image
الإثنين 2023/01/23

آخر تحديث: 13:28 (بيروت)

"فوبياوية" الانتخابات الرئاسية

الإثنين 2023/01/23 محمد حجيري
"فوبياوية" الانتخابات الرئاسية
من الجلسات العامة في مجلس النواب لانتخاب رئيس للجمهورية (علي علوش)
increase حجم الخط decrease
يروى أحد الكتّاب اللبنانيين المخضرمين، أنّه قبل الحرب الأهلية أو "حروب الآخرين على أرضنا"، كان "محظوظاً" وتوظّف في أحد المصارف اللبنانية في وسط بيروت، "موظف بنك" كانوا يقولون، بعدما تخرّج من الجامعة اللبنانية، وكان وحده من الطائفة التي ينتمي إليها أو ينسب إليها بحكم الولادة والهوية وسجل النفوس، والآخرون ينتمون إلى طائفة أخرى. وطوال المدّة التي عمل فيها في المصرف، كان "الزملاء" الأعزاء يتقصّدون وضع حاجز أو جدار نفسي وعنصري بينهم وبينه، لأسباب "فوبياوية" إذا جاز التعبير، ويتحدّثون ويثرثون أمامه أو في صالة المصرف باللغة الفرنسية الكولونيالية، وهم يعرفون أنّه لا يجيد لغة لسانهم، ولا يريدون أن يعرفها، فهو القاطن في بيروت منذ ولادته بداية الخمسينات مع عائلته، كان اختار أن يتعلّم الانكليزية كجزء كبير من أبناء ملّته أيضاً (ستتحول الانكليزية في بيروت إلى نوع من التمييز الطبقي، نتطرق إليه في مقال آخر)...

كأن اللغة بالنسبة لهؤلاء "المتفرنسين"، شكلتْ نوعاً من تمييز طائفي وربما طبقي وإعلاناً صريحاً ووقحاً بنبذ الآخر والحطّ من شأنه وعدم احترام وجوده... نحن نتلكم الفرنسية، بمعنى أنت غير موجود بالنسبة إلينا، ولا نريد وجودك. هذه الحادثة وإن عفا عليها الزمن وصارت من الماضي، مع انتشار اللغات بين مختلف الناس، ولم تعد المصارف حكراً على أحد ولا اللغات حكراً على فئة، فإن المرحلة بوقاحتها العارية، بقي أثرها مراً وعميقاً في ذاكرة صديقنا الشاعر أو الكاتب ويومياته، وهو الذي انتمى في مرحلة إلى يوتوبيا اليسار اللبناني المختلط طائفياً، فشعر أن ثمّة عقلية مذهبية تتعاطى مع الآخر باعتباره مواطناً من الدرجة الثانية (سنكون أمام موجة أخرى من التعاطى الطائفي تعتبر الآخر "المسيحي" ذمياً).

لم يلجأ صديقنا الشاعر إلى "القوقعة" الطائفية، ولم يتحوّل مستشاراً لقادة طائفته على نحو ما فعل كثرٌ من جهابذة اليساريين، ولم يعد إلى متاريس عشيرته كما فعل معظم رفاق اليساريين. لكنه لم ينجُ، ولم يُشفَ من الأثر الطائفي وأثر الاستبعاد والعزل الذي سببته تلك الأيام القليلة في المصرف...

فذات مرة، عندما نُشرت له مقالة في إحدى الصحف "الليبرالية" العريقة، انتبه بحساسية مفرطة إلى "فوبياوية" توزيع المقالات على صفحاتها. فبدا له أنّ مدير التحرير في الجريدة، وزعها على طريقة 6 و6 مكرّر من جهة، ووضع مقالته في القسم الأسفل من الصفحة وخصّص القسم الأعلى لكاتب من طائفة أخرى (والله أعلم)، مع أن صديقنا الكاتب أو الشاعر (والآخر صديقنا طبعاً)، هو صاحب "الأقدمية" في الكتابة، وبالتالي "يحقّ" له أن يكون مقاله في البداية، وهذا اعتبره تمييزاً وذكّره بالأيام الخوالي في البنك...

وليس القصد من إيراد هذه التفاصيل الباهتة والعابرة، الروائية والسوسيولوجية، إلا فهم طبيعة تركيبة الجمهورية اللبنانية ومآلها والصراع على انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، وكيف أننا محكمون بالفوبياوية بين الطوائف وأن الاستحقاق الدستوري تحوّل صراعاً طائفياً محموماً، يقوده قادة مليشيات وأمراء حرب، ويشارك فيه رجال دين وقانون وخبراء في الدستور وبقايا "مثقفين" واعلاميين، ويوحي وكأن هذا البلد لم يعشْ حرباً أهلية مديدة، ولم يفتك الرصاص بعشرات الآلاف من مواطنيه وناسه و"سكانه" بحسب التوصيف الشهابي، ولم تحترق مدنه وقُراه...

بالطبع، هناك أزمة عميقة في التركيبة اللبنانية. هناك من ينافس على الزعامة السياسية (المسيحية)، ويجعل من العصبية الطائفية رأس حربة في "صناعة" زعامته، ويجر الآخرين بجريرته. وهناك توتاليتارية (طائفية أيضاً) محلية واقليمية، سائدة منذ اتفاق الطائف، جعلت من انتخاب الرئيس بمثابة تعيين، والرئيس المعيّن يخضع لامتحان الحزب الحاكم، سواء المحلي(حزب الله) أو الإقليمي (البعثي). في المختصر، الشرط الأبرز الآن لوصول رئيس للجمهورية، أن يقرأ بـ"دستور" الممانعة و"المقارمة" وحزب الله، قبل أن يقرأ بدستور الجمهورية اللبنانية، وتلك معضلة تُبقى لبنان في دوامة الأزمة... وفي المقابل، يعيش البعض أوهام عودة النظام الرئاسي.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها