image
الثلاثاء 2022/09/20

آخر تحديث: 10:28 (بيروت)

جين مانسفيلد ونجوم العالم حلّوا ضيوفاً في بيروت 1962

الثلاثاء 2022/09/20 محمود الزيباوي
increase حجم الخط decrease
منذ ستين عاماً، أيام ما بات يُعرف بالزمن الجميل، حلّ في بيروت عدد من كبار نجوم السينما العالميين، منهم مونتغمري كليفت الذي جاء من ميونخ طلباً للراحة والاستجمام في نهاية العام 1961، وروبرت ميتشوم الذي جاء من لندن باحثاً عن السكينة والدفء في أواخر صيف 1962.


"مونتغمري كليفت، نجم هوليود المعروف، والممثل الأكثر عقداً نفسية بين جميع ممثلي عاصمة السينما، يقضي أياماً متخفياً في بيروت". تحت هذا العنوان العريض، رافقت مجلة "الأسبوع العربي" هذه الرحلة السرية، وحاولت أن ترصد خطوات "الممثل المضطرب، الخجول، المتضايق من كل شيء، حتى من الكرسي الذي يجلس عليه". جاء الممثل الشهير من ميونخ، حيث كان يقوم بدور العالِم النمسوي سيغموند فرويد في شريط سينمائي طويل من إخراج جورج هيوستن. بحسب ما جاء في التحقيق، عمل الممثل من السادسة صباحاً حتى العاشرة مساء أثناء تصوير هذا الفيلم، "وساعد مناخ ألمانيا المثلج على مضاعفة تعب أعصابه، فنصحوه بزيارة لبنان حيث الشمس تشرق معظم ساعات النهار".

من سوء حظ الصحافة المحلية، أن مونتغمري كليفت جاء إلى العاصمة اللبنانية "برفقة سكرتير، أو مدير أعمال، حال بينه وبين كل من يحاول ان يقترب منه، سواء إعجاباً أو بداعي العمل"، وهذا المرافق هو في الواقع صديقه الفرنسي المقرّب كلود نويل بيران الذي "يقيم معه في شقة واحدة في نيويورك"، وهو "ابن صاحب أشهر معامل للمياه الغازية في فرنسا، معامل صودا بيرييه". كان مونتغمري ينشد الراحة، وقد فرض رفيقه عليه نوعا من التستّر، "فجاءا معا إلى لبنان متستّرين، وأرادا أن يبقيا متستّرين"، ونزلا في فندق سان جورج حيث انضمّ إليهما لبناني يُدعى جوزيف دكاش، رافقهما في جولتهما اللبنانية. تناول الرفاق الثلاثة عشاء في مطعم بيروتي كلفته "ثلاثون ليرة وخمسة وسبعون قرشاً"، وغادروا من الباب الخلفي، ثم عرجوا على "المكتبة الدولية"، وفي هذه المكتبة، اشترى مونتغمري كليفت كتباً بستمئة ليرة لبنانية، منها كتاب "فجر الحضارة" بمئة ليرة، وكتاب "بيكاسو-بيكاسو" بمئة وخمس وعشرين ليرة.

في آذار، حطّت في ميناء بيروت باخرة سياحيّة تقوم بجولة بين لبنان والأردن، وكانت على متن هذه السفينة مجموعة من النجوم في مقدمهم جوان فونتين، النجمة البريطانية الأميركية التي لمعت في "العصر الذهبي" الهوليوودي، وعرفت المجد في الأربعينات، وواصلت مسيرتها في الخمسينات، وأدت آخر أدوارها الكبيرة في 1961 في فيلم "عذب هو الليل" المأخوذ عن رواية فرنسيس سكوت كي فيتزجيرالد. رافقت الصحافة اللبنانية النجمة الهوليوودية المخضرمة في محطّتها اللبنانية القصيرة، وخصّصت لها "الأسبوع العربي" غلافها وفقاً للتقليد الذي تتبعه عادة. وفي أيلول، حلّ النجم الهوليوودي روبرت ميتشوم في بيروت، واستقرّ بضعة أيام في فندق سان جورج. على عكس مونتغمري كليفت، تحدث الممثل الشهير مع الناس ومع الصحافة، وقال إنه جاء من لندن حيث كان يمثل فيلماً من اخراج جون هيوسن، وقد أنهكه طقس مدينة الضباب البارد، فقصد بيروت مع زوجته طلباً للدفء والحرارة، وذلك قبل أن يشرع في تصوير فيلم من إخراج فيل كارلسون. عبّر ميتشوم عن اعجابه الشديد ببيروت التي فاجأته بنبضها وحيويّتها، وشوهد وهو يمارس التزلج المائي في النهار، ويتنقل بين أشهر ملاهي العاصمة في الليل.  

في تشرين الأول، على مدى أسبوعين، تابعت الصحافة اللبنانية وصول عدد كبير من النجوم إلى بيروت لمناسبة انعقاد "مهرجان السينما الدولي"، وخصصت "الأسبوع العربي" لهذه المناسبة تحقيقين، جاء أولهما تحت عنوان "نجوم الدنيا تلتقي في هوليوود جديدة اسمها بيروت". شاركت في هذا المهرجان مجموعة من 23 دولة، حملت معها 18 شريطاً سينمائياً طويلاً، و32 شريطاً قصيراً في مواضيع مختلفة. وقيل يومها ان "قبول الدول بيروت عاصمة للسينما دليل على أن لبنان يلاقي ذاك الترحيب الحار في الخارج"، وأن لبنان، "البلد السياحي المنفتح على العالم، يتمتع برصيد دولي ضخم من السمعة الطيبة"، ولهذا "لم تتأخر الدول في تلبية دعوته للاشتراك في المهرجان".

وصل نجوم العالم تباعاً إلى بيروت، وكان الوفد الإنكليزي في الطليعة، وفي مقدمته جنيفر جين، الممثلة التي حصدت في تلك الحقبة نجاحاً كبيراً في السينما كما في التلفزيون. بعدها وصل الوفد الفرنسي، وضمّ مجموعة من النجوم، منهم ايمانويل ريفا، بطلة فيلم "هيروشيما حبي"، والحائزة جائزة فينيسيا عن دورها في فيلم "تيريز ديسكايرو"، وفرنسواز دولرياك، الممثلة التي بدأ اسمها يلمع في مطلع الستينات، وهي الأخت الكبرى لكاترين دونوف، وفاليري لاغرانج، المغنية التي دخلت ميدان السينما في 1959، وفيليب لامير، الممثل الذي جاء إلى لبنان قبل سنتين، وكان آخر أفلامه في ذلك العام "الرذيلة والفضيلة" من اخراج روجيه فاديم.


تواصل وصول الوفود من أميركا وأوروبا الغربية وأوروبا الشرقية وآسيا، ومعها نجومها التي جهدت الصحافة في التعريف بها، وأبرزها السمراء المكسيكية روزاندا مونتيروس التي لمعت في فيلم "السبعة الرائعون" سنة 1960، والحسناء شميم آرا، النجمة الباكستانية التي حرصت على الظهور بثيابها القومية المزركشة. في هذا السياق، أرسل الأميركيون "قنبلتهم المدوية" النجمة الذائعة الصيت جين مانسفيلد التي حظيت باهتمام اعلامي استثنائي، وذلك بعدما تُوجت ملكة الإغراء العالمية الأولى، إثر وفاة مارلين مونرو قبل أسابيع.

أقامت جين مانسفيلد مؤتمراً صحافياً خُصّص لها وحدها في فندق فينيسيا، وتحدّثت عن أفلامها الأخيرة: "فينوس المضطجعة"، "العنف"، "يد اللص"، "أنعم اللمسات"، وقالت: "لبنان بلد جميل كنت أتمنّى زيارته منذ مدة طويلة، بعدما شوّقني إليه الكثير من الأصدقاء". وأضافت: "رجال لبنان في منتهى الروعة وهم حارّون جداً. ونساء لبنان جميلات جداً، ولسن أقلّ من رجاله روعة وأناقة". ظهرت النجمة الأميركية وهي تراقص منتج أفلامها في مَربَع فندق فينيسيا، وقيل إنها أعجبت بصحافي شاب لبناني وعرضت عليه المشاركة في "فيلم حب في إيطاليا"، من جهتها، ظهرت جنيفر جين بالمايوه مع أنها لا تحسن العَوم، ووقفت أمام بركة السباحة في أحد فنادق بيروت كي يأخذ لها المصورون صوراً ناجحة بالبكيني، "وكل ما كان ينقصها دفعة خفيفة إلى الماء كان يمكن أن تصبح بعدها حديث مهرجان السينما". واظبت النجمة البريطانية على طلب القهوة العربية غير المحلاة، وتحدثت عن جمال لبنان وطيبة قلب أهله، وقالت ان أمنيتها أن تعود إلى هذا البلد لتمثل فيه فيلماً سينمائياً. كذلك، أعجبت روزاندا مونتيروس بالنرجيلة، "وسألت وهي تنفح دخانها إذا كانت تحوي شيئا من الحشيش"، كما "أحبت العباءة العربية، وأباريق مرجعيون، وفاكهة لبنان، بالإضافة إلى الحمّص بالطحينة وبابا غنوج والكبة النية".

أجمع النجوم الفرنسيون على إبداء إعجابهم بلبنان وبشعبه. قضت فرنسواز دولياك معظم أوقاتها على الشاطئ، ولم تترك الرمال الذهبية دقيقة، "رغم أن السماء كانت تمطر على نجوم الوفد الفرنسي بعض الشيء". وقالت فاليري لاغرانج إن ما لفت نظرها في لبنان "جمال البلد مع تهذيب ولطافة أهله"، وأبدت رغبتها في أن تذهب إلى الأرز في الرحلة المعدة، غير أنها تخلفت عن الموعد "بعدما أتخمتها التبولة والكبة النية". أعجب فيليب لامير بالكوفية والعقال، وشوهد وهو يجلس في بار فينيسيا مع المخرجين والمنتجين، "وكلهم بالكوفية والعقال في جو ألف ليلة وليلة". كذلك حيّا النجم الفرنسي ضيافة أهل لبنان الرائعة، وقال إنها دفعته إلى تأجيل موعد سفره مراراً.

يحضر شريط هذه الصور والوقائع حضوراً غرائبيّاً بالمقارنة مع صور الأيّام اللبنانية الراهنة ووقائعها المفجعة، لكأن البلد الذي كانه لبنان في الخمسينات والستينات، ليس لبنان اليوم في شيء، بل نقيضه تماماً. هوليوود اللبنانية الزاهية والمشرقة باتت جهنّم اللبنانية بمآسيها غير القابلة للاحتمال. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها