ثلاثة معلمين غير معترف بهم

يعرب العيسىالخميس 2024/08/08
450077956_7873352692701347_9162615118089938275_n.jpg
من صفحة "المبعوجة بتجمعنا"
حجم الخط
مشاركة عبر
يقول همنغواي: كلنا نتعلم في مهنة لا يمكن لأحدٍ أن يصبح فيها أستاذاً. 
أثناء رحلة تعلمه، التي يجب أن تستمر حياةً كاملة، يكتشف كل كاتب في لحظة ما، أن أساتذة الكتابة الحقيقيين موجودون، لكنهم مختبئون خلف غلالتين. الأولى أنهم ليسوا كتّاباً (ولا أكاديميين ولا منظّري أدب ولا نقاداً حتّى). والثانية أنهم لا يعرفون بصلاحيتهم ليكونوا معلّمين للأدباء، إنما يفعلون ما يفعلون، ببساطة وحماس طائر يعبر فوق حقل. 
  
في السنوات الأخيرة تعرفت بثلاثة نماذج من هؤلاء المعلمين الكبار، وأولهم صفحة ضيعتي في فايسبوك. فمثل أغلب الكائنات الحية، لقريتي صفحة، أتابعها لألملم نتفاً من ذاكرة لا أملكها، لأني غادرتها في عمر مبكر. 

اختار القائمون على الصفحة اسماً شعرياً مشحوناً بالدلالات: "المبعوجة بتجمعنا". 
أعرف أن اسم القرية غريب ومضحك بالنسبة إلى بعض الناس، ومخجل لنوع آخر، ولأعترف بحيادية: المبعوجة، لا يبدو اسماً يمكن أن يطلقه أحد على قريته، بل شتيمة من القرية المجاورة. والأرجح أن هذا ما جرى، وأن الصالحية أو تل أغر، أطلقت ـ على سبيل التنمر ـ أسماء المنطقة كلها. المبعوجة وصبورة وجدّوعة وقليب الثور والقنافذ ورسم القطشية والحردانة. بكل الأحوال نحن، أبناء المنطقة، ألفنا الاسم، وصرنا نتعامل معه كشيء طبيعي من الحياة، مثله مثل الكسكس المغربي والمطازيز النجدية وكُشري البغل في القاهرة. لذلك كنا جاهزين لتقبّل اختيار مدير الصفحة (أو أنهم فريق مَن يدري) كلمة "بتجمعنا" كجملة فعلية تؤدي محل الخبر للمبعوجة بوصفها مبتدأً، فاجتماع العين مع الجيم حدث مألوف في آذاننا، فما بالك ان يلتقي أيضاً مع الباء والميم، لنصبح تلقائياً في الهوم لاند مرتين. ناهيك عن أن كلمة بتجمعنا تحمل في داخلها العميق معاني الإخاء والتسامح والألفة، وفيها دعوة للتعالي على الخلافات الصغيرة، والترفع عن الصراعات الطائفية والطبقية، ونبذ الهويات الصغيرة، وكل ما من شأنه بثّ الفُرقة في أبناء الجسد الواحد، والالتفاف حول المصلحة العليا والهوية الجامعة، التي هي ـ في هذا الحال ـ المبعوجة بكاملها (أعتقد أن عدد سكانها اليوم بضع مئات). 

على مدى ثلاث سنوات من متابعة الصفحة، لم يتحقق الهدف الذي أردته، فالذاكرة ليست ما يشغل القائمين عليها، بل الواضح أنهم يركزون على الحاضر، وعلى التطلّع إلى المستقبل. فلم ينشروا صورة واحدة لـ"بوايك" الحج صادق المعمار، ولا لدكان الحج حافظ كلثوم، ولا لسيارة أبو العز، ولا حتى حكاية واحدة عن خديجة ناصيف (الداية التاريخية للقرية). 

لكني تعلمت منها شيئاً أكبر وأهم بكثير، تعلمت مهارة تصب في عمق الأدب، مهارة لم أتعلمها من يوسا في رسائله إلى الروائي الشاب، ولا من ماركيز في "عشت لأروي". فـ"أدمِن" هذه الصفحة يعرف جمهوره، ويثق به وبمعارفه وذكائه، لا يحب الثرثرة، يقول ما يريد قوله بكلمات نافذة كالسهم، لا يحيد عن هدفه، ولا يضع ما لا يحتاجه جمهوره، ويحذف كل ما يظن أن القارئ يعرفه. ومنشوراته تصاغ هكذا:
ـ عثر على مفتاح موتور على طريق عقارب. المفتاح عند أبو إبراهيم. (إشارة_متابعين)
ـ دار للبيع في الضهر الغربي. المواصفات: دار عيسى أبو إسماعيل الله يرحمه. (إشارة_الجميع)  
ـ أرض زيتون للبيع. الشقفة شمالي التل. حصة حسين من ورتة المرحوم صالح. (هاشتاغ_زيتون_أرض_الحسين)  

في كل مرّة أقف أمام منشورات هذه الصفحة، أعيد قراءتها مراراً، وأحسد كاتبها على هذا الجمهور المتعاون، على هذه الشراكة الحميمة، على هذا التواطؤ الخلّاق، والشيفرات المتوافق عليها. وأحلم بامتلاك هذه المهارة، لعلي أكتب رواية جيدة في يوم من الأيام. 

الأستاذ الثاني الذي تعلمت منه، صادفته في الطريق وأنا عائد من جلسة في مقهى الروضة كان فيها طن ونصف من المثقفين، تراشقنا خلالها بكل الأقوال التي نعرفها عن تقنيات الكتابة. مدّدنا رولان بارت وأمبرتو إيكو على الطاولة، وغزّينا خواصرهما بالملاعق مرات كثيرة. 
في الشارع رأيت على الزجاج الجانبي لصيدلية زراعية، كرتونة مستطيلة، بارتفاع ربع متر، كُتب فيها بخط غير محترف وبقلم عريض لونه أزرق: 
"ليس لهذا المحل فرع آخر. 
اتقِّ شرّ من أحسنت إليه"

صوّرت اللوحة وعدت بها إلى جلسة المثقفين التالية، وصفعتهم بها: تعلموا الكتابة يا جهلة. 
الجميع ضحكوا، وتناوبوا على رواية القصة، واختلفوا على بعض تفاصيلها فقط. مثل: هل دخل الشاب أول مرة باستجداء باحثاً عن عمل، أم جاء بعين قوية عبر واسطة من صديق صاحب الصيدلية؟ هل عمل سنوات طويلة قبل ان ينشقّ ويفتتح محله الخاص بالاسم "العريق" ذاته، أم التقط المصلحة بسرعة وخلال أشهر قليلة؟ هل افتتح المحل المنافس في الشارع نفسه أم اختار مكاناً بعيداً؟ هل رحّل معه أيضاً بعضاً من الزبائن المهمين الذين بنى معهم علاقة جيدة خلال فترة عمله؟ المهم أننا جميعاً فهمنا بالبلاغة والكثافة ومهارة القص النادرة عند ذلك البائع (أو المهندس)، لكن أحداً منّا لم يصل لبراعته بعد. 

الأستاذ الثالث تمثلّه نخبة من أذكياء نوعنا، وهم علماء الفيزياء الفلكية. فهؤلاء روائيون بارعون حين يحكون لنا عن علومهم، بل ويمتلكون شجاعة لا تمتلكها الصيدليات الزراعية ولا صفحات القرى في فايسبوك. 

ولأن لدى الفيزيائيين ما يكفي من المعطيات ليعتقدوا أن للزمن بداية، ويحددوها في اللحظة الأولى من عمر الكون، والتي يقدرون أنها حدثت في الـ10-43 من الثانية (أي واحد يبعد 43 صفراً عن الفاصلة) ولأن الانفجار العظيم وقع في ذلك الوقت، فقد كتبوا مجلدات ومجلدات عن ذلك الزمن، حدّدوا درجة الحرارة وقتها، وأبعاد الأجسام، وسرعة تمددها، وصفوا تحولات الطاقة والمادة، تحولات الذرات. وصفوا الألوان وشدة الضوء، حصل بعضهم على جوائز نوبل وسواها، كُرم البعض بإطلاق أسمائهم على مجرات ونجوم وكواكب وأحياناً على الشوارع التي ولدوا أو عاشوا فيها. 

هم متفقون اليوم أن هذا الحدث الجميل وقع قبل 13.8 مليار سنة، وقد أفرط بعضهم في الشرح، فوصف ما جرى في الأزمنة اللاحقة لغاية نصف ساعة من عمر الكون، ثم مرّ بسطر أو سطرين على بضعة مليارات من السنين التالية، لأنه لا يعتقد بحدوث شيء مهم فيها، أو لأن الأحداث التي جرت فيها كانت مكررة ومتشابهة، والأهم أن القارئ يستطيع توقعها بنفسه. فقفزوا مباشرة إلى سنة 9.3 مليار، وبدأوا الفقرة التالية هكذا: ثم وقبل 4.5 مليارات سنة تشكل كوكب الأرض، وقد حدث ذلك إثر اقتراب..

ثم فصّلوا في ذلك مجلدات ومجلدات، ثم بضع جوائز نوبل، وأسماء شوارع ونجوم، ثم قفزوا مليار سنة أخرى ليقولوا: ثم نشأت الأشكال الأولى من الحياة. ثم ثلاثة مليارات أخرى بسطرين، ليبدأوا فقرة جديدة هكذا: ثم وقبل 500 مليون سنة نشأت الحياة على اليابسة، ونظن أن... 

يا رب السماوات. كيف مَنَحت تلك الهبة لأولئك الأساتذة الذين لا يريدونها؟ ولماذا لا تمنح مثلها لنا، لنستطيع نحن الكتّاب أن نصبح كتّاباً؟

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث