موريا الساحلية وليس في جيناتا الجبلية، في "مدينة الشتاء" وليس في " مدينة الصيف"؟ ثمّة تفسير مستفيض لذلك في "الشتاء الكبير". لنرجع إليه اختصارًا ونقول إن جيناتا المتوارية خلف جبالها العصية هي موطن مجتمع موريا الأصلي منذ آلاف السنين، وهي حصن هذا المجتمع المنيع وملجأه الأخير. ثمة عبارة مكرّسة في مجتمع موريا تقول: "حتى الطير الطائر لا يمكنه الوصول إلى جيناتا". إضافة إلى صورة جيناتا الحصن المطلق، هناك صورة جيناتا الفردوس الأرضي. فجيناتا في عمق الذات الجماعية هي " أجمل مكان في العالم"، ولا يشك أبناء موريا وجيناتا لحظة واحدة في ذلك. وثمة اعتقاد محلّي بأنها هي الفردوس الأرضي نفسه المذكور في "الكتاب المقدّس". إضافة إلى كونها رمز الصيف الأبدي الموعود في شتاءات موريا الطويلة. لذلك يرفض الوجدان الجماعي تلويثها بالعنف.
- هناك الكثير من الثنائيات في الرواية بدءًا من الحب والحرب، الوطن والهجرة، الحي الغربي والحي الشرقي، مدينة الصيف ومدينة الشتاء...
الثنائيات قائمة في كل أوجه الأشياء والحياة، وليس في "الشتاء الكبير" تحديدًا. والراوي لم يبحث حقًا عن الثنائيات في هذا العمل الأدبي.
- اعتمدت في السرد على اختيار أسماء وهمية لأمكنة وأحداث، ربما القارئ القريب يعرفها، هل ثمة أصول لغوية لأمكنة مثل موريا وجيناتا وطينال وأشخاص مثل أرميا، وحوادث مثل مقتلة غسقا.
لا أعرف أصلًا لغويًا مقصودًا لكلمة موريا، ولا لكلمة غسقا. أما كلمة جيناتا فتعني الجنة في اللغة الآرامية. ولا رمزية خاصة في الرواية لإسم أرميا. اما كلمة طينال فتعود إلى الأمير سيف الدين طينال، الذي حوّل كنيسة الكرمليين الصليبية إلى جامع طينال في طرابلس، أو بناه على أنقاضها، زمن المماليك في القرن الرابع عشر ميلادي. وليس لاختيار هذه الكلمة معنى ما.
- هل حادثة غسقا استعارة لمجزرة مزيارة؟
ليست حادثة غسقا استعارة لأي حادثة. مرجعيتها الوحيدة في "الشتاء الكبير" هي حياة الراوي الداخلية وعالمه الذاتي. من جهتي، لا أحبّ كثيرًا الأدب التاريخي ولا أدب الموضوعات، ولا أميل لكتابتهما.
- تشير إلى غرابة علاقتك بالزمن، "كيف كأنه يمر ولا يمر"، في مسار موريا هل تبدّلت لغة العنف بين الأمس واليوم، أم ما زالت باقية هنالك في حادثة غسقا، ربما لأنها راسخة في وجدانك من زمن الطفولة؟
أودّ الإجابة عن ذلك بهذا المقطع من "الشتاء الكبير" : "تحت أشجار الكينا الساكنة، في مستهلّ الصيف، في نقاوة الطفولة، مَدِّدَتْ أجسادهم المصابة بندوبٍ رهيفة تكاد لا تُرى، وبات لا بدّ من دفنهم إلى الأبد (...) ستتوالى حروبٌ كثيرة على الجبل الأبيض، وتمرّ جنازات لا تحصى، وسيبقى قتلى الطفولة حيث هم مسجّون. بعدها سيكبر الأحياء كلّهم، وتهرم أجسادهم ونفوسهم، ويضحى موتى الطفولة هم الأحياء الأوحدون".
- ألا تلاحظ أن جانبًا من روايتك ينحو لأن يشبه البحث السردي عن الأمكنة وأعمال العنف؟
كلا، ليس الأمر على هذا النحو أبداً. تركّز هذه الرواية على اضطرابين كبيرين وصلا إلى ذروتهما بصورة متزامنة، الاضطراب الفردي المتمثل بهواجس الصبا الأوّل وعذاباته، واضطراب الجماعة المنصرفة إلى عنفها الداخلي. ومع ان الاضطرابين متزامنان، فكلّ منهما منفصل عن الأخر ويتابع مساره الخاص.
في توالي الاضطرابين، ليس هو السرد للسرد، كما هي الحال في الكثير من الروايات، بل هو السرد الموصل إلى الحالات التي يتوقف الراوي عندها. ثمة متابعة متلازمة للاضطرابين، وثمة اهتمام متوازن بينهما، إذا جاز التعبير، لا يطغى فيه أحدهما على الأخر.
المهم في التعبير عن اضطراب الجماعة في هذه الرواية ليس البحث السردي عن أعمال العنف وأمكنتها. ثمة اختصار كبير في هذا الجانب، وثمة إشارات لا أكثر، وكثير من الخفر. من النواحي الفريدة في هذه الرواية، ما يصعب إيجاده في مكان آخر، أنها لا تقارب العنف في حدثيته، وفي وصفه المادي المثير، الغائب كليًا عنها. يذكر الراوي بهذا الشأن أنّه لم يرَ قطّ أحدًا من المصابين أثناء إصابته. ويضيف بشكل مؤثر: "كنت أراهم وهم مسجّون فوق أسرّتهم البيضاء تسهر عليهم أمهاتهم. كان حزني وخفري لا يدعاني أنعم النظر إليهم لأتبين إصابتهم وجراحهم. فكأنّي في كلّ مرّة لم أرهم. هو في ذاكرتي موتٌ بلا دمّ، وليس في ذاكرتي مكانٌ للدم المُراق (...) لذلك كلمة "دم" شبه غائبة من قاموسي، لا أحبّ استعمالها قطّ، وأستغرب كثيرًا الذين يفرطون في ذكرها".
أبعد من ذلك أيضًا، لا عنف في هذه الرواية، بل ما يمكن تسميته بماورائية أو ميتافيزيقية العنف، ليس بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل في بعدها الأدبي والإنساني والوجودي والشعري. وهي أيضًا سمة فريدة لهذه الرواية. وما يرد فيها عن "حالة الاشتباك"، أو "كيف يبقى الوالد حيًا بعد موت ولده؟"، وعن حالات كثيرة أخرى، يعبّر تمامًا عن ذلك.
- هل ما زلت تكتب الشعر؟
أجل بالطبع. سيصدر لي في الأشهر القادمة كتابٌ شعري، سيكون عنوانه على الأرجح "كتاب القمر الرائف".
في أي حال، لا أهمية أدبية حقيقية لكل كتابة، سردية كانت، أم وصفية، أو تحليلية، أو إيحائية، لا يكون جوهرها الأعمق شعريًا.




