أيقونات ندى سركيس: لون وروح

سوزان المحمودالجمعة 2025/04/18
442ac4f0-3fc7-412b-a01b-3c188d89b737.jpg
حجم الخط
مشاركة عبر
يقول القديس يوحنا مكسيموفيتش: "الأيقونة رمز غير مرئي. فعلى الأيقونة أن تكشف المظهر الداخلي، والقداسة أيضا"ً. وهذا ما نجده هنا. يُقام حالياً في المتحف الوطني بدمشق وفي قاعة الفن المعاصر، معرض فني بعنوان "لون وروح" للفنانة ندى سركيس، حيث تعرض أيقونات من عملها، وتنتقل سركيس في هذا المعرض من عملها في مجال ترميم الأيقونات واللوحات الجدارية إلى رسم الأيقونات وكتابتها، منها أيقونات تمثل السيدة العذراء وحدها أو مع المسيح، ومنها مشاهد من الكتاب المقدس.

 تتلمذت سركيس في مجال الترميم على يد الفنان التشكيلي والأيقونوغرافي الياس الزيات(1935-2022) الذي كان مرجعاً معروفاً في الفن الكنسي، وكانت قد تخرجت في المعهد المتوسط للفنون تطبيقية 1991، وتوظفت في مديرية الآثار في العام نفسه بوصفها مرممة رسوم جدارية وأيقونات. وفي العام 2001 أسست قسم ترميم الأيقونة بمساعدة أستاذها الياس زيات، ومن هنا بدأ اهتمامها بهذا الفن النبيل، وبدأت العمل بناءً على طلب إحدى الكنائس التي كان لديها أيقونات بحاجة إلى ترميم، لكنها تعلمتط رسم الأيقونة من الفنانة إليزابيث لامور كما تقول لـ"المدن"، و قدمت لها شكراً خاصاً في المعرض.

ومور راسمة أيقونات ومعلمة لرسم الأيقونات في فرنسا، التقت بها سركيس صدفة في دير مار موسى الحبشي، وتروي عن لقائها بها: "سألت سركيس مور عن ترميم الرسوم الجدارية بدير مار موسى فأجابت، وعلمت عندها أنها متخصصة بفي هذا الموضوع". وعندما عبّرت سركيس عن أمنيتها تعلّم رسم الأيقونات، دعتها مور إلى بيتها وبقيت لديها أربعين يوماً تتعلم رسم الأيقونة، تعلمت تفاصيل وتقنات رسم الأيقونة، وتقول سركيس أنها لاتزال حتى اليوم تتواصل معها وفي علاقة صداقة إبداعية معها. وعندما سألنا سركيس عن الفرق بين الأيقونة الشرقية والغربية، أجابت: "إن الأيقونة الغربية أقرب إلى لوحة دينية، وفي الأيقونة الشرقية أهم عنصر فارق عن الغربية هو غياب البعد الثالث وكأننا نرسم الجسم بلا أبعاد وبلا تجسيد كأنها صورة لينتبه الناس لرسالتها الروحية قبل أي شيء".



لاحظنا أن وجه العذراء والمسيح ومعظم القديسين في الايقونات كانت سمراء مخالفة بذلك نمط الأيقونة الغربي، فقالت سركيس: "ليست الفكرة أنني أخترت أن تكون البشرة سوداء، هذا اهو لنمط البيزنطي الروسي الذي تعلمته من معلمتي اليزابيث مور، فنبدأ باللون الغامق، لون الأرض، ورويداً رويداً نقوم بتفتيح اللون وننتقل للضوء بهدوء، يعني من الظلام للنور، هذا الموضوع أساسي في الأيقونة وطبيعي في أي أيقونة. أنا تأثرت وتعلمت الفن البيزنطي على النمط الروسي، لكني، وهذا مهم جداً بسبب عملي في الأيقونات السورية لسنوات، تأثرت بالأيقونات السورية فأصبح لي أسلوب خاص بسبب ميلي لبساطتها وعفويتها". وعندما سألناها عن الأعمال التي تصور تفاصيل من أيقونة، وهذا كان موجوداً في أكثر من عمل لديها قالت: "موضوع التفسير في الأيقونة هو بسبب رغبتي التركيز على نقطة معينة، ليتمكن الناس من التركيز على رسالة معينة بجزء من أيقونة... اليدان مثلاً بالنسبة إلي تعبّران بما يكفي عن الحب والحنان والأمان أو الخوف من كل شيء. وعن المشاركة فأنا أحب أن أركز على نقطة من خلال اليدين لأني اعتقد أنها تحكي، ومن الممكن أحياناً أن أركز على أشياء أخرى غير اليدين، على نقطة أريد الإضاءة عليها أكثر".

وعندما سألناها عن موضوع الأيقونة، أجابت: "هذه الأيقونة وهذا هو معنى الأيقونة أن يرسم الفنان مشاهد من الكتاب المقدس، وأنا عملي بالأيقونات، وفن الأيقونات يعتمد على شخصيات الكتاب المقدس فقط، ولا يستطيع الرسام الاجتهاد بموضوع من خارجه فهو يذكرنا بلحظة مقدسة نحن بحاجة لها لنسترجعها ونهتم بتفاصيل إنسانية روحية أكثر". وعندما سألناها عن الرسائل التي توجهها من خلال عملها وعن خصوصية تصوير المسيح بالطريقة التي ظهر فيها في المعرض، قالت سركيس للمدن: "الرسائل هي الأيقونات نفسها بطريقة أو بأخرى، والفنان الذي يعمل من داخله سيرسم المسيح الذي يشعر به وكيف يراه هو وإلا لن تكون هناك هوية أو خصوصية لعمله أو اختلاف في رسم أيقونته، هناك من يرسم الأيقونة فتظهر كأنها صورة مطبوعة، لكن من الطبيعي أن تظهر الحياة الروحية التي يعيشها الفنان في أيقونته وكيف يرسم المسيح إلا إذا كان ينسخ الأيقونة نسخاً، من دون شعوره الخاص بها". 


لم تغب عن أعمال سركيس الآلام التي يعانيها شعبنا، خاصة في غزة، فقدمت أيقونة "عذراء غزة" مع غصن الزيتون، التي تمثل السيدة العذراء وهي تضع في حضنها يسوع الصغير وقد لف عنقه بوشاح فلسطيني، فيما ترتدي العذراء زياً فلسطينياً مطرزاً بالقطب الفلسطينية المعروفة، كأي أم فلسطينية في الأرض المحتلة. ركزت سركيس على الأمومة أمومة العذراء في أيقونات عديدة، وعلى تفاصيل تدل على الحنو والحب، كأحد الأعمال التي تظهر تفصيلاً من أيقونة تمثل يد المسيح وهي تعانق أصبع أمه العذراء، وإحدى الأيقونات التي تمثل العائلة المقدسة حيث ينحني أفرادها على بعضهم البعض بحنو بالغ، وتصور العذراء بتدرجات فاتنة من اللون الأزرق مع هالة من الأصفر الفاتح حول رأسها وفي معصميها وحول عنقها لون مدروس ليظهر قداستها وحنوها الإنساني في الوقت نفسه، بينما يميل رأسها قليلا بهدوء ويديها في وضعية الرجاء، وتظهر في أيقونة أخرى وهي تحتضن ابنها المسيح بعد انزاله عن الصليب مرتدية ثوباً قرنفلياً يعكس آلامها وآلام ابنها.



كما صورت عدداً من مشاهد الكتاب المقدس في  أيقونات متعددة، "كملاك البشارة جبرائيل" مستخدمة اللون الأزرق والبرتقالي الداكن، وأيقونة "الملاك الحارس"، و"الملاك ميخائيل "، و"الروح القدس" وأيقونة "ميلاد السيد المسيح"، و"المسيح عمانوئيل" حيث استخدمت البرتقالي المضيء مع ألوان ترابية، و"عذراء الآلام" حيث تظهر المسيح في معظم مراحل نموه مع والدته، "العذراء الحنونة "،"العذراء مريم والمسيح "حيث استخدمت اللون الرماني لرداء العذراء مع الأبيض لرداء يسوع وخلفية زرقاء داكنة، "العذراء الحنونة" وكتبت في بطاقتها أيقونتي الأولى تظهر العذراء ويسوع الصغير بحنو بالغ ببشرتهما السمراء الجميلة وخلفهما دائرتا القداسة مع خلفية برتقالية داكنة، أيقونة "المسيح والأطفال" كتب داخلها "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماء"،  "خطوات يسوع الأولى" تظهر العذراء وهي تمشّي ابنها، أيقونة "الراعي الصالح"، أيقونة "مثل الزارع"، أيقونة "مريم أنت فرح كل الحزانى"، أيقونة "زكا العشار"، "يسوع في بستان الزيتون"، "المسيح المصلوب"، "إنزال المسيح عن الصليب"، "يد الرب" "تفصيل من أيقونة "يد آدم وحواء في الخطيئة الأصلية"، "ذبيحة إبراهيم الخليل " وغيرها.

يطغى الطابع الإنساني على أعمال ندى سركيس، وهو ما تمارسه في حياتها الواقعية وهي مهتمة بالأعمال الإنسانية، خصوصاً الأطفال، فهي تقوم بأعمال تطوعية مع  ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعلمهم الرسم والتعبير عن أنفسهم من خلال الفن.

نبذة عن ندى سركيس
- مواليد العام 1971. خريجة معهد متوسط للفنون التطبيقية. وهي موظفة في المديرية العامة للآثار والمتاحف كمرممة للرسوم الجدارية والأيقونات منذ العام 1991. وأستاذة في المعهد المتوسط للآثار والمتاحف في مادة الأيقونات لثلاثة أعوام. وأستاذة محاضرة في المعهد السياحي في دمشق لمادة الايقونات لسنوات. أسست في العام 2000 قسم ترميم الأيقونات بمساعدة أستاذها الأستاذ الفنان الياس زيات في المديرية العامة للآثار والمتاحف بناء على حاجة الأيقونات الاثرية للترميم كجزء من تراث سوريا. وشاركت في ترميم أيقونات دير السيدة في صيدنايا مع البعثة الهولندية، ودرست وأرشفت أيقونات دير مار جريس للروم الأرثوذكس في الحميرا (ريف حمص)، كما وثقت أيقونات كنائس محافظة طرطوس. وشاركت في تحضير وترميم أيقونات أثرية سورية للمشاركة في معرضين خارج سوريا، الأول في فرانكفورت ومن ثم تم نقله الى فرنسا في معهد العالم العربي 2002-2003. 


التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث