image
الثلاثاء 2023/01/24

آخر تحديث: 20:11 (بيروت)

"أمّ الشبل".. لماذا الصدمة رغم كل ما نعلَم؟

الثلاثاء 2023/01/24 رشا الأطرش
"أمّ الشبل".. لماذا الصدمة رغم كل ما نعلَم؟
من مسيرة عاشورائية في الضاحية الجنوبية (مصطفى جمال الدين)
increase حجم الخط decrease
الصدمة لا تولد بالضرورة من الاحتكاك بما هو جديد أو غَيريّ. قد نُصدَم بأخ أو صديق أو حتى إبن. وذلك ليس لأننا كنا نجهل ماهية ما فعَله أو جاهَر به، فصدَمَنا. بل لأن وقعَ إتيانه هذا، اقترب منا أكثر مما تسمح به السويّة. الجديد هو اكتشافنا أننا كنا نعيش مع فكرة أو نِيَّة معاكسة لموجبات الطمأنينة الأوّلية، بينما هي تختمر وتمور في صدر الشخص المعني ورأسه.


بهذا المعني، بدا منشور فاطمة حمزة صادماً لكثيرين، مُرفَقاً بصورة ابنها، وأمنيتها، بعدما رأته ببذلة "الأشبال" في "كشافة الإمام المهدي"، أن تستقبله ببذلة مدمّاة تعلنه شهيداً، لتزفه عريساً و"يبيضّ" لها وجهها لدى السيدة الزهراء. أصلاً هي من أجل ذلك أتت به إلى هذه الدنيا...

صَدَمت  فاطمة فئة كبيرة، من داخل "البيئة الشيعية" وخارجها، من داخل مجمّعات "حزب الله" وخارجه. غالَبَت كُنهَ الأمومة التي تسكن إليها الكائنات الحية في عمومها، وبينها البشر، بالإسقاط على أمهاتهم، وعلى مَن هن الآن بينهم أمهات. أو أقلّه الأمومة كمفهوم ورمز لغريزة حمائية، دفاعية عن صغارها، تولي حياتهم وبقاءهم أقصى الأولوية، ولو كان الثمن حياتها وبقاءها هي.

الصدمة لم تتولّد من جهل بعقيدة "حزب الله" الذي لم يتحرّج في تجنيد صِبية وفتياناً في حربه في سوريا، أو بعقيدة النظام الإيراني الذي استخدم مئات آلاف الأطفال كمنفّذي عمليات انتحارية و"منظّفي" حقول ألغام خلال الحرب العراقية الإيرانية، على سبيل المثال لا الحصر. الصدمة لم تنتج عن مفاجأة في ما يسع البروباغندا وغسيل الأدمغة والإيديولوجيا فعله. البشر يعرفون، البشر جربوا، واللبنانيون مثل غيرهم وأحياناً أكثر.

لكن الصدمة في أن فاطمة تتحدث كأمٍّ "عادية"، واحدة منّا. نحن الذين نتراكض حاملين أطفالنا إلى أقرب برّ أمان. نحن الذين ننحني بأجسادنا فوق أجسادهم ظناً منا أننا نحميهم لحظة قصف أو زلزال، بل وقد رأينا بأمّهات العيون مشاهد متفحمة من هذا القبيل بعد حروب إسرائيلية عديدة على لبنان وجنوبه وبيروته. الصدمة في أننا لم نملك أن نرى فاطمة، التي لم نعرف إن كانت صانعة رأي في محيطها، أم مجرد مواطنة في الدولة الحزبية، أو حتى شخصية وهمية لحساب وهمي في السوشال ميديا، لم نملك أن نراها إلا واحدة من بين ظهرانينا الآمنة، الساكنة للأمومة والطفولة على الأقل. لنزعة البقاء أولاً، ثم نزعة حفظ النوع عبر ضمّ المواليد الصغار بالعاطفة والدفاع المستميت، شأننا شأن مملكة الحيوان قاطبة. منشور في شبكة اجتماعية، جَعَل "بيئة فاطمة" أقرب من مسافة نقطعها بالسيارة أو مشياً على الأقدام. أقرب، فأكثر إثارة للفزع. ها هو المنشور هنا، أمامنا في الشاشة، في البيت والمكتب، ومعنا خلال انتظارنا خروج الأولاد من المدرسة.

البشر يعرفون، البشر جرّبوا. هناك تلك القصة المعكوسة عن جبروت الإيديولوجيا ونَيلها من الشرط الإنساني، من جوهر الحياة وعلاقاتها النووية. الطفل بافليك موروزوف كان عمره 13 عاماً، في العام 1932، عندما وشى بأبيه للبوليس السياسي السوفياتي، فأودى به إلى عقوبة 10 أعوام في معسكر العمل ثم إلى حكم نافذ بالإعدام. مَجَّده النظام باعتباره شبله المثالي، ولاؤه للعقيدة فوق انتمائه العائلي ومشاعره. الموت عادة للفداء. وما زالت مؤرشفة صُور بافليك مرتدياً الطاقية والفولار الكشفي الأحمر لـ"الرواد اليافعين". نعيد قراءة القصة الآن، ونطلق زفرة ضيق، لكنه التفاعل مع حكاية في آخر الأمر. أما أفراد عائلة بافليك آنذاك، وبينهم جدّه وجدّته، فقتلوه، ليُعدَموا بدورهم رمياً بالرصاص عقاباً لهم على اغتيال فتى الأمة النموذجي. هو القُرب من مفاعيل أسحار الإيديولوجيا، ما يفرز الصدمة، الفاجعة.

الهيمنة الثقافية؟ نعرفها، ونعرف أن المسيطر على السياسة والاجتماع والاقتصاد، لا بد أن يعمم ثقافته التي تمسي مُهيمنة. بالقناعة، أو بعدم القدرة على إعلاء صوت مغاير. وهو ما يفسر لماذا لم يخرج صوت واحد يقول إن فاطمة "تنمّط الشيعة" اللبنانيين، على غرار ما قامت القيامة على اسكتشات كوميدية. لم يعترض أحد على أن فاطمة توحي بأن "البيئة الشيعية" كلها تفكر بالطريقة هذه. فإما أنها فعلاً كذلك، أو أنها الأفكار المُشتهى تكريسها، ولو لم تكن ممثلةً لناسها كلهم... لكن الهيمنة مسبوكة، لا منافذ فيها، إلا ما مرّ استثنائياً ولماماً وموجزاً، ثم مكتوماً، خلال تظاهرات 17 تشرين مثلاً، أو على ألسنة أمهات الصّبية الشهداء في الحرب السورية.

"البيئة الشيعية"؟ نعلم أن قوة الأمر الواقع اختارت هذه التسمية لمن تحسبهم جماعتها، بدلاً من تسمية "مجتمع" المتاحة فيه، بالتعريف، ديناميات الرفض مثل القبول. التغيير مثل الإبقاء. تداول السلطة مثل إعادة إنتاجها. وفكرة الخاص والعام ومنفعة كل منهما. اختيرت "البيئة"، على الأرجح، لأنها ألطف، من حيث لا تُفرح الخصوم بالاعتراف بجزيرة سياسية واجتماعية منفصلة أو معزولة عن المجتمع اللبناني الأكبر، وفي الوقت نفسه تحفظ "خصوصية" يريدها أولياؤها، بل يعملون على صناعة جدرانها بحِرفة منقطعة النظير. لكن مزيداً من التأمل يفضي إلى الأكثر إثارة. فالبيئة، بالمعنى المتعارف عليه، من شجر ومياه وأرض وهواء ومخلوقات، هو ما يوجد بالسليقة، الربّانية أو الصدفة الانفجارية الكبرى، لا فرق. لكنه بالتأكيد سابق على الحياة البشرية، التي بدورها تكيّفت معه، لا العكس. وعندما بات الإنسان مركزياً في الأفكار وتطوُّر العيش، عندما تعالى عقلانياً وتوسّع زراعياً وصناعياً، صار مُسيئاً للبيئة، مُخرّباً لانتظامها. إيكولوجياً، خطير ومُهدِّد جعلُ الإنسان نفسه -وتحضّره- فوق دائرته أو الطبيعة الأمّ. وفي الاستعارة "الشيعية" أيضاً، الإنسان وحياته ليسا أغلى من "البيئة".

كلام فاطمة شعار أكثر منه أُمنِية فعلية؟ شيء من قبيل الأدعية ذات الصياغات الثقيلة، المسحوب منها صِدق ترجّي الموت؟ والموت مختلف عن الشهادة؟ نعلم، ربما. أو لا نعود قادرين على التفرقة. أو لا تعود التفرقة أصلاً ذات شأن.

لكن الفارق الأساس، على ما يبدو، أننا، رغم تناقضات المجتمع و"البيئات"، ما زلنا نختزن من الإنسانية خوفها. الخوف محفّز فيزيولوجيا النجاة، بأنفسنا وبمَن فُطِرنا على حبّهم. وهو أيضاً، في هذا المقلب وذاك، صانع عقلية. 
 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

الكاتب

مقالات أخرى للكاتب