ما تغير أني شاهدت فيلم بيدرو ألمودوفار الجديد "ألم ومجد" pain and Glory الذي شارك في مسابقة "كان" الرسمية لهذا العام، ونال عنه أنتونيو بانديراس جائزة أفضل ممثل، وحتى أشرح الأمر شرحًا بسيطًا سأضرب مثالًا بحدثٍ ما وقع للروائي الياباني هاروكي موراكامي كان سبب شروعه في الكتابة؛ يقول الياباني إنه كان يجلس في أحد ملاعب طوكيو، يتابع مباراة بيسبول، حين قام لاعبٌ بقذف الكرة عاليًا، نظر موراكامي عاليًا ليتابع مسار الكرة، وأحسَّ فجأةً بأن ثمة أمرًا قد تغير، هناك ما يدفعه للكتابة دفعًا، لا يهم ماذا سيكتب، ولكنه في حاجة لأن يسوِّد أوراقًا كثيرة، وهو ما فعله ليلتها، حيث جلس على طاولة مطبخه ليكتب قصته الأولى. طغت رغبة التدوين عليه، واحتلت قائمة أولوياته، وهو ما حدث معي بعد مشاهدتي "ألم ومجد" فعاد إليَّ إلهامي الذي خاصمني كثيرًا، المفارقة أني لم أكن يومًا من عشاق سينما ألمودوفار، ولكنَّ الأمر كان مختلفًا مع الفيلم الأخير الذي صُنع بدموع الأربعين عامًا التي قضاها الرجل في السينما.
الفيلم جزء من سيرة ألمودوفار الذاتية مُطعَّمة بالقليل من الخيال؛ يحكي عن "سلفادور مالو" - لاحظ تلاعب ألمودوفار بحروف اسمه واسم بطله- المخرج الإسباني الذي حقق المجد في الداخل والخارج، ولكنه حاليًا يقترب من الستين، مِثْلُّي الجنس، يعاني الوحدة، والمرض، وغياب الإلهام، أو للدقة فقدان الشغف نتيجة لآلامه الجسدية، يبدأ الفيلم بمشهد لسلفادور مغمورًا تحت الماء في أحد النوادي الصحية، وهو علاجٌ فعَّال في حالة مرضَى ألم العضلات الذي يُعانيه، مصلوبًا كما هو حال رجل دافنشي الفيتروفي، غارقًا تحت الماء في ذكرى قديمة من ذكريات طفولته.
في النادي الصحي، يقابل ممثلة تشكو له الأحوال فيسألها عن "ألبيرتو كريسبو" وهو ممثل كان قد شاركه أول أفلامه وحدثت بينهما قطيعة منذ 32 عامًا بسبب عدم تأدية الممثل للدور كما طُلب منه في الفيلم نتيجة لتعاطيه الهيروين وهو ما جعل أداءه ثقيلاً حسب توصيفه، يذهب سلفا له محاولاً أن يُعيد ودًا قديمًا، يبدو متسامحًا مع الماضي، تعلَّم سلفا التغاضي عن أخطاء الآخرين بفعل المعاناة ومرور الزمن. ولكن ألبيرتو هو الآخر يعاني أزمة كبيرة في إيجاد نص مناسب يعود به، ولايزال منكبًا على تعاطي الهيروين وعن طريقه يلج سلفا عالم نفس المخدِّر الذي كان قد انتقده بسببه من قبل. ألمودوفار يُلخص التغيير الذي طرأ على بطله بجمل بسيطة حين أبدى الممثل استغرابه من رغبة سلفا في خوض تجربة المخدر بعد هذا العمر مُعلقًا بأنه لم يعد يعرفه، معتقدًا أنه يعمل على توثيق فكرة ما، جملة أخرى علَّقت بها الممثلة على رؤيته المغايرة للفيلم بعد ثلاثة عقود، بأن الفيلم كما هو ولكن ما تغير هي عيناه.
يُدخِله الهيروين في عالم آخر قديم محبب له؛ ليعيد اكتشاف ذاته؛ من خلال استرجاع ذكريات شكَّلت حاضره، تعرفه على عالم الرجال من خلال إدواردو البنَّاء في القرية، حبه لنجوم السينما العالمية، علاقته بأمه، تمرده على المؤسسة الدينية التي ساهمت في تجهيله معلنا رغبته في ألا يكون قسيسًا، حتى وإن كانت تلك الوسيلة الوحيدة التي يستطيع تلقي التعليم من خلالها؛ ليهرب من واقع ريفي فقير، قلَّل المخدر من توتره، وسكَّن ألمه إلى حد ما، ولكنه جعله ثقيل الانفعالات، بطيئها، المفارقة أنه قاطع فيما مضى ألبيرتو لنفس السبب.
بحركة كاميرا ناعمة لم أعتدها مع ألمودوفار يسير الفيلم متناولاً حياة سلفادور من خلال علاقته بممثل سابق حياته العملية مضطربة، وصديقة وفية، وعشيق قديم، وقبل كل شيء مرض أصابه في الثلاثين؛ ليتطور بعد وفاة أمه، وإجراؤه لعملية جراحية في ظهره، المرض هنا محركه الأول في التعامل مع العالم حوله، وهناك أيضًا مخدر يجربه للمرة الأولى.
رغم كل مجده لم يكن سلفادور سيِّد قَدَرِه، بل كان الألم هو السيد، يتحدث عن علاقته بالإله، وكيف يصلي له أحيانًا، ويمتنع أحيانًا أخرى، حسب درجة الألم، الألم هنا هو المحرِّك في كل توجهاته وأفعاله حتى في رفضه لإرجاع أواصر علاقة مثلية قديمة قد لا يتحملها بعجزه الحالي.
في هذا الفيلم قام بيدرو بتعرية نفسه تمامًا فأعطى صورة عن انجذابه الأول لعالم الرجال وهو ما سبَّب جرحًا ظل حيَّا بينه وبين والدته التي رأت في فعل ولدها تمردًا وانتقاما منها، عينا بينلوبي فهمت سريعًا انفعالات ولدها حين علمت بأن عامل البناء تحمَّم في المنزل، وفي النهاية يعترف سلفا لأمه بأنه كان يعرف أنه لم يكن الابن الذي تتمناه في إشارة خفية لعدم رضى أمه عن توجهه المثلي شعورًا بالذنب تكلل بوفاتها وحيدة بعيدة عن قريتها وهو ذنب حمله معه منذ وفاتها.
قد يجنح البعض في نقدهم للفيلم للمقارنة بينه وبين تحفة فيلليني 8.5. في نظري لا سبيل للمقارنة بين العملين إلا لو كانت معاناة الفنان هي الخط الرئيسي في التناول، ولكن ذات سلفادور المستسلمة التي تعاني في آخر المشوار من الندم والشعور بأنه خذل أقرب الناس إليه، مختلفة تماما عن ذات جويدو القلقة الذي يتمنع إبداعه عليه بسبب أزمة منتصف عمر، سلفادور تجاوز هذا، عجزه لا يد له فيه حتى لو قال له طبيبه أن هناك من هم أسوأ حالاً؛ ولكنهم يتحركون دومًا للأمام، سلفادور يعاني من ألام روحانية وجسدية شلته وجعلت إيقاع حياته بطيئاً، يظهر كسجين منزله؛ متكورًا على ذاته، يعتذر عن حضور المؤتمرات في آخر لحظة، ولا يذهب لحضور العروض المسرحية والغنائية لأن المقاعد غير مريحة لظهره.
يتنكر سلفا لمجد قديم حتى أن صديقته ومساعدته ميرسيدس حين تعرض عليا كتابًا عن كيفية مواجهة الثقافة المضادة يعلق بلا اهتمام بأنه لا يعرف! المفارقة أن ألمودوفار أحد أبرز ما يمكن أن يطلق عليه وجوه الثقافة المضادة السينمائية في الثمانينات، يظهر خجله حين يخبره ألبيرتو أنه يحتفظ بمجلات صدرت في الثمانينات يظهر في إحداها بزيِّ امرأة. الكل يتحدث عن مجد سلفا القديم، ولكنه يقول لميرسيدس كل هذا أصبح ماضيًا. تحرر سلفا من ماضيه المهني، ولذا جاء الألم مقدَّمًا على المجد في العنوان، أما جويدو فكان منشغلاً به، غارقًا فيه حتى الثمالة.
ولأن حديث سلفا في نصِّه عن أن الحب قد يحرك الجبال، ولكنه ليس كافيًا لإنقاذ من نحب، هو انعكاس لحالة رجل يعاني، جاءت رؤية شريكه السابق –المدمن سابقًا- رب الأسرة سعيدًا ومستقرًا في حياة جديدة قد أعطت سلفادور أملًا ما بأن عليه المواصلة قُدمًا متجاوزًا الماضي، حين طلبت منه ميرسيدس البحث عن إدواردو رفض قائلاً إن الأمر يعد ضربًا من الجنون، وإن الأمر أصبح مجرد قصة سوف يكتبها، تصالح سلفادور مع الماضى، ورجع في طلب العلاج ليستكمل عمله مرة أخرى في النهاية. في الفيلم جملة دلالية نصح بها سلفادور ممثله السابق حين قال له الممثل الجيد من يكتم دموعه لا من يطلقها، وطيلة الفيلم يكتم سلفادور دموعه التي تراها بوضوح في عينيه، هناك ألم كامن في كل مشهد، ولكنه ألم دفين تشعر به دون الحاجة للبكائيات ورثاء النفس.
في حوار له مع الصحافة قال بيدرو إن بانديراس بالنسبة له هو ماستروياني بالنسبة لفلليني أي أنه ذاته الأخرى Αlter Εgo، هنا في الفيلم يؤدي أنتونيو بانديراس دور سلفادور، أنتونيو الممثل المفضل لبيدرو شاركه في 8 أفلام، صحيح أن العلاقة شابها توتر حين هجر أنتونيو أسبانيا ليتخصص في أدوار الجان اللاتيني في هوليوود وهو ما لم يعجب صديقه، ولكن بانديراس يعترف الآن أن الأيام أثبتت بشكل أو بآخر صحة رؤية بيدرو، في هذا الفيلم يحيي بيدرو ألمودوفار الممثل بداخل أنتيونيو، فيرد له أنتونيو الجميل مقدمًا دور عمره الذي نال به سعفة "كان"، ولو أن الأمور سارت بعدلٍ لنال الأوسكار.
يخلع بانديراس عباءة الماتادور اللاتيني الوسيم الذي يتحايل على دنياه في كل المواقف، ليظهر لنا رجلاً بائسًا، أشيب، يملأ الحزن عينيه، مستسلمًا لقدره، يسير حتى النهاية في طريقة قانعًا بالألم لا يتذمر ولا يثير أي ميلودراما من أي نوع، لا صديق له سوى المسكنات، لبس بانديراس قناعا مكلَّلاً بالتعب والمعاناة والحزن الشديد، يقول أنتونيو إن بيدرو طلب منه تذكر معاناته مع الأزمة القلبية التي ألمت به قبل ثلاث سنوات قائلًا له لا تقلق ودع الناس يرون جانبك الآخر، وهو ما أطلق طاقة تمثيلية عالية كانت أكثر المفاجآت بالنسبة لي في الفيلم. شكرًا ألمودوفار على هذا البانديراس.
بينلوبي كروز في دور الأم في مرحلة الشباب تذكرك بشكل أو بآخر بصوفيا لورين في بعض أفلامها مع دي سيكا وإيتوري سكولا، وهو ما يجعلك تفكر كم ظلم هؤلاء اللاتين أنفسهم حين هجروا بلدانهم مكتفين بأدوار رخيصة في هوليوود؟!
الممثلون في أدوار ألبيرتو، وميرسيدس، والأم في شيخوختها، كلٌّ أدَّى دوره بإتقان يُحسب لألمودوفار الذي يوجه ممثليه على أفضل ما يكون.
تعاوَن ألمودوفار مع موسيقاره المفضل روبيرتو إغلاسيوس في وضع الموسيقى التصويرية للفيلم، ولكن ما أعجبني حقًا اختيار أغنية Pino Donaggio المسماة Come Sinfonia بصوت "Mina " جاء ساحرًا، على أنغامها بدأ سلفادور في كتابة قصته التي قال إنه سيكتبها الرغبة الأولى El primer deseo وكأنها تحمل رغبة حقيقة منه للعودة إلى الحياة.
الأحمر هو سيد الألوان في الديكور والملابس في الفيلم، وعلى الرغم من مسار الآلام في الفيلم إلا أن الألوان جاءت متفجرة ونابضة بالحياة كما علَّق بيدرو على الأمر مُتبعًا بأنها الألوان كما كان يراها في طفولته.
ماذا تبقَّى للسينما بعد سلاسل الأبطال الخارقين وشخصيات الرسوم المتحركة؟! تبقَّى لها مثل هذه النوعية من الأفلام التي تأتي لنا كنسمة صيف مُشبعة بالياسمين، كتلك التي كان يتنفسها سلفادور في الماضى حين يشاهد الأفلام في قريته.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها