image
الجمعة 2022/09/09

آخر تحديث: 12:43 (بيروت)

الملكة إليزابيث في السينما.. عنيدة ومضحكة وشريرة

الجمعة 2022/09/09 محمد صبحي
increase حجم الخط decrease
حين تشغل منصباً وحيداً ومرموقاً لمدة 70 عاماً فلا غرابة أن تجد نفسك في الأثناء شخصية سينمائية كذلك. حظيت الملكة إليزابيث الثانية بهذه التجربة، نظراً لطول عهدها كأطول ملوك بريطانياً عمراً وحكماً، وباعتبارها أطول القائدات السياسيات بقاء في التاريخ الحديث. خلال معظم فترة حكم الملكة، لم يكن من الممكن تصوّر تجسيد حياتها الخاصة في الشاشة، لكن في السنوات الأخيرة حدث ذلك مرات عديدة. لم يشهد أي من ملوك بريطانيا (ولا أي ملك آخر في الواقع) مثيلاً لما حفل به عهد إليزابيث من أزمات وفضائح وإثارات.

هنا إشارة إلى ثلاثة أفلام بارزة حقّقت، في تناولها لحياة الملكة الأطول بقاءً، شيئاً من التوازن بين الكشف والتبجيل. (مع ضرورة التذكير كذلك بفيلم رابع كتبنا عنه من قبل، تحضر فيه الملكة كأقرب ما يكون لشخصية شريرة في تعاملها مع زوجة ابنها).

تظهر الأميرة إليزابيث في عدد قليل من مشاهد فيلم "خطاب الملك" (2010، توم هوبر)، الذي تدور أحداثه بين العامين 1925 و1939، لكن الفيلم يصوّر الأحداث التي شكّلت حياتها. فالأكيد أن أحد التطورات الرئيسية في حياتها كان صعود وسائل الإعلام والمطالب التي فرضتها على النظام الملكي.

في مشهدٍ تعود أحداثه للعام 1934، أكمل الملك جورج الخامس خطابه الإذاعي عشية يوم الكريسماس الموجّه للشعب البريطاني، ثم عبّر عن استيائه إلى ابنه ألبرت (جورج السادس المستقبلي). "في الماضي، كان كلّ ما على الملك فعله أن يبدو محترماً بالزي الرسمي وألا يسقط من على حصانه"، يقول مستشيطاً، ويكمل "لكن الآن يجب علينا غزو منازل الناس والتعبير عن إعجابنا بهم". لقد انحدرت الملكية، على حدّ تعبير الملك، حتى وصلت "إلى تلك المخلوقات الأدنى والأدنى... لقد أصبحنا ممثلين".

يجعل تلعثم الأمير ألبرت من الصعب عليه التحدث علنًا، ما يجعله خطيباً ضعيفاً وملكًا عاجزاً. يتعلّق الفيلم بمحاولاته للتغلب على هذه المشكلة من خلال برنامج علاج غير تقليدي من قبل أخصائي النطق الأسترالي المولد ليونيل لوغ. العلاج – ممثلاً في الصراخ من النوافذ، والهتاف، والغناء، والشتائم والقفز لأعلى ولأسفل - يبدو مساراً تحديثياً وتمكينياً بقدر عمله كوسيلة لمعالجة أزمة النطق لدى الملك. يحثّه ليونيل لوغ باستمرار على الاسترخاء والتعبير عن مشاعره، ويصرّ على الإشارة إلى مريضه ليس باسم "صاحب السمو الملكي"، بل باسمه العائلي الأليف، بيرتي. يصبح المعالِج شخصية أبوية، أقدر من جورج الخامس نفسه على إعداد ألبرت للعصر الحديث ومشكلاته.

في مواجهة أزمة تنازل أخيه عن العرش، سعى ألبرت بجدّية لتحسين نفسه، في تناقضٍ واضح مع إهمال أخيه الأكبر إدوارد لواجبه المفترض (تنازل إدوارد الثامن عن الحكم للزواج من عشيقته واليس سمبسون التي كانت مطلقة من زوجها الأول). يخطو الفيلم بأحداثه صوب ذروته المتمثلة في لحظة تتويج ألبرت في العام 1937 (أول تتويج من نوعه يوثّق فيلمياً)، وخطابه الإذاعي في اليوم الأول من الحرب العالمية الثانية العام 1939.

في هذه اللحظات الحرجة والحاسمة يؤدّي واجباته بشكل مثير للإعجاب. هناك أيضاً لحظة من الدراما المؤثرة بعد ارتقاء العرش. عندما يحيّي الملك الجديد ابنتيه الصغيرتين، على الفور تثني الأميرتان ركبتيهما كما هو متبع في التحايا الرسمية. هذه الرسمية، جنباً إلى جانب إدراك الملك أن إليزابيث البالغة من العمر 10 سنوات هي الآن في المرتبة الأولى في ترتيب العرش؛ تسجَّل باعتبارها عبئاً ثقيلاً أكثر منها انتصاراً.

لكن هل كان دقيقاً؟
من غير المحتمل أن تتضمّن طريقة معالجة لوغ الشتائم وغيرها من الإهانات الواردة في الفيلم. الخطاب الذي ألقاه جورج السادس في اليوم الأول من الحرب لم يكن محورياً كما يُصوَّر هنا. كما أنه ليس صحيحاً تماماً تصوير رئيس الوزراء ونستون تشرشل كصديق ومقرّب من العائلة الملكية، ففي هذه المرحلة كانا على طرفي نقيض في قضايا ملحّة مثل التنازل عن العرش واسترضاء هتلر. ومع ذلك، يبقى "خطاب الملك" دراما ملكية جيدة تتضمّن أداءات تمثيلية ممتازة.


في المشهد الأخير من "خطاب الملك"، يظهر جورج السادس برفقة عائلته في شرفة قصر بكنغهام، يلّوحون للحشود المبتهجة في الأسفل. في الواقع، لم يكن هناك احتفال من هذا النوع في اليوم الأول للحرب. كان يوماً كئيباً، الأول من بين العديد من الأيام الممتدة لما يقرب من ست سنوات عصيبة. لم يحدث إلا يوم انتصار الحلفاء في أوروبا، في 8 أيار/مايو 1945، أن تجمّعت الحشود المبتهجة خارج القصر وخرجت العائلة المالكة لاستقبالهم. وهذا هو المكان والحدث الذي يبدأ منه فيلم "ليلة ملكية بالخارج" A Royal Night Out (2015، جوليان جارولد).

في يوم الاحتفال هذا، تناشد الأميرتان المراهقتان إليزابيث ومارغريت (سارة غادون وبيل باولي، على التوالي) والديهما للسماح لهما بالخروج من قصر باكنغهام للاستمتاع باحتفالات يوم النصر خارج البوابات. على مضض، يعطى الملك والملكة الإذن لابنتيهما، ولكن فقط لحضور حفلة رسمية في فندق ريتز، يرافقهما ضابطان من الجيش. يطلب الملك من وريثة عرشه حين عودتها إبلاغه بمشاعر الناس تجاهه وخطابه الإذاعي الذي ألقاه في منتصف الليل معلناً حلول السلام في أوروبا.

في الشارع، تتحرّر الأميرة المغامرة مارغريت من رقابة الضابطين، ثم تتبعها شقيقتها الكبرى إليزابيث الأكثر مسؤولية. تنفصل الشقيقتان عن بعضهما البعض في حافلتين مختلفتين. تصادق مارغريت ضابطاً بحرياً يسعى لاستغلال من يعتقدها مجرد فتاة عادية، أما إليزابيث فيقع حظّها مع طيار غائب عن وحدته من دون إذن. تنقاد مارغريت إلى عالم النوادي الليلية، والمقامرة، والكحوليات، وبيوت الدعارة. فيما تخوض إليزابيث وطيّارها مغامراتهما الخاصة في محاولة اللحاق بمارغريت، الأمر الذي يأخذهما إلى ما بعد الموعد النهائي المحدّد للعودة (الواحدة صباحاً) حتى فجر اليوم التالي.

يُروى الفيلم ككوميديا ​​رومانسية خفيفة، فتدخل إليزابيث سجالاً مع جاك المتردّد في البداية لكسب ودّها، ويجد الفيلم ضحكات في عدم قدرة إليزابيث الظاهرة على التأقلم خارج بوابات القصر. ومع ذلك، يقرّ الفيلم أيضاً بمجهودها في زمن الحرب كسائقة وميكانيكية في الخدمة الإقليمية المساعدة (الفرع النسائي من الجيش البريطاني أثناء اللحرب العالمية الثانية)، ليس أقلّه عندما تقود جاك بثقة إلى ثكناته بسرعة فائقة. لكن الكاميرا تشيح بعيداً حين يأتي موعد قبلة الوداع، في لحظة نموذجية ودالة على النبرة الحذرة للفيلم.

لكن هل كان دقيقاً؟
كانت الأميرة مارغريت تبلغ من العمر 14 عاماً فقط في يوم النصر. الضابطان المرافقان والطيار في السيناريو كانوا من إبداعات الخيال الدرامي وتوابله الضرورية لنسج حبكة قريبة من القلب. ورغم حقيقة أن الأميرتين خرجتا متخفيتين في تلك الليلة، إلا إنهما كانتا بصحبة مجموعة مختارة تضمّ 16 شخصاً من الأصدقاء وأفراد العائلة المالكة، خرجوا في الساعة 10 مساءً، للاختلاط بالمحتفلين، ولم يبتعدوا عن ميدان ترافالغار (ساحة عامة في وسط لندن)، وعادوا إلى قصر باكنغهام الساعة 1 صباحاً، في الوقت المناسب للانضمام إلى الملك والملكة أثناء خروجهما إلى الشرفة للمرة الأخيرة في تلك الليلة.


مثّلت وفاة الأميرة ديانا في 31 آب/أغسطس 1997 مأساة سلّطت الضوء على توقعات الجمهور للملكية في العصر الحديث. افترضت العائلة الملكية أن حدادها على الليدي دي سيقتصر على جنبات قلعة بالمورال، ولكن في الأسبوع الفاصل بين وفاتها وجنازتها، زاد صخب المطالبات بالمشاركة العامة في الحزن والحداد على الأميرة المحبوبة. "أظهروا لنا اهتمامكم"، هكذا ظهر أحد عناوين الصحف الرائجة وقتذاك.

يروي فيلم "الملكة" (2006، ستيفن فريرز) قصة هذا الأسبوع المشهود، مشدّداً على التناقض بين التزام العائلة باللياقات التقليدية والروح العصرية لرئيس الوزراء المنتخب حديثاً، توني بلير. في البداية، اعتبرت العائلة المالكة وفاة ديانا شأناً خاصاً، وبالتالي قررت التعامل معها بصفتها ليست وفاة ملكية رسمية، على عكس ما رأى توني بلير وزوج ديانا السابق، الأمير تشارلز، اذ مالا إلى رغبة المزاج العام في تكريم "أميرة الشعب" وإعلان الحداد الرسمي.

تزداد الأمور تعقيداً بسبب وسائل الإعلام، والبروتوكول الملكي في ما يتعلق بوضع ديانا الرسمي، وقضايا أوسع حول الجمهورية. تنخفض شعبية العائلة المالكة، بينما تزداد شعبية بلير، الذي يظهر كإصلاحي وتحديثي في استجابته للتقاعس العلني للعائلة المالكة عن اتخاذ أي إجراء. يصوّر الفيلم هذا الصراع على أنه صدام بين الأجيال. تحفُّظ العائلة المالكة يُقدَّم على أنه نابع من التقشف والصرامة الموروثين من زمن الحرب العالمية الثانية، في حين تمثّل عفوية وأريحية رئيس الوزراء نموذجاً لحساسية حكم جديدة، هي ابنة شرعية ومنطقية لفترة ما بعد الستينيات المطبوعة بوسائل الإعلام وتأثيرها.

اللافت للنظر أن التصعيد الدرامي لهذا الصدام لا يأخذ انحيازات واضحة. بدا تحفّظ الملكة في البداية بعيداً ولكن تدريجياً يكشف عنه الفيلم، جزئياً على الأقل، بسبب حاجتها إلى حماية أحفادها. في غضون ذلك، يظهر رئيس الوزراء كرجل سطحي نسبياً لا يفكر في معتقداته المتضاربة حول التقليد والتحديث. السيناريو الحاد وزوج من الأداءات التمثيلية الرائعة يضمنون توفير دراما جذابة. توني بلير (يلعب دوره مايكل شين) شخصية متشوقة قليلاً لإرضائها، بينما تلتقط هيلين ميرين (في دورٍ أوصلها الى جائزة الأوسكار) شخصية محنّكة قضت حياتها كلها في فهم وملاعبة الرأي العام، ستبقى في وجدان الجمهور لفترة أطول بكثير من رئيس الوزراء الأصغر سناً.

ترضخ الملكة والعائلة الملكية في الأخير لرغبة الشعب أو "هستيريا الرأي العام"، بتعبير الملكة، لكن في لقاء بلير التالي مع الملكة، يتبادلان الآراء حول ما حدث منذ لقائهما الأخير، بما في ذلك الجدل حول وفاة ديانا والأحداث والأفعال التي تلت ذلك. ثم تحذّر الملكة رئيس وزرائها من أنه، مثلما تغيّر الرأي العام بشأن الطريقة التي يجب أن تتفاعل بها العائلة المالكة مع بريطانيا الجديدة، فحتماً سيجد نفسه في الموقف ذاته حين يتغيّر الرأي العام.

لكن هل كان دقيقاً؟
يصعب حسم مسألة الدقة، التاريخية كما الإنسانية، حين يتعلّق الأمر بفيلم يرفض إعلان انحيازه لطرف معيّن. لكن الثابت أنه حين نشر توني بلير مذكراته في العام 2010، فوجئ كاتب السيناريو بيتر مورغان عندما وجده يستذكر لقاءه بالملكة مستخدماً الحوار نفسه الذي كتبه مورغان للفيلم تقريباً. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن هيلين ميرين دُعيت لمقابلة الملكة بعد إصدار الفيلم، في إشارة إلى أن الفيلم لم يتسبب في أي إهانة محتملة لجلالتها، ويبدو أنها اعتبرته تصويراً أصيلاً ومتعاطفاً بشكل عام لواحدة من أصعب فترات حكم الملكة.

 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها