ما ضرّ لو كنت هناك من جديد أقيم صداقات جديدة، أنا وخواطري في المكان نفسه. أتعرف على أركان المدينة من جديد وفي دخيلتي منها ألف بشارة لكل المصادفات. حتى لو كان المتاح منها فضلة ما يزيد عن الجمادات والأرواح. لكنني ورجع الصدى؛ أنت من حقك أن ترى فقط لا أن تتمنى ولو مقعدًا في الشمس. هيهات وقد نال مني البعاد بما يجعل شهادتي مثل شهادة الفرح مجروحة دائماً. لذلك لا يجب أن تكون سعادتي مثل فيض الخواطر مسترسلة وقد ابتدأتُ بأن وجدتُ نفسي هناك بلا مقدمات. من يدري؟ قد تقول الصور البيانية لمسار الجولة خيبتي المقررة سلفًا لأفعالي وآمالي في كلّ ما يثمر أو يزهر
أعمدة النور في الشوارع خط اعتماد لجولتي التي لا على التعيين
تبليسُ الظلال يقولني ولا يفسرني
لا بأس قد تكون هذه من مكمّلات السعادة
إنها على الأقل محاولة للتخلص من عتمة أوروبا وحياتها التلفزيونية،
من سنين وأنا أشتهي حياة أعيشها لا حياة أشاهدها.
الجولة كأمنية مشتهاة مثل الرغبة الأخيرة طابعها محاكمي ونكهتها مصيرية
بيني وبين مدينتي مدينة موازية
مدينة مسكونة بالخيانات، تأكل أبنائها
تتلذذ بلحم الأحياء، مزهوةً بتوحشها
اللاّ على تعيين هو أن تكون نفسك قابلة للترحيل
بين الأماكن
دون أن يتغير عليها المكان
النفس والأحلام تراوح في مكانها مثل لعنة
ذلك أن إلقاء نظرة من خلف ستارة نافذة في المنفى
لمشاهدة شارع في الوطن
تكليف لا يخلو من الأسى والحنين
فرق التوقيت بين بلد الإقامة والبلد الأم لا نعلم إن كان جملة اعتراضية يحسب لها حساب أم وسواس وجودي أم ضربة من ضربات القدر المتكفلة بترجيح الأشجان على الأشجان لقد تعلمت بالممارسة
الحياتية والخيالية
أن معاملة النهار كظرف مكانين
يناسب جولة في بلدين
لظرف زمان واحد
أو أن يكون كل ذلك من وحي المستشفيات
المسافة الفاصلة بين قارّتين تنعش النهار
الهنا او الهناك طرفان لمعادلة فلكية
نقطة تتحرك حركة موضعية لا يحسب لها حساب
مقايضة المادي بالمعنوي لا تربك الأجساد الى حد العجز
أنا ترجمان حزين للبدائل القارية
التي يمكن توقّعها بين نافذة المستشفى والشارع البعيد
ألبَسُ وأعيش بما يناسبها
وأتركها تتحكم بطبيعة الجولة
تركت لساعتي الداخلية مهمّة التعديل البياني لسيرورة الزمن
سبحان الله، الوقت هو الوقت لكنهُ مدين للنهار بساعتين
المُتع المفاجئة نوافل زمنية ليس لها مكان في الحاضر من الأيام والسنين
الأفعال مهملة بقياسها وعظيمة بقياس البشر
الأماكن والأزمان تطالب بوحدتها السديمية من ناحيتين
حركة الأفلاك وحركة البشر
سعادتي، سعادة من تعثّر بضحكة في النوم وابتسم لها وهو يتناول الفطور، رخصة من أكونحتى تجتمع عندي المفاجأة بالمصادفة، هذا لقاء له ثمن لا يحدث إلاّ لمن يجالس الجن من الملائكة. مصادفة حبة الرمل لقلب المحارة مفاجأة من العيار الثقيل، حبة لؤلؤ يفرح لها الإنسان وهي في الطبيعة مجرّد درع وقاية
اخرجت من حسابي الميادين التي تجمع الحيوانات والذباب والمزابل بالبشر
واستبقيت الشوارع العامة والفرعية ومشية الدألان
خطوة بخطوة في المكان نفسه
شربت قهوتي أثناء النوم
وربما شربتها مدمجة بالمغذي، المؤكد هو أني شربتها
مذاق القهوة يمنح النهار نكهته
أنا زهرة تشتاق الى عطرها
لا أفرّق بين اشتياقي الى المدينة واشتياقي إلى وجودي فيها
ظهيرة تطارد البشر طالما استسغتُ لهيبها أتوخّى منها الظلال مرة مع والدي وأخي في ورشة النجارة، مرة على مقعد مقهى، جلسة مع الأصدقاء على الشاطئ، في صالة سينما أو مطعم مع بيرة مثلجة، عائداً إلى المنزل أضرب في الشوارع الخالية ومرة في منظر أحد الموظفين في عمق البناية يمسح العرق ويعيد جدولة الخرائب. بضع حوادث وقائعية كشفت عن حضورها المسبق في ضمير الجولة كأسرع ما تكون وشوّهَتها؛ سحابة اميركية تتهيأ لتساهم في تخفيف لهب المدينة. تبادل الأدوار المعروف بين البيوتات والمدينة ليس له أثر خاصة لمن يتجول في الماضي من السنين على حاضر بالوكالة. بلا نقطة انطلاق ولا بصمة ولا متكأ. المناخ العام الذي يجمع مفردات التعايش ويوزعها بما تقتضيه روح المكان متكلس، البصمة التي يتعرف أفراد المدينة على بعضهم من خلالها مفقودة. نظرتي كأنها غريبة عني، تصدر أوامر يصعب عصيانها أو نكرانها. ولكن مهما استطال عصيان الذاكرة، تظل هناك لقطار يمُرّ على الجسر الحديدي في الوزيرية ومثله نعلاّ بنعل ساقية حريصة على موعدها تقطع الدرب مسرعة بين دجلة ومقبرة ألإنجليز تجوز من خلف المنازل وأشجار دفلى بعدد النوافذ، دالّة عطرة على القلب وعلى صباح المدينة. خرير المياه صباح دائم، هذه الساقية للأسف لم تعد موجودة لكنها في لا وجودها ماثلة وعميقة عمق الطفولة
في الفضاء الغدافي للخيال من عالم المناظير غير المتداولة
في الأعماق التي تنحسر عنها الظلال
للمرئي واللا مرئي صفة الدوام والتداخل
على الرصيف الآخر عبر شارعين
قرب مدرسة الراهبات تحديدًا حاجة مثل مرآة السحر تناديني
فوق الجدار نهر صغير متلوّن ينهل من نهر كبير
منتهى نظرتي يسبح في ذر النضار
مفارقة من مفارقات العدم
ظهرت ملامحي هناك على صفائح الألمنيوم بشكل خاطف
مذنّب يخترق الذاكرة
شخوص مزدوجة تتحرك في عمق المشهد
غير متجانسة مع المكان
تجتمع في جوهر يمثلها معاً منظورة
من كل الجهات فرادى
العبور الى الرصيف الآخر يتطلب مسيرة ألف خطوة
مناورة حربية في مكان يعدّ بمقاييس الحروب مدينة ساقطة
من المؤكد أن من يحسب حساب كل خطوة يخطوها لا يمشي
في الخطوة المرسلة تنتعش نعمة المشي والتأمل
انتبهت الى وجود شجرة لم أكن انتبهت لوجودها من قبل
حضور طارئ يَدشّن حياته بين الناس كعلامة
إنها دون أدنى شك شجرة فجائية تفسر غيبَتي بطريقتها
أنا علامتها أو أن تكون محض مناورة
خيال مريض يزرع في دروبي الأشجار والورود
ما لا يعنيني يعنيني جداَ
ما لا يعنيني هو خاصتي من تكاليف الليل والنهار
أنا صرخة تتعرف على نفسها في وجوه البشر بالتساوي
اللهم إلاّ طاقم الحكومة
بتّاري البق بالسيوف
الذين أرانا الدهر منهم ما تأنف منه الخنازير
دُستٌ على حجارة قلقة فوق الرصيف نقلَت إليّ اضطرابها
جعلت منظري في صفائح الألمنيوم فجاًّ
حوّلتني برفّة عين إلى أضحوكة
السخرية في الطبيعة طبيعة كامنة
معادلة مأرومة يحررها الاختلال والتناقض
ماذا فعل حضوري المبتَسر أكثر من تركيز الضوء على صفّ من الدكاكين والمنازل؟ الحذر الحذر.. إن لم تتمكن من رؤية المدينة ككلّ من خلال التفصيل الصغير فلن تراها. إن لم تعثر على اوتارها لن تشاركها العزف. إن لم تشرب من دموعها فلن تشاركها الغناء. من الطبيعي أن تكون الجولة مقيّدة الى خطوتها يغرفان معاً من زحام المآتم التي تكتسح المدينة لكل مدينة مزاج تعرف به ويقوم هو بتعريفها فإذا لم يكن بمقدورك التعرف على هذا المزاج فلست منها. الأيام المنفرطة من عقد السنين نالت من منظر المدينة. تركت ما يذكّر بغيابها في الوجوه الموبّرة الفاقدة للعلامة من غير المعروفين وللمعروفين في انحناء القامة في الأكشاك الضئيلة المتقزّمة تغزو الميادين وزحف الأوساخ والحفر وفي السلالم النابتة كمخالب الشيطان عالقة على الجدران في كافة أركان المنازل، في اللغة المهذبة للأحياء من الكبار المستضعفين وفي خطاب الشارع الذي ينطق بلسان السفلة
اللاّ تعيين أن تكون محاطاً بنفسك وأنت تتذوق الرحلة
الترجيح بين الأماكن حسبة خاسرة
يوجد المكان والمكان البديل
المكان والمكان بلا بدائل
يوجد المكان المفقود في الليل المقمر، قمر المدافن فاجع
وايضاُ المكان المنفتح على الجنون
طويت أطلسي على الأماكن واخترت
خطوة في المكان وخطوة في ضدّ المكان
لم أعد نخلة
لا أحد يراني كنخلة
تهتف فوقها الفواخت وتحدثها الفواخت
البؤس كلّ البؤس لمدينة يتخلّى عنها رجالها، البؤس كلّ البؤس لرجال تنكرهم المدينة. بلد يضيع ولا من معين. الحياة التي عرفتها ذات رزان دون أن تخلو من الفكاهة، عادت منزلة بين منزلتين سخفاً أو مناحة. لم يبق من المدينة التي أعرفها كما أعرف نفسي إلاّ كمثل كناسة الدكان.
في المحيط المتسع للرؤية
حتّى ممّا لا يناله النظر
سيل من الشوائب ينحت للنهار وجها مرّا
ملامحه متوحدة في اغترابها عن المكان
بالضدّ تمامًا من الوجوه التي أريد لها أن تكون
وجوه لا صلاح لها إلاّ في الانطفاء
لا أحد يعترف بغربته أو ينكرها
إنه في الحقيقة يبتكرها
1/4/2025

