image
الخميس 2022/09/08

آخر تحديث: 12:40 (بيروت)

بيروت العراقية... جسرٌ للفنا نُصِبتْ (1)

الخميس 2022/09/08 محمد حجيري
increase حجم الخط decrease
قبل أن يصبح معظم الشعراء والكتّاب والروائيين والمثقفين العراقيين في المنافي والشتات والتيه، وقبل أن تكون ديكتاتورية صدام حسين أو ديكتاتورية كاتم الصوت والطوائف و"الحشد الشعبي"، كان أحمد الصافي النجفي (1897- 1977)، الشاعر العراقي ومترجم رباعيات عمر الخيام الفارسي، يعيش حياة المنافي، فأمضى معظم سنوات حياته بين دمشق وبيروت وبغداد وإيران.

وشاعر المعاني كما يوصف، الذي لم يكتب مذكراته لكن حكاياته رُويت على ألسنة مقرّبين منه، كان ثورياً ورومانسياً ومتشرداً، لم يسكت عن مواجهة الانكليز في بلاده، واقتيد إلى السجن بسبب موقفه، إذ أمضى أربعين يوماً في السجن الانكليزي كانت حصيلتها مجموعة شعرية سمّاها "حصاد السجن"، وعاش غريباً داخل نفسه وغريباً بين أهله وعشيرته: 
"أری في غربةِ الإنسانِ  سجناً/ فكیف بسجنِ إنسانٍ غریبِ؟!"

لكن ما الذي جعله يأتي في وقت مبكر إلى دمشق وبيروت. ما الذي جعله يغادر بلاد الشعر؟ يحكى أنه أصيب بمرض عضال نصحه الأطباء على إثره بالسفر إلى بلاد أقل حرارة وألطف جواً، وهكذا كان، فترك النجف متوجهاً إلى سوريا ولبنان "حيث الجو معتدل والطبيعة حافلة بالمجاذبات" كما سيقول بعد ذلك بنصف قرن حين راح يروي ذكرياته عن تلك المرحلة. وصل النجفي الى دمشق في العام 1930 وعاش في هذه المدينة متجولاً، وجعلها ملاذه اليومي، وأبرز محطاته فيها ارتياده "مقهى الهافانا"، وقد أمضى حياة متواضعة في دمشق، فهو لدى مغادرته المقهى كان يقصد "بيته" الذي كان عبارة عن غرفة بائسة في أحد أحياء المدينة، وكان يشاطره السكن في ذلك المكان، حسب روايته "فأر وبق عنكبوت". 

في "الهافانا"، تجمّع حوله عشاق الأدب والفلسفة يومياً. وزوّاره أتوه من الدول العربية كافة، وكان أقرب أصدقائه في دمشق، عبد السلام العجيلي وفخري البارودي وبدوي الجبل وعمر أبوريشة وأحمد الجندي وسعيد الجزائري. حدث أن انقطع الصافي عن مقهى الهافانا لفترة، واستبدله بمقهى آخر، فانقطع الكثير من الزبائن عنه كذلك، فذهب إليه صاحب المقهى متوسلاً: "قل ما تريد، مر بما تشاء، لكن عُد إلى المقهى فقط، الله يستر على عرضك، أنا وأولادي تحت أمرك، وإن أردت ألّا يتناول أحد من مجالسيك مشروباً، فأغمزني عليه فقط"، إذ عرف عن الصافي بأنه كان يدفع مشروبات كل مجالسيه، فعاد إلى المقهى بعدها فعلاً.

ولأن المسافة قصيرة بين دمشق وبيروت، كان النجفي يستغل أية مناسبة للمجيء إلى لبنان، هذا البلد الذي ظل يقول حتى نهاية حياته إنه ما أحبّ بلداً مثلما أحبّه. وبالمناسبة، كان النجفي عراقي الأب، لبناني الأم، فوالدته من آل معتوق من الزرارية في جنوب لبنان، وكان الشاعر فخوراً بانتمائه المزدوج، ويعتبر أنه يوحّد فيه البلدين العريقين:
"فآبائي الصيد من هاشمٍ وأخوالي الغرّ من عاملِ/ أوحّد سورية بالعراق وأجمع لبنان في بابل".
وفي قصيدة اخرى يقول: "كأني جاعل لبناني داري/ أسافر والدا وأقيم خالا"

ويؤكد النجفي أنّ ما من شاعر عربي أغرم بلبنان غرامه به. وهو سيمضي فيه الشطر الأكبر من حياته، حيث سكن مصايفه ومدنه الكبرى بدءاً ببيروت مروراً بطرابلس فبعلبك وصيدا وجزين وانتهاء بصور. كان صديق ميخائيل نعيمة، الشاعر القروي، مارون عبود الذي قال: "حسبه (الصافي النجفي) من التجديد أنّه لم يمدح ولم يَرثِ". وصحيح أن الصافي النجفي لم يُطِق ضجّة بيروت وأماكنها الصاخبة، لكنه استعذب بحرها، فكان يخلو الى مقاهيها البحرية، وتحديداً مقهى الحاج داود، أحد معالم بيروت الشعبية والثقافية في عين المريسة التي ابتلعتها التحولات والحروب... في المقهى كان يجلس جلسة مزاجية، بحسب الروايات، لا يكتفي مثلاً بكرسي واحد يجلس فيه، بل يستعين بآخر يمد عليه رجليه أو يتكئ عليه، وثالث يضع عليه الصحف، ورابع يضع عليه إذا شاء في الصيف كوفيته وعقاله. وهو بعد هذا كله كان ينزع حذاءه في الغالب ويرفع رجليه واضعا قدميه على حافة الطاولة. أما الذين يلتفون من حوله، فكان كل منهم يسحب كرسياً ويدنيه منه جالساً عليه حتى تتألف حلقة كانت تضيق وتتسع بحسب الظروف. وفي أحيان، كان النجفي، رغم وجود الحلقة، يجد في نفسه ميلاً إلى أن يسرح بخياله، فيفعل مغمضاً عينيه، ولا يفتحهما في الغالب إلا ليسجل بيت شعر أو حتى رباعية استوحاها من تلك الإغفاءة. كان يدوّن قصائده على حواشي الصحف، وعلى أغلفة علب السجائر، ويحررها ليلاً، إذ يأوي مساء الى غرفة شديدة التواضع بالقرب من مستشفى "اوتيل ديو" الأشرفية. وهو في معظم الأحيان، بسبب فقره وسوء التغذية، كان يصاب بالسعال ويفتك به الوهن والضعف. أما غذاؤه فكان يتألف غالباً من الحبوب، لا سيما الفول والحمص. فقد كان أشهى ما لديه ان يأكل صحن فول تزينه، حسب تعبيره، خضروات طازجة يتزعمها البصل والزيتون. والأشهى أن يعقب ذلك كأس من الشاي المعتق. وفي أثناء اعتلاله، نادراً ما كان الصافي النجفي يعرض نفسه على الأطباء، ولولا بعض أصدقائه، ما كان دخل المستشفى يوماً. ومن هؤلاء نزار الزين، صاحب مجلة "العرفان" الجنوبية اللبنانية، الذي أخذه بالقوة الى مستشفى الجامعة الأميركية، حيث تفاقمت حاله في أيامه الأخيرة، ومع هذا لم يبق هناك سوى ثلاثة أيام هرب بعدها... "بعيداً من الممرضات الأرمنيات اللواتي كن يأنفن شكلي وملابسي، ولا يقدّرن مكانتي كشاعر كبير"، كما قال بنفسه.

وبحسب كتاب "احمد الصافي النجفي.. الغربة الكبرى لمسافر بلا جهة" الذي حققه وقدمه الشاعر محمد مظلوم (منشورات الجمل)، فإن مترجم عمر الخيام يصوّر جسمه وكأنه نعشه، حين يمشي يحمله على كتفه، وغالباً ما يشبّه نفسه بطائر ترابي قُصّ جناحاه "فظل يسبح في التراب" (كما يقول)... كان الصافي النجفي طريد جسده، "ولو استطعت الاكتفاء بهذه العبارة لفعلت"، يقول الشاعر محمد علي شمس الدين، فهو كان يقتل أحواله وتفاصيل حياته بالإطالة المملة في الأوصاف ولو اكتفى بالبيت والبيتين لأجاد.

تنظر إلى صورته في الكتاب، فينتابك إحساس بأنك أمام كائن صحراوي هزيل داخل ثوب ضيق وقف وقد أعطى ظهره لبحر بيروت، على رأسه عقال وكوفية. سحنته سمراء بدوية هزيلة، فإذا أغمضت عينيك قليلاً وجدت أن أنفه الدقيق في وسط وجهه النحيل هو أشبه ما يكون بمنقار طائر غريب، ووقوفه معقود الساعدين إلى خصره، يشير إلى أنه أشبه بطائر أعرج. عبارة "طائر أعرج" هي عنوان بيتين للصافي النجفي يصف فيهما نفسه: "أنا طائر لا يرتضي الأرض مسكناً/ كأني بين الجو أبحث عن عرشي… ولكن دهري قص جنحي وأرجلي/ فما حال طير لا يطير ولا يمشي".

وكان الشاعر صاحب حكايات حيثما حلّ سواء في بغداد أو دمشق أو بيروت، ففي إحدى المرات دعيَ إلى إلقاء قصيدة في منتدى أدبي في لبنان، وقام عريف الحفلة بتعريفه مطلِقاً عليه لقب "أمير الشعراء"، لكن هذه التسمية أثارت الشجون في نفسه فضمتها رباعياته الشهيرة حيث يقول: فكم من أحمق فيهم دعاني أميراً مالئاً قلبي شجونا/ دعاني بالأمير وكنت أولى بأن ادعى أمير المفلسينا.

ويقول أيضاً في مكان آخر حول الإفلاس: صافحتْني يدُ امرئ فرآني ساخنَ الكفِ من لظى الوسواسِ/ قال هذي حرارة الإيمان قلتُ لا بلْ حرارةُ الإفلاسِ

ويصل الى وصف تشرّده: قد اخترتُ منذ القِدْمِ عيشَ التشرُّدِ/ لفقري، وللفوضى، وحبّ التجرّدِ

ومع أن النجفي عشق بيروت وبحرها، لكنه رسم صورة عن واقعها المر: 
يــؤُمُّ بــيــروتَ ذو مـالٍ فـيـنـفـقـه
فـيـهـا فـيـهـنـأ حـيـنـاً ثم ينتحر
مـثـلَ الفـراشـة للنـيـران عـاشـقةٌ
تـعـيـش فـي النور وهناً ثم تستعر
تـأتـي مـن البَـرّ أفـواج مـغـامـرةٌ
لها وفي البحر يخفى منهمُ الأثر
كـأن بـيـروت جـسـر للفـنـا نُـصـبـتْ
كـم مـن أناس عليها للفنا عبروا

كأنه هنا يصف مآله في الحياة، فهو كان عاش بين الزهد والتقشف والشقاء، دائماً يظهر بمظهر واحد لا يتغير في أيامه ولياليه. كوفية عراقية بالية، وجلباب مهتري، ونعل بال قديم. أنه "البدوي الذي يسعى إلى أن يكون نبيَّاً"(محمد مظلوم)، رحل عن الحياة في 27 يونيو (حزيران) 1977 في خضم الحرب الأهلية اللبنانية حيث أصابته رصاصة أطلقها عليه قناص في منتصف يناير 1976 وهو يبحث عن رغيف خبز يأكله بعدما أمضى ثلاثة أيام لم يذق فيها الطعام، فحمله بعض المارة إلى مستشفى المقاصد، ولم يطل بها مكوثه لصعوبة الوضع القائم انذاك، فنقل إلى بغداد وقد كف بصره قبل عودته وأصبح مقعداً لا يستطيع الحراك فلما وصلها أنشد قائلاً: يا عودةً للدارِ ما أقساها / أسمعُ بغدادَ ولا أراها.
 
وقال بعدها:
بين الرصاصِ نفدتُّ ضمنَ معاركٍ / فبرغمِ أنفِ الموتِ ها أنا سالمُ 
ولها ثقوبٌ في جداري خمسةٌ / قد أخطأتْ جسمي وهنّ علائمُ

وفي بغداد، أجريت له عملية جراحية ناجحة لإخراج الرصاصة من صدره، لكن الجراحة زادت جسده نحولاً وضعفاً فرحل وهو في الثمانين من عمره.

(*) مقالة أولى من ضمن ملف عن حياة الكتّاب والشعراء العراقيين في بيروت في زمن غابر.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها