image
الإثنين 2022/09/19

آخر تحديث: 13:31 (بيروت)

بلال خبيز لـ"المدن": العالم لا يُحتمل من دون الخفة

الإثنين 2022/09/19 حاوره: محمد حجيري
بلال خبيز لـ"المدن": العالم لا يُحتمل من دون الخفة
أتوقع أن يحدث انفجار ما يعيد ترتيب هذا العالم المهجور الذي نقطنه
increase حجم الخط decrease
عن دار النهضة في بيروت، صدر كتابٌ جديد بعنوان "العالم وهو يهجرنا"، للكاتب والشاعر اللبناني بلال خبيز. يقدم خبيز نفسهُ عبر كتابه هذا، كما نقرأ في المقدمة، بصفته قارئاً يكتبُ أحياناً: "ما زلت أغذّي الأمل في أن يكون ما أقرؤه، وما أحب قراءته على وجهي التحديد والتخصيص، ما زال قادراً على التأثير في هذا العالم. الرجاء والأمل يبثان في نفسي شجاعة المضيّ قدماً، ومحاولة المساهمة في إحداث تغيير، فأنا أيضاً يحق لي أن أتنطح إلى مثل هذا الدور. لكنّني رغم فائض الأمل والشجاعة، أعرف جيداً أننا كائنات منقرضة، وقد يكون ما نكتبه ليس أكثر من صدى لأصوات غابت أو هي تحلق في الأثير هائمة منذ أزمان وأزمان".
والكتاب متشعّب الأفكار في مختلف المجالات والنواحي والمقاربات، سواء من خلال الحديث عن المدينة في زمن الحداثة، أو المواطن زمن الاستهلاك، أو الجسد في زمن الموضة أو الهوية في زمن العولمة. مكتوب بطريقة مكثفة ومجازية قلقة، بحس كاتب يعيش واقع التحولات والأزمات ويراها بأم العين. مع بلال خبيز، أجرت "المدن" الحوار التالي.. 

قبل أن تغادر لبنان، كنت مهجوسًا بمسار العولمة وعوالمها وإفرازاتها، وخصصت لها كتاباً بعنوان "العولمة وصناعة الأحداث الزائلة"، وانقطعتَ عن الكتابة لسنوات لأسباب قسرية وعملية ومهنية، وبعد عودتك للصحافة الإلكترونية وأنت في أميركا، عدتَ للكتابة عن العولمة وأفكارها ومفكريها واقتصادها وناسها ومدنها التي تشبه تقاطع طرق، والتي رغم طابعها التجاري، "لا ترحب بالغرباء"، وفي زمن الخيال الأميركي الذي "سيبقى متربعاً في أذهان البشر كلهم".. ما الذي يجعلك تختار العولمة أو إفرازات العالم الجديد موضوعاً لكتاب، أو بحث؟ هل هي غواية الكتابة أم العيش في هذا العالم؟

* أصدقُك القول إن ما دفعني حقاً للعودة إلى الكتابة كان سببه الأساس اندلاع ثورة 19 تشرين الثاني 2019 في لبنان. تلك الثورة، بما حملته من آمال وما أحاط بها من إحباطات، جعلتني أدرك أنني لا أستطيع أن أنجو بنفسي كفرد. لطالما كان أصدقاء لي يحثونني على العودة إلى الكتابة، وكنت أردهم خائبين بالقول: لم تعد ثمة وظيفة اجتماعية أو سياسية للكتابة. ويجدر بنا أن نحاول تعيين شعاب نجاتنا الفردية وعدم تضييع أوقاتنا القليلة في مقارعة طواحين الهواء. في تلك الثورة ومآلاتها، تنبهت جيداً إلى قصورها في التحضير للثورة، وإلى الأوهام التي تحكمها، كما حكمت ثورات الربيع العربي من قبل. فكرة العالم الذي لم يعد متسعاً للفقراء والهامشيين، هي فكرة ترسخت في ذهني خلال مراقبتي لمسار ثورات الربيع العربي ومذابحها. لقد أدار العالم ظهره لكل هذه المآسي، لأن هذه المنطقة وأهلها بالنسبة له، لا لزوم لوجودها، واختفاؤها من خريطة الأحداث يريح ضمير العالم ويخفف قلقه من تسرب بعض أمراضها إليه.

أما الإصرار على إعادة الكتابة في العولمة وآثارها، بعد نحو عقدين من صدور كتاب "العولمة وصناعة الأحداث الزائلة"، فمردّه في الأساس أن السلطات الحقيقية التي تتحكم بمصائرنا تقع في كنف هذه العولمة وتتنفس هواءها. ذلك الكتاب كان يحاول استشراف هذه المآلات والتأشير عليها، لكن المياه التي جرت في العقدين الأخيرين كانت غزيرة وكثيرة إلى الحد الذي يستوجب مني معاودة البحث من جديد والتأسيس على ما أنجزته العولمة وما قد تنجزه في القريب. وكل هذه الإنجازات يحكمها مسار تصاعدي يقضي بأن تطرد العولمة من كنفها كل من لا يستطيع أن ينجز فروضها. في كتابي الصادر مؤخراً "العالم وهو يهجرنا" تتقدم هذه الصورة بوضوح، الصورة التي توضح أن العولمة تنجز كل فترة من الزمن، طرد فئات وشعوب ودول وأفراد، من كنفها، فقط لأنهم لم يجتهدوا بما يكفي للبقاء فيه. العالم مع العولمة، صار أشبه بشقة للإيجار، عليك أن تدفع ما يتوجب عليك كل شهر ليتسنى لك أن تحتفظ بسريرك الضيق فيه.

-  ما الفرق بين الكتابة عن العولمة من بيروت وفي زمن الصحافة الورقية، والكتابة عن العولمة من أميركا ومدنها، وفي زمن الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي؟

* يمكنني قلب السؤال رأساً على عقب، ما الفرق بين صمتي طوال سنوات، أنا اللبناني المهاجر إلى أميركا "قسراً أو طوعاً لا فرق"، والكتابة عن العولمة خلال إقامتي في لبنان سابقاً، وإقامتي في أميركا حالياً؟ وجوابي هو التالي: هجرتي إلى أميركا استدعت صمتي. في بدايات أيامي هنا، تعثر أحد المصارف إبان أزمة 2007 و2008. المصرف بحد ذاته كان هائلاً، يملك أصولا بنحو 400 مليار دولار، وخوفاً من أن يحدث تعثره أزمة "محدودة بطبيعة الحال"، قرر مصرف شايس شراءه. وبما أن المصرف متعثر، أخذ المودعون يتهافتون لسحب ودائعهم، فما كان من مصرف تشايس إلا أن نشر عدداً هائلاً من لافتات الطرق يقول فيها جملة واحدة: "لدينا عشرة آلاف مليار نقداً، ومن يريد أن يسحب وديعته فليذهب إلى أقرب فرع". وكان أن هدأت عاصفة المودعين الذاهبين إلى السحب. هذه الحادثة، جعلتني أدرك أن ما نعرفه في بلادنا القصية تلك، عن أميركا، يكاد يكون مزيفاً برمته. نحن في تلك البلاد كنا نحسب أن تجارة السلاح هي التي تحرك الاقتصاد الأميركي، وهي تجارة لا تتجاوز في أحسن أحوالها المئة مليار دولار سنوياً. وكنا نظن أننا نستطيع أن نلوي يد الولايات المتحدة من خلال محاربتها على هذا الصعيد. في حين أن هذا البلد يملك من مقومات الهيمنة على العالم، ما يعجز خيالنا في بلادنا عن تصوره. كان لا بد لي أن أراجع مفاهيمي وقناعاتي لكي يتسنى لي أن أعود إلى الكتابة، مستفيداً من موقعي الذي نفيت إليه. وحين عدت إلى الكتابة، كنت أتوجه مرة أخرى إلى لبنانيتي، ذلك أن المهمة التي أظن أنها قيد الإلحاح اليوم هي كيف يبقى البلد وأهله؟ مثله مثل بلاد كثيرة أخرى في المنطقة وفي أماكن أخرى كثيرة من العالم.

وبودّي في هذا المقام أن أسرد سالفة أخرى. في العام 2019، اتصلت بي مؤسسة فنية تعمل في أوروبا الشرقية، وكان غرضها من الاتصال أخذ موافقتي على استخدام كتاب "العولمة وصناعة الأحداث الزائلة" الصادر العام 2003 كثيمة أساسية لمعرض فني يشارك فيه فنانون من المنطقة ومن أوروبا الشرقية نفسها. لقد انتبه منظمو المعرض إلى أن معظم أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، باتت في الراهن من الزمن، تشبه في وضعيتها بلادنا في بدايات الألفية الثانية، كما ورد وصفها في الكتاب آنف الذِّكر. أي أنها كانت تتراجع ولا تتقدم، رغم أن الوعد الهائل الذي حمله انهيار جدار برلين لم يكن أقل من دخول أوروبا الشرقية في العالم من أبوابه الواسعة، وترك من لا يستطيع اللحاق بهذا القطار على رصيف محطة التخلف والزوال. وهذا ما حدا بهم لاعتماد ما جاء في الكتاب كثيمة لمعرضهم الفني. مجريات الأحداث في العقدين الماضيين أثبتت أن صالون العولمة ضيق، ولا يتسع لكل الشعوب. وآجلاً أم عاجلاً سيطرد المزيد من الواقفين على أبوابه. 

- وأنت في أميركا تكتب عن أميركا، تكتب بوصفك أميركياً أم لبنانياً أم يسارياً أم مفكراً؟

* بوسعي أن أكون أميركياً، إذا كان تعريف الانتماء يعني الانتماء إلى فئة تعيش في ظل ظروف متشابهة وتواجه تحديات مشتركة. ثمة في أميركا أيضاً شعوب كثيرة تقع خارج مدار العولمة القشيب والمضاء. وأنا فرد من هؤلاء. وبوسعي ان أكون لبنانياً، ذلك أن البلد برمته لم يعد يصدّر إلى أبواب العولمة الموصدة سوى طالبي اللجوء. بكلام آخر، بتنا نصدّر هؤلاء الذين يحتاجون لإعادة تأهيل ومساعدة، تماماً كما لو أنهم الناجون من الكارثة والذين يستلزم ضمير العالم أن يساعدهم عبر المنظمات غير الحكومية. لكنني لست يسارياً بالمعنى الذي يذهب إليه اليسار اليوم، وربما ما ذهب إليه أمس أيضاً. اليسار اليوم لم يعد يملك ما ميّزه في بدايات نشأته، وأعني وعده للبشر بحياة أفضل وأكثر عدلاً. اليوم تنحو القوى اليسارية في العالم إلى تحذيرنا يومياً من مستقبل أسود ينتظرنا، وهي بهذا المعنى باتت محافظة أكثر من قوى اليمين. ثم، وما دمنا فتحنا صندوق باندورا اليسار، أود أن أضيف في هذا المجال ما يلي: بعض معضلات اليسار الحديث في كل العالم، يتعلق بكونه بات أكثر تطلباً للانتماء إليه من العولمة نفسها. وبهذا تحول أرستقراطياً ضيق الأفق والمجال. اليوم، لا تكون يسارياً إذا لم تكن تعرف تاريخ اليسار وأفكار بعض مفكريه، وبوسعك أن تدعي أنك تعرف وأنت لا تعرف. وفي هذا الاشتراط المعرفي، إخراج لفئات وطبقات وشعوب وأجناس من دائرته. يساريو اليوم هم المثقفون على ما عرفهم غرامشي وتابعه في التعريف آخرون، وصولاً إلى سارتر وإدوارد سعيد. وبالتالي صار هذا اليسار نخبوياً إلى درجة مريعة، ولم يعد المرء يطيق كل اشتراطاته المقيدة. والأهم من ذلك، يفترض يساريو اليوم أن لديهم مهمة لا غنى عنها، في حين أنهم على الأرجح بلا مهمة على الإطلاق. من قال للمثقفين اليساريين إن العالم ينتظر مشورتهم؟ هؤلاء باتوا يكتبون لأشباههم فقط، كما لو أنهم مآذن تتحاور فوق رؤوسنا. وباتوا ينشطون في مجتمعاتهم الضيقة، التي باتت أضيق من الطوائف، قديمها وجديدها. لا لست يسارياً، إذا كان هناك من يحتكر الانتماء إلى اليسار بضرورة نطق الشهادتين، وهما عند اليساريين أكثر من شهادتين. تبدأ سلسلتها من كارل ماركس ولا تنتهي عند نعوم تشومسكي. 
أكتب ما أكتبه بوصفي أقف على حافة الهاوية، وأحاول أن أمسك بأيدي الواقفين معي على هذه الحافة، علنا نستطيع أن ننجو من السقوط.

ما الذي تتوقعه من "عولمة أشمل" تدعو إليها، مع أنك تقول أيضاً إن "المتغيرات تشبه أحوال الطقس"؟

* ما حاولت تعيينه، من خلال هذه العبارة في الفصل الذي يحمل هذا العنوان، لا يتعدى فكرة بسيطة جداً. العولمة كسلطة لا رادّ لها، ومن شأنها أن تقرر كل مناحي حياتنا كأفراد، وحين تتقدم آلاتها وآلياتها تقنياً، تجبرنا على اللحاق بها تحت طائلة إهمالنا تماماً. وعليه، لا جدوى من مقارعتها، علينا أن ننضوي في غمارها إذا كنا قادرين على ذلك، وأن نؤسس داخل كنفها مجتمعاتنا الصغيرة، أو الكبيرة، التي تتيح لنا إمكانية التواصل، لا التجاور فحسب. حين تصبح فاعلاً أو مستخدماً في كنف العولمة، يمكنك أن تكون أكثر لطفاً وكرماً وتواضعاً مما هي حالك عليه وأنت خارجها. ذلك أن الخارج لم يعد يقترح علينا غير العنف الذكوري الخالص من كل شائبة، وسيلة للتعامل مع الآخرين. يستوي في استخدام هذا العنف، النساء والرجال على حد سواء. الدخول إلى العولمة هو شأن داخلي وخاص، لكنه منتشر بطريقة لا يمكن حصرها. كلنا أفراد في شبكة الإنترنت، وكلنا أفراد أمام سطوة الإعلان. وهو يخاطبنا فرداً فرداً، ونادراً ما يخاطبنا كجماعات. ونحن في استخدامنا لتقنياتها نتحول من حاملي سيوف إلى طالبي تواصل. هذا ينطبق على فتاة "تيك توك" التي تريد أن نتواصل معها لجمال ساقيها، وعلى مَن يُجرون نقاشات عميقة حول مصائرهم وهوياتهم وأفكارهم على الشبكة. وبالتالي، لا بأس ببعض الخفة، لأن العالم في حقيقة الأمر لا يمكن احتماله من دون الخفة، على النقيض من عنوان رواية ميلان كونديرا "خفة الكائن التي لا تحتمل"، ولا بأس أيضاً من محاولة التعرف إلى أشباهنا والتواصل معهم ومحاولة تبيّن طرائقهم ووسائلهم في مواجهة هذه التحديات الهائلة، علّنا نستطيع بالنقاش والتجربة، أن نجد موطئاً راسخاً في هذا العالم الذي أصبح سائلاً تماماً.

تقول "إن الخضوع أجدى من الثورة"، فأي ثورة تقصد، وأي ثوريين؟ وفي تكملة المقطع، تصف المتغيرات وكأنها فعل طغيان، "المتغيرات التي لا قدرة لنا كبشر حتى اللحظة في مواجهتها، وعلينا إما الاحتماء من سطوتها وشرورها أو تعويد النفس والجلد على احتمال قسوتها".

* هذه الفكرة تملك وجهين على الأقل وربما يجدر بي تبيانهما: الوجه الأول يتعلق بسلطة النقود الحاسمة على مناحي حياتنا كلها. ولأوضح: إذا كانت الشقة السكنية الصغيرة في مانهاتن تساوي قيمتها مئات آلاف الدولارات، فإن أمر محافظتها على سعرها هذا يستوجب أن تبقى نيويورك مستقرة أمنياً ومزدهرة مالياً. إذا حدثت اضطرابات طويلة الأمد في المدينة، سيتراجع سعر الشقة مئات المرات. هذه حال اختبرها اللبنانيون جيداً. ثمة تفريق يجب أن نقيمه بين الوفرة والثروة اليوم. قد تكون أفغانستان بلداً يتمتع بالوفرة، روسيا كذلك من دون شك، لكن أفغانستان وروسيا ليستا دولتين ثريتين. الثروة اليوم تنشأ من السمعة، وهذه تتطلب اشتراطات كثيرة لتتحقق. وحيث أن هذه الثروات تنشأ من العدم، ولا يمكن أن نقيّمها بأغراض وأدوات وآلات، فإن كل اضطراب في أي بلد من البلدان لا يلبث أن يدمر هذه الثروة بالتحديد. التظاهرات لن تجعل قطعة الأرض التي يمتلكها مزارع تتضاءل مساحة، لكنها ستجعل الإجاص الذي تنتجه كاسداً وأقل قيمة مما كان عليه من قبل. على هذا، ثمة في سطوة النقود هذه، ما يمنعنا من إطلاق الثورات وإعلانها، ويطالبنا بالخضوع على نحو لا نملك معه خياراً آخر. وعلى نحو ما ورد في الكتاب، فإن الثورة قد تكون ناجحة، إذا كان البلد الذي تقوم فيه أحداثها وتتناثر تداعياتها، لا يملك أصلاً ما يمكن اعتباره مندرجاً في خانة الثروات، ولو كان يملك ما يندرج في خانة الوفرة.

الوجه الثاني أعقد قليلاً من الأول وأكثر تشابكاً، ويتعلق بالمنحى الذي تدير العولمة فيه معظم شؤوننا. لن يجديك في وسائل التواصل الاجتماعي مثلاً أن تحفظ سرك. بل إن هذه الوسائل تحضك على اختراع قصص لم تحصل، كشف أسرار لم تحصل حوادثها أيضاً. ذلك أنك مدعو للتواصل في هذه البقعة الزمنية، ولست مدعواً لتحرير أوكرانيا بقوة السلاح. كل نشاط في كنف العولمة هو نشاط تواصلي. من خدمة الهاتف التي يقدمها المصرف إلى مشاهدة "يوتيوب". وعليك أن تفسح مجالاً لغيرك ليدلي بما لديه. لن تستطيع، حتى لو كانت سلطتك أقوى من سلطة أبو العباس السفاح، أن تمنع الآخر من إقفال نافذة المحادثة في وجهك، كما لن تستطيع أن تمنعه من قول ما يريد قوله لأنك تثرثر كثيراً وبصخب لا مثيل له، كما يفعل البعض على ناصية مقهى. في هذا العالم، لن تستطيع أن تثور، ذلك أن الثورة هي قطع تام أو شبه تام مع ما تثور عليه. وعليك أن تحسن التواصل مع الآخر والتواطؤ معه حتى لو كنت ممتلئاً بنفسك مثل تروتسكي.

ذات مرة، اختار الناقد والمفكر الأميركي مارشال بيرمان عبارة "كلّ ما هو صلب يتحوّل إلى أثير" عنواناً لكتابه، واختبار الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه "اللا أمكنة مدخلاً إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة" و"الزمن أطلالاً"، كعناوين لدراسات كتبها، مركّزاً على عبارة "ينبغي أن نُحْسِن النسيان كي لا نفْنى"! هل كتاباتك الجديدة تأتي كردّ فعل على الحداثة المفرطة، كردّ فعل على اللا-أمكنة، كبيان اعتراض على مدن لا ترحب بالغرباء على نحو ما كانت مدن الخمسينيات أو المدن الكوزمبولوتية، رغم أنك تدعو إلى الخضوع؟

* في أعمال مارك أوجيه تحضر الأمكنة بوصفها ساحات قتال الذكور. الأماكن التي يصح فيها استخدام السيف وتكون عامرة بالخطاب، أكثر مما هي مسكونة بالتواصل. الأمكنة هذه باتت فعلاً ساحات قتال من غير داعٍ على الإطلاق. منصات لاختبار السلطة الذكورية من دون أن يكون لاستخدام هذه السلطة ما يبررها. لكن هذه الأماكن، ليست كل الأماكن، ثمة البيوت التي من رحمها نقيم اتصالاتنا ونحادث أقراننا ونحصّل معارفنا، ونذرف دموعنا على مصائر الممثلين، ونتابع أخبار العالم منها. هذه الأماكن "الأثيرية" هي التي بتنا نقرر مصائرنا في دواخلها. وصحيح أن ما أكتبه يقع بعض جوهره في خانة التدليل على أزمة الحداثة العميقة. ذلك أن المدن هي درة تاجها، وقد باتت اليوم مصنعاً للعنف والعدوانية بلا حدود. المدن الحديثة اليوم، الكوزموبوليتية تحديداً، أصبحت مدناً تضيق بأهلها. والتفاوت فيها بات يطاول كل شيء. ذلك أن جوليا روبرتس "المحظوظة جداً" قد تحسدك وتكرهك إذا كانت عائدة إلى بيتها في سيارتها بعد يوم عمل شاق، وشاهدتك تدخن سيجارة على الرصيف غير آبه بما يحصل في الكوكب من مصائب وكوارث، وناسياً لوقت وجيز أن الأرض تكاد تحترق بسبب ارتفاع درجة حرارتها. وبهذا المعنى، أنت تكون متنعماً حين تنسى العالم وما فيه، وهذا يحصل في حيزك الخاص غالباً، وتكون بائسا كلما اضطررت لمواجهة العالم والتعامل معه.

المدن اليوم لم تعد تتيح ما ادعت أنها قادرة على إتاحته. لقد تحولت إلى أماكن عابرين ساخطين، ممر لفرسان مدججين بالسلاح وقد تدهس خيولهم كل ما يصادف وجوده أمامها. وعليه، أظن أنه من الضروري اليوم أن نجري نقاشات معمقة حول مستقبل هذه المدن، ومعضلاتها، قبل أن يفوت الأوان، والذي إن فات، لن يبقي لنا خيار بديل. 

مَن "العالم" الذي تقصده، ومن الـ"نا"، التي تنطق باسمها أو تتبناها، أو تتحزب لها؟

* العالم الذي أقصده هو عالم الدواخل هذا الذي أشرت إليه، والذي، يوماً بعد يوم، يجمع كل خيوط السلطة على حيواتنا في حواسيبه. أما مَن نحن؟ فليست الـ"نا" أقل من أنفسنا وتاريخنا وكل ما اعتقدنا أنه ثابت وصلب ولا يمكن تسييله أو تحويله إلى غبار.

ألا تتوقع ولادة عالم نقيض للعالم الذي يهجرنا؟

* أتوقع أن يحدث انفجار ما يعيد ترتيب هذا العالم المهجور الذي نقطنه. لكن العالم الذي يهجرنا قائم وحال وموجود، ويمد لنا لسانه كل لحظة، نحن الذين وجدنا أنفسنا متروكين على رصيفه.

تقول إن "الدول لم تعد قادرة على مجاراة القطاع الخاص في إنماء المدن، فتراجعت العواصم، حيث يكون دور السلطات حاسماً في النمو والازدهار وسيادة القانون، وتقدّمت المدنُ التي تحرّكها دوراتٌ اقتصاديةٌ معقّدة لاحتلال المراكز الأولى". باعتبارك تركّز على أميركا في كتابك، أليست الشركات صانعة المدن، هي نفسها الحاكمة، أو مندوبها ووكيلها هو الذي يحكم أو يدير الحكم؟

* أميركا مسألة معقدة، ولا يمكن تناولها على النحو الذي قد نتناول فيه فرنسا أو الصين. أميركا الدولة هي السلطة التي لا تستطيع العولمة المتحكمة شركاتها بحياة البشر، أن تواجهها. قصارى طموح أباطرة العولمة هذه، أن ينتخبوا حكاماً لهذه الإمبراطورية الكبيرة. غوغل أو مايكروسوفت مثلاً، شركتان أميركيتان، ويستطيع قاض فدرالي أو أمر تنفيذي يصدره الرئيس الأميركي أن يعطل كل أعمالهما. شركة هواوي الصينية مثال على سطوة هذه الدولة. الشركات التي تصنع السوفتوير الذي تعمل عليه كل شركات أشباه الموصلات الإلكترونية، هي شركات أميركية، وحين قررت الولايات المتحدة أن تمنع أي شركة في العالم تستخدم منتجات أميركية، أن تتعامل مع هواوي، خنقت الشركة وها هي تلفظ آخر أنفاسها اليوم بعدما كانت تبدو أكبر من سور الصين العظيم. لكن هذه الشركات المهيمنة على حيواتنا، تستطيع فعلاً أن تؤثر عميقاً في مصائر دول كبرى واقتصاداتها. إنما ما يمنعها من ذلك هو طبيعتها نفسها. ذلك أن هذه الشركات ليست أيديولوجية، ولا تطلب السلطة على مستخدمها، على العكس هي تستخدم الإغواء الأنثوي لتجرك إلى تجربتها. معظمها يقدم لك مادته مجاناً، وهو بذلك يغويك لاستخدامه، وكثير منها يحل لك مشكلات كانت مستعصية أو مكلفة الاستخدام، وهو يريدك، كائناً من كنت، أن تدخل إلى حضنه الوثير. وبالتالي فإنها لن تلجأ إلى رفع مهماز السلطة في وجه أي كان، ما لم تجبرها حكومة الولايات المتحدة على فعل ذلك.

مَن تشبه في كتاباتك؟

* قد أكون مزيجاً من كتّاب كثيرين، يمكنني أن أذكر من المعاصرين باش أمين أو برونو لاتور، ولا شك أنني أقيم وزناً لأعمال زيغمونت باومان وأولريش بيك. لكن هؤلاء لا يشبهونني ولا أشبههم. الأرجح أنني أشبه كاتباً روائياً يحاول أن يؤرخ تجربته في هذا العالم، والتي قد لا تكون غنية إلى حد إغراء أحد بمعاينتها.

ألا ترى أن الكتاب كان يحتاج بعض الهوامش لتسهيل القراءة؟

* هذا ما أحاول تجنبه منذ زمن. هذا الحديث نفسه انتهت صلاحيته ما أن قرأه أول قارئ. ذلك أنه أضاف إلى خبرته ومعرفته، لكنه تحور في دماغه على النحو الذي سيمكنه من إعادة إنتاجه بخطاب مغاير، يمت لهذا الحديث بصلة، لكنه لا ينطلق من الموقع نفسه الذي انطلق منه هذا الحديث. وبمعنى آخر، أنا أقرأ رولان بارت وأفهم مما كتبه ما يناسب اهتمامي ومزاجي. ولن أكون أميناً لما كتبه في أي حال من الأحوال. مع أن هذه الخيانة لا تعني في أي حال من الأحوال أنني لا أقدّره ولا أقرّ بأنني مَدين له. إذا كان هدف الهوامش هو الاعتراف بتأثير كتّاب آخرين في كتابتي، فأنا أدين لكتّاب لا يحصون عدداً. أما إذا كان إيراد الهامش يهدف إلى إقناع القارئ بأن ما أقوله لا أقوله وحدي، ونحن عصبة من الناس الذي يفكرون بالطريقة نفسها ويرون الرأي نفسه، فأنا أرى في هذا التهميش خيانة للذين أُدخلوا في تلك الهوامش.

بلال خبيز
شاعر وكاتب وفنان لبناني من مواليد العام 1963، عمل في الصحافة المكتوبة والمرئية، منذ 1987، وشغل منصب أمين تحرير "ملحق النهار" بين العامين 1993 و2008. كتب في دوريات عربية وأجنبية، وحاضر في جامعات ودور عرض أوروبية وأميركية وأسترالية ولبنانية. صدر له في الشّعر: "ربّما ذكرى هواء"، و"عن مرض والدي والحَرّ الذي لا يُطاق". وفي النقد الأدبي والفني: "في أن الجسد خطيئة وخلاص"، وأعمال أخرى، من بينها: "عنقي أرفع من شعرة" (بالاشتراك مع وليد رعد وطوني شكر)، "المعرفة لا تسبق الجهد" (عمل تجهيزي مصوّر بالعربية والإنكليزية). "الصورة الباقية والعالم الزائل" (بحث سياسي - فني - اجتماعي). وعمله، "التقدّم نحو الكارثة"، هو عبارة عن كتاب في النقد الفني السياسي، وقد صدر عن "دار النهضة العربية" في بيروت، وصولاً لكتابه الحالي "العالم وهو يهجرنا"...

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها