"عم بحلمك يا حلم يا لبنان" هدية قدّمها إلياس الرحباني لِماجدة الرومي جاعلًا منها انطلاقتها الملهمة... الأغنية التي دخلت بلحنها وكلماتها قلب كل لبناني.
في فيلمها الوثائقي "ثالث الرحابنة"، تعيد المخرجة فيروز سرحال، المشاهد إلى لبنان الحلم بموسيقى إلياس الرحباني. تفتح ذاكرة منسية عن مجدٍ لبناني منسي ومتذكر في آن. وإذ تفتتح الفيلم بسرد إلياس الرحباني ذكرى مضحكة من أيام دراسته، فإ روحه المرحة تخيّم على كامل الفيلم طوال ثمانين دقيقة.
يعرّف الفيلم بإلياس الرحباني الموسيقي، الإنسان، المحب والحبيب والزوج، الأب، الصديق، والأخ. يروي أصدقاؤه المقربون منه وأخته إلهام وولداه غسان وجاد وبعض الفنانين الذي لحّن لهم كالسيدة ماجدة الرومي... إبداعاته، شخصيته، ومواقفه في الحياة.
ورغم أن الياس الرحباني المولود العام 1938 في أنطلياس في لبنان، إلا أن علاقته ببلدة بكفيا والمنزل العائلي هناك كانت خاصة. كبر في بيت يعزف فيه والده البزق وتتبعه الوالدة غناءً. نشأ مع أخويه منصور وعاصي اللذين يكبرانه بأكثر من عقد. فكان محاطًا بالموسيقى ولم يستمع إلا للأغاني الأجنبية. لم يكتفِ بدراسة الموسيقى في الأكاديمية اللبنانية (1945 – 1958) والمعهد الوطني للموسيقى (1955 – 1956)، بل تلقى أيضاً دروسًا خاصة لعشر سنوات مع أساتذة فرنسيين.

أصيبت يده اليمنى فمنعه الطبيب من العزف، ولم يثنه ذلك عن ممارسة شغفه، وسرعان ما عادت أنامله لتلهب أوتار البيانو وتفيض بإبداعاته الموسيقية.
يستعيد الفيلم عمله في الإذاعة اللبنانية على مدى سنوات حيث بدأ مساره المهني. لحّن الكثير من الأغاني التي يردّدها اللبنانيون لكنهم ربما يجهلون أنها من تلحين الياس.
غزارة أعماله لم تنفد. كانت كثيرة وكثيفة ومتنوعة. لم تشبه ألحانه بعضها بعضاً. يعرض الفيلم ألحانه الرومانسية، المرحة، الراقصة شرقيًا وغربيًا، الحزينة، أغاني الأطفال والإعلانات، وحتى الأناشيد الحزبية. لحّن موسيقى العديد من المسلسلات مثل "ألو حياتي"، "عازف الليل"، والأفلام والمسرحيات. يستذكر الفيلم أغانيه بتنوع لغاتها بين الأغاني العربية، اللبنانية، الانكليزية، والفرنسية.
لم ينضو في "جلباب" أخويه منصور وعاصي، كما يقول أحد أصدقائه المقربين. أخذ تحديًا صعبًا بأن يشق مساره على انفراد، ولمع. إلياس لا ينتظر الإلهام، بل يذهب إليه. يكفي أن يجلس على البيانو ليلاقي لحنه المراد. روحه كانت مرحة كموسيقاه. أحب نينا فخطفها بمساعدة أصدقائه وتزوجا. الكثير من نجاحات إلياس يعود لوجود نينا في حياته ودعمها له.
وكما يقدّر الفيلم نينا في حياة إلياس، يقدّر شخص إلياس الرحباني الملحّن والمايسترو والموسيقي، هو الذي تلقّف التحديات بخفة ومرح. عرف كيف يطوّع اللحن الأجنبي لهوية لبنانية ألِفَها اللبناني وأحبها. كان يغيّر اسم المغني اللبناني لاسم أجنبي ويترك اسمه كملحن حيلة يؤكد فيها نظريته بإمكانية تلحين أغانٍ بلغة أجنبية وأن تنجح وتشتهر. وأثبت ذلك بتعاونه مع المغني سامي كلارك (سامي حبيقة). حتى إن أغنيتهما "Mory Mory" ربحت الجائزة الأولى في روستوك في ألمانيا.
لمست موسيقاه حزانى القلوب كلحن "بيني وبينك يا هالليل" التي غنّتها هدى حداد جاعلة منها المغنية ذات الصوت العذب.

أما مع صباح فلحن لها أكثر من ستين أغنية، منها:" شفتو بالقناطر" و"رقصني دخلَك يا حبيبي". غنّت صباح من ألحانه باللغة الفرنسية، كانت سابقة أوانها بأغنية "هالي دبكة يا با أوف" و"عالندا". وذهب أكثر من ذلك إذ طلبت منه صباح تلحين أغنية لها مستلهمة موسيقاها من أحد ألحان إعلاناته، وكانت أغنية "من صيدا لجونيه". وكان حلم إلياس أن يلحن لفيروز. أخذ حلمه الفيروزي بعض الوقت ليتحقق وتجلّى في "الأوضة المنسية"، "طير الوروار" و"قتلوني عيون السود" وغيرهم.
لم تقتصر أعماله على الأغاني والمسرحيات والأفلام. لحّن العديد من الإعلانات التي حُفرت في ذاكرة كل لبناني. حتى إن أصحاب المنتجات لم يغيروا اللحن حتى اليوم للنوستالجيا التي تثيرها، كما في إعلان جبنة "بيكون". وسياسيًا، لحّن العديد من الأناشيد الحزبية من دون انحياز لأي منهم تحت قاعدة:" الشغل شغل". فلحّن نشيد حزب الكتائب، وحزب البعث أيضاً.
أبو غسان وجاد "جايَل" ولديه. صادَقهما. بنى الاستديو ليحتضنهما معه. غنّيا معه أغاني الأطفال بتلقائية وعفوية من دون أن يدروا أنها ستكون أغاني الطفولة لأجيال وأجيال مثل: "كلن عندن سيارات" و"عمي بو مسعود" و"عيدك يا ماما".
لحّن أكثر من 2500 أغنية ومعزوفة، وألّف موسيقى تصويرية لخمسة وعشرين فيلمًا، ومعزوفات كلاسيكية، من أهمها موسيقى فيلم: "دمي ودموعي وابتسامتي"، "حبيبتي"، "أجمل أيام حياتي"، وتطول لائحة الفنانين الذين لحّن لهم، منهم: وديع الصافي، ملحم بركات، نصري شمس الدين، جوليا بطرس، باسكال صقر وغيرهم الكثير.
في فيلم فيروز سرحال، "ثالث الرحابنة" يستعيد معازفه ويضيء على الطائر المغرّد وحيدًا الذي رحل تاركًا موسيقاه التي لا تموت.
(*) تبدأ عروض فيلم "ثالث الرحابنة" في السابع من تموز/ يوليو في سينما متروبوليس، مار مخايل، بيروت.
