image
الخميس 2022/09/08

آخر تحديث: 10:49 (بيروت)

الياس الزيات غائباً وباقياً.. ما بعد الطوفان

الخميس 2022/09/08 محمود الزيباوي
increase حجم الخط decrease
نعى الوسط التشكيلي العربي "أيقونة الفن السوري" الياس الزيات الذي توفي في بيروت يوم الأحد عن عمر ناهز 87 عاماً، بعد مسيرة طويلة في الفن استمرّت بشكل متواصل حتى الأمس القريب، وكانت آخر ثمارها مجموعة كبيرة من اللوحات شكّلت معرضاً أقيم في دبي قبل نحو سبع سنوات تحت عنوان "ما بعد الطوفان".

"أنا من الجيل التالي لمرحلة الحداثة، أي أنني عاصرت الجيل الأول، وأجيال ما بعد الحداثة، إن جاز القول". بهذه الكلمات، لخّص الياس الزيات تجربته الطويلة في عالم الفن، في حديث أدلى به في خريف 2015، لمناسبة إقامة معرضه الأخير في دبي. كيف بدأت هذه التجربة، وكيف تشكّلت وتكوّنت وتحوّلت؟

وُلد الفنان في دمشق في حي الجويانية في منطقة باب توما. أكمل تعليمه الثانوي في المدرسة الأرثوذكسية عام 1954، ثم تابع دراسة الرياضيات في جامعة دمشق بين عامي 1954 و1955. شغف بالفنون التشكيلية خلال هذه السنوات، وتتلمذ على يد ميشال كرشه، الفنان التشكيلي الرائد الذي التزم الخط الانطباعي التقليدي، في المرحلة التي سبقت ظهور الاتجاهات التشكيلية الحديثة.

هكذا دخل الياس الزيات عالم الرسم واللون في سنوات المراهقة، وبدأ بعرض أعماله وهو في الخامسة عشرة من عمره حيث شارك في معرض جماعي أقيم في دمشق. في تلك المرحلة المبكرة، بدأ برسم المناظر الطبيعية، واستمرّ في هذا الخط إلى أن أرسلته الحكومة السورية للدراسة في "أكاديمية صوفيا الفنون الجميلة" في بلغاريا سنة 1956، بعدها انتقل إلى القاهرة ليكمل دراسته في "كلّية الفنون الجميلة" حيث تخصّص في التصوير الزيتي، وهو تخصّصٌ وسّعه، لاحقاً، عبر دراسته تقنيات الترميم الفني في بودابست.

البدايات
في حديث يعود إلى صيف 1985، استعاد الفنان هذه البدايات، وقال: "كنت أرسم المناظر الطبيعية وابتعد عن الانسان، فتصويره كان بالغ الصعوبة، كما أنه لم يشكّل بالنسبة لي همّا حقيقياً وموضوعاً خاصاً له عمقه وهويّته. على خطى بول سيزان، كنت أرسم الحارات الدمشقية القديمة بأسلوب يجنح إلى تسطيح المسافات والأشكال والألوان. كما إني رسمت بعض المناظر الطبيعية في لبنان، منها لوحة "إهدن" سنة 1954 التي نلت عنها جائزة فنية، وهي اليوم محفوظة ضمن معروضات فرع الفن الحديث في متحف دمشق. عند انتقالي إلى صوفيا لمتابعة الدراسة، بدأت أتخذ توجها مغايراً تماماً. أقمت في بلغاريا أربع سنوات، توجّهت بعدها إلى القاهرة واستقررت فيها زهاء سنة ونصف السنة. خرجت من حدود المناظر الطبيعية ومشاهد الطبيعة الصامتة إلى عالم الإنسان، وتعلّمت رسمه وأتقنت تصوير معالمه وملامحه. ما كنت أخاف منه لم يعد عائقاً أمامي. وجدت نفسي في عالم جديد. لا يمكننا أن نرسم الانسان كما نرسم المنظر الطبيعي. الإنسان عالم مختلف. الطبيعة تجعلك شاعرياً، أمّا الإنسان فيجعلك حكيماً. الإنسان موضوع كبير قائم بذاته. لا يمكننا أن نعتبر الإنسان موديلاً. فهو هنا الموضوع والأساس، وتصويره دخول إلى أعماقه وتعبير عن أسراره".

في نيسان 1962، أقام إلياس الزيات معرضه الفردي الأوّل في إحدى الجمعيّات في دمشق، وقدّم في هذا المعرض مجموعة من اللوحات والرسوم التي تلتزم ما يمكن وصفه بالحداثة التقليدية المحافظة. بقي الفنان الشاب تحت تأثري جيل الرواد الأول، ثم انتهج الخط التجريدي على مدى ثلاث سنوات. جاء هذا التحوّل في زمن اعتنقت فيه الحركة التشكيلية المذهب التجريدي بمدارسه المختلفة، نابذة كل ما هو تصويري وانشائي. سلك الفنان هذا المسار، قبل أن يحيد عنه بشكل جذري ليؤسس عالمه الخاص الذي شكّل هويته التشكيلية الخاصة على مدى عقود من الزمن.

النشيد الملحمي
عن هذا التحوّل، يقول الفنّان: مررت بالتجريدية لفترة امتدت طوال ثلاث سنوات. ففي 1965، تخلّيت عن كل ما هو تصويري واكتفيت بتحوّلات الخط واللون والضوء والأشكال الصافية، كما أنّني ابتعدت عن الألوان المتعدّدة لأجسّد معطياتها المختلفة من خلال اللون الواحد. غرقت في التجريدية دون أن أؤمن بها. عدت إلى الصورة. عدت إلى الانسان. وقد جاءت هذه العودة في نهاية الستينات، حين بدأت أتحسّس معالم لوحتي الحقيقية. في المرحلة التجريدية، أتقنت مسألة التأليف بين مختلف أجزاء اللوحة، كما اتقنت بناء العمل التشكيلي وتوزيع عناصره المختلفة. عدت إلى التصويرية في زمن اختمرت فيه معرفتي للحضارات التاريخية بفنونها وثقافاتها الفكرية. حضارات بلاد ما بين النهرين صارت جزءاً منّي، كما إني صرت أرى تدمر بعين العارف. عاد الإنسان إلى لوحتي من هذه الخلفية. لا نستطيع أن نعزل الشكل عن المضمون. الشكل المجرّد عن المحتوى شكل لا وجود له ولا كيان، فإن عزلته عن مضمونه التقليدي، عليك ان تهبه مضموناً جديداً. لا صحّة للفكرة التي تقول بأنّ فنوننا كانت أشكالاً قبل أن تكون أفكارا نظرية. فالفن في بلادنا وُلد من الفكر وانطلق منه. الفن المصري القديم، على سبيل المثل، يحمل فكر زمانته وديانته. دخلت إلى تدمر من هذا الباب، وبدأت أتعرّف من خلالها على الجذور السورية للفن البيزنطي. في تدمر، كما في دورا اوروبوس التي تُعرف اليوم باسم صالحية الفرات، نشهد الفنون التي مهّدت لولادة الفن المسيحي. أنا من هنا، وانطلاقتي تنبع من هذه الأرض. لوحتي التشكيلية الذاتية ليست فنّا مسحيّا، بل فنّ علماني يتجذّر في الحضارات ويسعى إلى الوصول إلى المحتوى المعاصر من خلال بروز عناصر وشخصيّات جديدة".

يجدر القول هنا ان تجربة الياس الزيات في تلك الحقبة لا تنفصل عن مسيرة الفن التشكيلي العربي، بل تشكّل رافدا من روافدها. في مطلع الخمسينات، شهد العراق نشوء "جماعة الرواد" و"جماعة بغداد للفن الحديث". ضمّت هاتين الجماعتين العديد من الفنانين الذين أجمعوا على رفض اللوحة التقليدية التي سادت مع عصر الرواد، وسعوا إلى تأسيس لغة جديدة، عبّر عنها البيان الثاني لـ"جماعة بغداد للفن الحديث" بشكل جليّ، حيث رأى أن هذه الجماعة "تتألّف من رسامين ونحّاتين، لكلٍّ أسلوبه المعيّن، ولكنهم يتّفقون في استلهام الجو العراقي لتنمية هذا الأسلوب. فهم يريدون تصوير حياة الناس في شكل جديد، يحدّده إدراكهم وملاحظاتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة، اندثرت ثمّ ازدهرت من جديد. إنهم لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطوّر الفني السائد في العالم، لكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية متميّزة".

في نهاية الستينات، سار الياس الزيات على هذا النهج، وبدأت معالم هوّته التشكيليّة تتحدّد في لوحة شاعرية غنائية تجمع بين عناصر متعدّدة. تبتعد هذه اللوحة عن قواعد المنظور ومنطق المحاكاة، وتعيد خلق الوجوه والأشياء والعناصر في حلل جديدة. يستعيد الرسام دور الراوي، ويكتب حكاياته بلغة الصور والخطوط والألوان. في تقنية متميّزة تجمع بين المساحات الناشئة والألوان السائلة بشفافية الماء، تدخل باقات الزهور وأغصان الزيتون والنخيل لتلتقي مع الوجوه والقامات والكتابات والزخارف. تتحوّل اللوحة إلى نشيد ملحمي يجمع بين الرموز المسيحية والأساطير الشعبية والتعابير المعاصرة. تنصهر العناصر التصويرية والتجريدية والزخرفية لتؤلف في ما بينها وحدة عضوية في توزيع غنائي أنيق، فتتوحّد أجزاء اللوحة بتناسق ساحر يجمع بين قوّة الحدس ومتانة التأليف. على مدى سنوات طويلة، كوّن الزيات عالمه الشعري الغريب الذي تتلاحق فيه الصور وتتداخل في بناء متماسك يجمعها على مسافة اللوحة المسطّحة: أطفال وطيور، تعاويذ وكتابات وزخارف، عناصر متعدّدة تشكّل أبجدية الفنان الخاصة، تعود وتتجدّد في فضاء اللوحة الحي، حيث تشكّل عالماً حميمياً استعاده الرسام ورواه في حكاياته التي لا تنتهي.

النتاج المتعدّد
من جهة أخرى، في موازاة هذه التجربة التشكيلية، تفرّد الياس الزيات بخوضه تجربة رسم الأيقونة، ودخل في عالم الفن الكنسي الديني بقواعده الموروثة. من دمشق إلى طرطوس، في كنيسة سيدة القصور، في كنيسة القديس ميخائيل، في الكاتدرائية المريمية، في كنيسة سيدة صيدنايا، تطلّ أيقوناته وجدارياته لتشهد لمحاولة جدية تسعى إلى إعادة الاعتبار لفن كبير عاش عصره الذهبي في القرون الوسطى. كذلك، برز الزيات كتقني حرفي ومهني متمرّس ومرمّم من الطراز الرفيع. وضع كتابا بعنوان "دروس في تقنية التصوير ومواده" صدر عن كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة دمشق، وعمل على ترميم عدد كبير من الأيقونات واللوحات القديمة، وكانت له مساهمة واسعة في إلقاء الضوء على الفنون التراثية في سوريا.

في خلال العقدين الأخيرين من عمره، انصرف الفنان بشكل كامل إلى فنه "الخاص"، واللافت أنه أنجز منذ بضع سنوات أيقونات "حديثة" صاغها بأسلوبه الخاص، وذلك ضمن نتاج غزير جاء تحت عنوان "ما بعد الطوفان"، وهو الطوفان الذي عاشه الفنان الدمشقي واختبره خلال سنوات الحرب السورية الطويلة التي لا تزال مستمرّة للأسف.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها