"جون سون" عنوان الفيلم، وهو اسمها أيضا. امرأة شرق آسيوية، تبدو مختلفة على الشاشة، تحديدا حين تنضو عنها غطاء الرأس البلاسيتكي والصدرية البيضاء، وهو الزي الذي يرتديه عمّال معمل صغير بآليات قديمة لتغليف وتعبئة الأغذية يدويا. بعيداً من هذا المعمل تظهر جون سون أمامنا أُمّاً وأنثى جميلة، ممتلئة الجسم، ذات شعر أسود فاحم ووجهٍ طيب بشوش.
يُظهِر الفيلم مدى حماقة الشابّ، مسؤول خطّ التعبئة في المعمل، وكوميدية محاولاته في فرض سيطرته على عمّاله. ذلك من دون أن يجرؤ أحدهم على الإعتراض، لئلا يفقد عمله، على الأخص المتقدّمين بالسنّ، حيث سرعان ما يحلّ الشباب محلّهم بمجرد اقتراف خطأ ما.
بيئة فقيرة، وفئة من العاملات والعمّال متواضعة، محدودة الطموح والأحلام. ولكن الغالبية منها يحمل الهاتف النقّال ويجيد استخدامه. عداها، حنونة القلب "جون سون"، ربما بحكم تقدّمها بالسنّ كما يوحي المجتمع إليها، أو هو طموحها الذي يقف عند حياة عادية بسيطة، بِدَخْلٍ ثابت نهاية كل شهر وسَكَنٍ متواضع نظيف.
"جون سون" لها ابنة شابة معاصِرة وعملية، على وشك الزواج، تخطّط لحياتها، من دون رغبة في تدخّل الآخرين في شؤون حياتها وإن كانت أمّها. مستقلة، مسؤولة إدارياً عن ورشة لتصليح السيارات، وليس لديها فائض وقت. ويبدو أن الأم جون سون قد عجزت عن مواكبة متطلبات المجتمع الجديد، فأوكلت إلى ابنتها بمهمة إدارة حياتها أيضا بكل جوانبها. تقلّها بسيارتها في الصباح الباكر إلى المعمل، وتعود لتوصلها إلى البيت بانتهاء عمليهما.
يطرأ تغيير في روتين حياة الأم جون سون، حين يتم تعيين رجل فقير أعزب، ومُتعَب يقترب من سنّها، في المعمل ذاته. يحدث التقارب فيما بينهما، وتنشأ علاقة حميمية سرّية، تقتصر على زيارات جون سون له خفية في غرفته، محل إقامته.
يتقبّل هذا الرجل المعاملة السيئة من قبل مرؤوسه، ويحتمل على مضض تنمّر العمّال الشباب بسبب فارق السن ما بينهم وبينه، وبسبب معاناته أيضا من خلل في ركبتِه يجعل حصوله على عمل أمرا بالغ الصعوبة. لكن التعليقات تتكرّر، حتى يصل التنمر منّ قبلهم حدّ التقليل من شأن رجولته، ما يجعله يمرّر لهولاء الرجال بلحظةِ عته، فلمَ فيديو كان قد قام بتسجيله لـجون سون، تظهر فيه بملابسها الداخلية وهي تغني.
وحين تكون جون سون آخر مَنْ يعلم في المعمل بشأن الفيديو الذي انتشر عبر إحدى التطبيقات وصار مصدر ضحك وسخرية من امرأة متقدّمة بالعمر تغني وهي نصف عارية، يصيبها انهيار، بسبب فضيحتها المدمّرة. المشهد العفوي الذي يُظْهِر جذل جون سون وسعادتها، الشديد البراءة، الخالي من الدعارة، الذي كانت تغني فيه على سريره وهي في قمة انسجامها، يزلزل حياتها.
تترك جون سون المعمل ذليلةً مكسورة القلب، عزلاء بمواجهة مجتمع برمته، تعمد إلى تغطية وجهها وكل مرايا البيت لشعورها بالخزي والعار والذلّ.
يظهر الفيلم بين الجدّ والهَزل الطبقة المسحوقة وهي تمارس سلطتها على الأضعف فيها، كما تُمارَس السلطة عليها من قبل الأقوى، والأكثر ثراء وتنعّما بالحقوق. سلطة الرجل على المرأة، السلطة المعاصِرة للشباب، الـ ( youth) الذي يقدّم لنا نموذجه في سياسة التمييز العُمري حيال حق العمل، وممارسة الإنسان للكثير من حقوقه، بغض النظر عن القوة الجسدية وقيم الجمال.
يركّز الفيلم على هذه الفئة التي تخطّت سنّ الشباب ( ضمن التحقيب المدرسي للعمر). يظهر الفرد الذي تجاوز الأربعين مُحاصَرا، على الأخص المرأة، وكأنه خاتمة للإقبال على الحياة بمختلف صورها: فرص العمل، الحبّ، الرغبة الجنسية، وببساطة وعموما العيش الفَرِح.
بعين المخرجة الشابة جون جي-هاي، وهذا هو الفيلم الثاني لها، ننتقل إلى عالم العيش على الهامش، نُواجِه، بتصويرٍ تفصيلي دقيق، وحسّ فني عالٍ وأداء متميز حَرَجَ المطالبة بحق الاستمتاع بالحياة. يتجلى بوضوح في المجتمعات المعادية والكارهة للمرأة. فحوى الرجولة التي تنتصر إلى قيم فارغة، وأخرى مُهينة تجعل الرجل يُستفَز ويثأر بسبب مسّ فحولته، جراء تعليقات تعيّره بعجزه، وإذا به يتنصّل عن مسؤوليته التي تقف وراء الحدَث. نقد موجّه إلى المجتمعات المشوهة التي تعمد إلى إذلال المرأة وإدانتها، بينما تخلّي الرجل من مسؤوليته.
وبرغم ان هذه الفئة العاملة تعيش على هامش المجتمع لا تنجو هي الأخرى من تأثير الفضاء الرقمي العالمين حيث يثير الفيلم موضوعة الإنتهاكات الرقمية عالميا، أو الجرائم الرقمية، و(Cyberbullying)، كما يُطلق عليها، لجهل المستهلكين من "الجيل اللا رقمي" لكيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وخطورة ذلك. حين لا يمكن تقدير سرعة انتشارها من هاتف واحد إلى الملايين من الهواتف بزمن قياسي.
تماما كما يحدث اليوم، إذ ينقل لنا الواقع صورا أشدّ وضاعة وحقارة، ولعدم وجود ضوابط أيضا في غالبية الدول للسيطرة على هذا التلاعب، الذي يُستَخدَم لغرض الابتزاز أيضا، لا التسلية فقط. ورغم ان ضحايا الأدوات العصرية التكنولوجية وطرق التواصل الاجتماعي هم من كل الفئات في المجتمع، ينوب النساء على الأخص حظا أكبر من الأذى والضرر، أدى في حالات قرأنا عنها إلى الانتحار.
(*) عرض الفيلم في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة لهذا العام -مارس 2023 في دورته السابعة وحصد جائزة أفضل فيلم طويل، لكني للأسف لم أقرأ أية مراجعة أو عرضاً له في الصحف العربية، وقد يكون الأمر قد فاتني.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها