حجم الخط
مشاركة عبر
"لم يكن يشبه قارباً يغرق، بل قطعة أرض، تتشقق وتنفصل وتبتعد تدريجياً لتكون جزيرة مهجورة لكنها مسكونة بالأشباح، لا خرائط لتضاريسها. جزيرة تخاف من المياه التي تطّوقها وتتوجّس من كل من يقترب من سواحلها أو ما يحط على أشجارها". هكذا وصف الروائي سنان أنطون، عقل وذاكرة سامي البدري المهشمة، وهو أحد بطلَي عمله الروائي الأخير "خزامى"، في توصيف فريد لعقل أصابه نوع من الخرف يدعى طبياً "خرف أجسام لوي".
"خزامى"، الصادرة عن منشورات الجمل 2024، وهي الرواية الخامسة لأنطون بعد: إعجام 2003، وحدها شجرة الرمان 2010، يا مريم 2012، فهرس 2016. وتروي قصة ضحيتين من ضحايا صدام حسين، إذ حتى الجلاد هنا (الطبيب) هو ضحية الجلاد الأعظم الديكتاتور. سامي البدري طبيب قلب وأوعية دموية، وعمر غامز مجند كان يؤدي الخدمة الإلزامية في الجيش العراقي. يختار سنان أن يبدأ الرواية من وصول الشخصيتين إلى الولايات المتحدة الأميركية هرباً من العراق، كل شخصية منهما لها أسبابها ودوافعها وماضيها المؤلم وترحل عن العراق في زمن مختلف. نفهم بالتدريج قصة كل شخصية وما مرّ بها من أهوال، لكن السبب المباشر للحدث الروائي هو قرار أصدره الديكتاتور تحت رقم (155) ينص على "إزالة صيوان الأذن ووشم الجبهة لكل من تخلّف أو هرب من الخدمة العسكرية"، وسنكتشف هذا في منتصف الرواية تقريباً.
الضحية...وضحيتها
يحاول البدري الذي قام بتنفيذ القرار مجبراً، بالمجنّد الفار عمر غامز، متابعة حياته الطبيعية والمهنية رغم وخز الضمير الذي سيتطور الى محاكمات للذات مع بداية دخول الخرف إلى عقله، لكن حياة عمر غامز ستنقلب رأساً على عقب: "شعر بيَد على كتفه الأيمن وقال الصوت المتهدج (وهو هنا صوت الطبيب): "سامحني ابني. مو بيدي". ماذا سيقول له؟ ماذا يمكن أن يقول له؟ قبل أن يعثر على ما يمكن أن يقوله، رفع العصابة عن عينيه وكرّر "سامحني ابني" ثم أعاد العصابة... آخر ما يتذكره هو عطره القوي"(134).
وستتمحور حياة عمر كلها حول صلم أذنه، لن يتجاوز هذه العاهة الدائمة التي جرحته عميقاً جداً، وأثّرت في علاقاته مع الناس خصوصاً النساء، حتى بعد إجراء عملية التجميل في السنوات اللاحقة للحدث، "فكر بدمغة العقاب البشري التي يجلس بانتظار منفذها"(133) وكأن عملية "الصلم" هذه تأخذ أبعادها القصوى في رمزيتها لوحشية النظام الديكتاتوري، إذ ستترك آثارها العميقة الجسدية والنفسية والروحية والاجتماعية في عدد كبير من الشبان العراقيين الذيين رفضوا أو فرّوا من الخدمة الإلزامية، بينما ستُواجَه بالصمت من قبل الأطباء الذين أجبروا على القيام بها: "لم يقل أحد من الأطباء الذين تحولوا إلى قصابين شيئاً عمّا حدث في اليوم التالي. كان هناك صمت بين الجمل والكلمات، مثل ضباب آخر ثقيل لا يريد أن ينقشع"(250).
ستمر السنوات، ليعرض علينا الروائي كيف مضت حياة كل من بطلَيه. البدري مع زوجته وابنه، ثم ما حدث مع عائلته وفقدانه زوجته بعد سقوط نظام صدام، وكل تبعات السقوط الأمنية، وعمر وهروبه... حتى تأتي لحظة انتقال كل منهما إلى الولايات المتحدة ثم إصابة البدري بالخرف، وما يمر به عمر من مهن وعلاقات حتى لحظة اجراء عمر عملية التجميل لمحاولة استرجاع أذنه، ثم لقائهما المفتوح على الاحتمالات في نهاية الرواية ومواجهتهما وجهاً لوجه، الجلاد الضحية... وضحيته.
"خزامى"، الصادرة عن منشورات الجمل 2024، وهي الرواية الخامسة لأنطون بعد: إعجام 2003، وحدها شجرة الرمان 2010، يا مريم 2012، فهرس 2016. وتروي قصة ضحيتين من ضحايا صدام حسين، إذ حتى الجلاد هنا (الطبيب) هو ضحية الجلاد الأعظم الديكتاتور. سامي البدري طبيب قلب وأوعية دموية، وعمر غامز مجند كان يؤدي الخدمة الإلزامية في الجيش العراقي. يختار سنان أن يبدأ الرواية من وصول الشخصيتين إلى الولايات المتحدة الأميركية هرباً من العراق، كل شخصية منهما لها أسبابها ودوافعها وماضيها المؤلم وترحل عن العراق في زمن مختلف. نفهم بالتدريج قصة كل شخصية وما مرّ بها من أهوال، لكن السبب المباشر للحدث الروائي هو قرار أصدره الديكتاتور تحت رقم (155) ينص على "إزالة صيوان الأذن ووشم الجبهة لكل من تخلّف أو هرب من الخدمة العسكرية"، وسنكتشف هذا في منتصف الرواية تقريباً.
الضحية...وضحيتها
يحاول البدري الذي قام بتنفيذ القرار مجبراً، بالمجنّد الفار عمر غامز، متابعة حياته الطبيعية والمهنية رغم وخز الضمير الذي سيتطور الى محاكمات للذات مع بداية دخول الخرف إلى عقله، لكن حياة عمر غامز ستنقلب رأساً على عقب: "شعر بيَد على كتفه الأيمن وقال الصوت المتهدج (وهو هنا صوت الطبيب): "سامحني ابني. مو بيدي". ماذا سيقول له؟ ماذا يمكن أن يقول له؟ قبل أن يعثر على ما يمكن أن يقوله، رفع العصابة عن عينيه وكرّر "سامحني ابني" ثم أعاد العصابة... آخر ما يتذكره هو عطره القوي"(134).
وستتمحور حياة عمر كلها حول صلم أذنه، لن يتجاوز هذه العاهة الدائمة التي جرحته عميقاً جداً، وأثّرت في علاقاته مع الناس خصوصاً النساء، حتى بعد إجراء عملية التجميل في السنوات اللاحقة للحدث، "فكر بدمغة العقاب البشري التي يجلس بانتظار منفذها"(133) وكأن عملية "الصلم" هذه تأخذ أبعادها القصوى في رمزيتها لوحشية النظام الديكتاتوري، إذ ستترك آثارها العميقة الجسدية والنفسية والروحية والاجتماعية في عدد كبير من الشبان العراقيين الذيين رفضوا أو فرّوا من الخدمة الإلزامية، بينما ستُواجَه بالصمت من قبل الأطباء الذين أجبروا على القيام بها: "لم يقل أحد من الأطباء الذين تحولوا إلى قصابين شيئاً عمّا حدث في اليوم التالي. كان هناك صمت بين الجمل والكلمات، مثل ضباب آخر ثقيل لا يريد أن ينقشع"(250).
ستمر السنوات، ليعرض علينا الروائي كيف مضت حياة كل من بطلَيه. البدري مع زوجته وابنه، ثم ما حدث مع عائلته وفقدانه زوجته بعد سقوط نظام صدام، وكل تبعات السقوط الأمنية، وعمر وهروبه... حتى تأتي لحظة انتقال كل منهما إلى الولايات المتحدة ثم إصابة البدري بالخرف، وما يمر به عمر من مهن وعلاقات حتى لحظة اجراء عمر عملية التجميل لمحاولة استرجاع أذنه، ثم لقائهما المفتوح على الاحتمالات في نهاية الرواية ومواجهتهما وجهاً لوجه، الجلاد الضحية... وضحيته.
سرد لا يخشى اللهجات
سيتوقف قارئ "خزامى" طويلاً عند السرد المتداخل (وهو نوع من المغامرة المحسوبة هنا)، واللغة التي اختار أنطون استخدامها. مزيج من الفصحى والعامية المحكية المنطوقة حتى أنه يكتب العبارات الإنكليزية كما تُنطق بالعربية. الشخصيات كلها تنطق بلهجتها المحلية بالإضافة إلى الأغاني المتداخلة مع السرد بشكل عجيب، إذ اختار أن يضع كلماتها بلون غامق فقط، بلا فواصل أو أي شيء يقطع السرد، كأنه يريدنا أن نسمع مع الشخصية ويضعنا وسط المحيط الصوتي المعاش لحظتها. وحتى في موضوع تقطيع الجسد السردي، يتلاعب سنان أنطون بالقارئ الذي عليه أن يكون يقظاً، فالمتعة الحقيقية لن تأتي من القراءة الأولى للنص، النفور الذي لا يسلم نفسه بسهولة للقارئ.
"عبرت الشط"
"عبرت الشط"
حين تبدأ الأغنية التي تضعها كارمن الممرضة في دار رعاية المسنين، يدخل سامي البدري إلى جزيرته النائية، عالمه الماضي، فيتذكر زوجته وحبه لها وعبق أيامه الخوالي بدفئها وحيويتها العاطفية (ناسياً حادث قتلها في عملية إرهابية في بغداد). الأغنية هنا بكلماتها العراقية العامية المحكية الجياشة، محرض مباشر لاستعادة أطياف من الذاكرة المهشمة.
يتعامل أنطون مع الأغنية كخزان للذكريات الفردية والجماعية، لكنه يضعها في مكان مرتفع سامٍ غير قابل للتغير، لا يطاوله الأذى، مصاف مصون يشبه النسخة السامية من عقل وعاطفة الشخصية الدافئة والحارّة حرارة الحياة نفسها، فتكون للأغنية روح لا يمكن هزيمتها. الأغنية هنا كائن حي لا يفنى، قطرة مخمرة من تجارب أرواح وعقول ووجدان مجموعة إنسانية خاصة.
أي إنسان كان لديه صديق عراقي أو كان على تماس مع العراقيين في أي لحظة من لحظات حياته، يمكن أن يدرك هذا سريعاَ، العاطفة الجياشة التي تتميز بها الشخصية العراقية، وبالتالي هذه العاطفة تحتاج لغة خاصة لتظهر في متن العمل الروائي، وأقصد هنا اللغة المنطوقة المحملة بشغف الشخصية وحرارتها، كحالها مع البدري إذ تظهر مثلاً في علاقة حبه وشغفه بزوجته مآرب: "وكأن الأغنية نفسها نسيت ما مر بها معهما وأخذت تتشبث بطفولتها، وأيامها الأولى معهما. هل للأغاني ذاكرة، أو ذاكرات؟ وهل تتذكرّ، أو تنسى، ما يحدث لأولئك الذين يستمعون إليها؟" (ص217). بينما تحضر عند عمر في حال أخرى، كحال أغنية كاظم الساهر "عبرت الشط"، فتحدث صدمة ورجفة في الذاكرة تنتقل إلى الجسد لأنها مرتبطة بالحدث الأكثر إيلاماً في حياته، مع أنها أغنية حب لكنها هنا كانت مسلّة وخزته بلا رحمة.
يعمل سنان أنطون على إظهار المادة الحية في الشخصية، وذلك من خلال استخدام اللغات المحلية المنطوقة (اللغة التحتية البدائية الملتصقة بالشخصية وليس الرسمية، حتى في الشتائم، أو الأشياء الحميمة في الشخصية). فكل شخصية تتحدث بلغتها ولهجتها، يبدو كأنه حسم الأمر هنا في "خزامى" وقرر أن يجعل كل شخصية تنطق لهجة البلد والبيئة المحلية التي أتت منها بكل أريحية. لذلك سنجد معظم لهجات البلدان العربية من العراقية إلى السورية إلى اللبنانية إلى اليمنية ..الخ، وحتى لهجات البلدان التي تتكون منها المجتمعات الأميركية الملونة، وهو يكرس هذا الخيار بكتابة الكلمة كما تُنطق، مما سيصعّب على القارئ غير المجتهد قراءة هذا المتن الروائي الغني جداً والمدروس بعناية. لكن كل صعوبة تنتفي ضمن فهم السياق الذي تجري فيه، إذ يصبح المعنى مفهوماً داخل السياق السردي.
نحن هنا أمام نص روائي من لحم ودم، نص يتنفس، يمكننا أن نسمع صوته وأن نشمّ روائحه. حيث تبدو أصوات الشخصيات متفردة، وليس فقط الشخصيات الإنسانية، بل المفاهيم التي منحها صوتاً خاصاً كالألم والذاكرة والأغاني والأشياء: "لم يشعر بالألم الذي كان يئن في يده المجروحة لحظتئذ. فقد كان جسده مكرساً للتعامل مع يقظة الألم القديم والصراخ الذي يتردد داخله"(162)، "وهكذا كان عليه أن يسمع صوت الألم حين يستفيق في كل جسد إذ يصحو صاحبه، ليقول له: "أنا في جسدك الآن. ولن أرحل. سأنتقل وأتجول وأستقر في ذهنك، وكلما استيقظ أحدهم ازداد طنين الألم"(135). والذاكرة "تطل على مثابر وبرتقال الهويدر وبساتينها" (186). ولا يتخلى سنان عن الشعرية في متن سرده الواقعي "تساقطت قطرات الدم من يده وكأن أصابع يمناه كانت تدمع، اختلطت دموع أصابعه الحمراء برغوة الصابون في قعر كأس أخرى لم تنكسر".
يتعامل أنطون مع الأغنية كخزان للذكريات الفردية والجماعية، لكنه يضعها في مكان مرتفع سامٍ غير قابل للتغير، لا يطاوله الأذى، مصاف مصون يشبه النسخة السامية من عقل وعاطفة الشخصية الدافئة والحارّة حرارة الحياة نفسها، فتكون للأغنية روح لا يمكن هزيمتها. الأغنية هنا كائن حي لا يفنى، قطرة مخمرة من تجارب أرواح وعقول ووجدان مجموعة إنسانية خاصة.
أي إنسان كان لديه صديق عراقي أو كان على تماس مع العراقيين في أي لحظة من لحظات حياته، يمكن أن يدرك هذا سريعاَ، العاطفة الجياشة التي تتميز بها الشخصية العراقية، وبالتالي هذه العاطفة تحتاج لغة خاصة لتظهر في متن العمل الروائي، وأقصد هنا اللغة المنطوقة المحملة بشغف الشخصية وحرارتها، كحالها مع البدري إذ تظهر مثلاً في علاقة حبه وشغفه بزوجته مآرب: "وكأن الأغنية نفسها نسيت ما مر بها معهما وأخذت تتشبث بطفولتها، وأيامها الأولى معهما. هل للأغاني ذاكرة، أو ذاكرات؟ وهل تتذكرّ، أو تنسى، ما يحدث لأولئك الذين يستمعون إليها؟" (ص217). بينما تحضر عند عمر في حال أخرى، كحال أغنية كاظم الساهر "عبرت الشط"، فتحدث صدمة ورجفة في الذاكرة تنتقل إلى الجسد لأنها مرتبطة بالحدث الأكثر إيلاماً في حياته، مع أنها أغنية حب لكنها هنا كانت مسلّة وخزته بلا رحمة.
يعمل سنان أنطون على إظهار المادة الحية في الشخصية، وذلك من خلال استخدام اللغات المحلية المنطوقة (اللغة التحتية البدائية الملتصقة بالشخصية وليس الرسمية، حتى في الشتائم، أو الأشياء الحميمة في الشخصية). فكل شخصية تتحدث بلغتها ولهجتها، يبدو كأنه حسم الأمر هنا في "خزامى" وقرر أن يجعل كل شخصية تنطق لهجة البلد والبيئة المحلية التي أتت منها بكل أريحية. لذلك سنجد معظم لهجات البلدان العربية من العراقية إلى السورية إلى اللبنانية إلى اليمنية ..الخ، وحتى لهجات البلدان التي تتكون منها المجتمعات الأميركية الملونة، وهو يكرس هذا الخيار بكتابة الكلمة كما تُنطق، مما سيصعّب على القارئ غير المجتهد قراءة هذا المتن الروائي الغني جداً والمدروس بعناية. لكن كل صعوبة تنتفي ضمن فهم السياق الذي تجري فيه، إذ يصبح المعنى مفهوماً داخل السياق السردي.
نحن هنا أمام نص روائي من لحم ودم، نص يتنفس، يمكننا أن نسمع صوته وأن نشمّ روائحه. حيث تبدو أصوات الشخصيات متفردة، وليس فقط الشخصيات الإنسانية، بل المفاهيم التي منحها صوتاً خاصاً كالألم والذاكرة والأغاني والأشياء: "لم يشعر بالألم الذي كان يئن في يده المجروحة لحظتئذ. فقد كان جسده مكرساً للتعامل مع يقظة الألم القديم والصراخ الذي يتردد داخله"(162)، "وهكذا كان عليه أن يسمع صوت الألم حين يستفيق في كل جسد إذ يصحو صاحبه، ليقول له: "أنا في جسدك الآن. ولن أرحل. سأنتقل وأتجول وأستقر في ذهنك، وكلما استيقظ أحدهم ازداد طنين الألم"(135). والذاكرة "تطل على مثابر وبرتقال الهويدر وبساتينها" (186). ولا يتخلى سنان عن الشعرية في متن سرده الواقعي "تساقطت قطرات الدم من يده وكأن أصابع يمناه كانت تدمع، اختلطت دموع أصابعه الحمراء برغوة الصابون في قعر كأس أخرى لم تنكسر".

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها