image
الأحد 2022/09/18

آخر تحديث: 07:56 (بيروت)

لندفن الملكة والمَلَكية

الأحد 2022/09/18 محمد صبحي
increase حجم الخط decrease

"الملكة ماتت"، أعلنها موريسي، المغني الرئيسي لفرقة الروك البريطانية The Smiths. كان ذلك عام 1986. والآن، بعد عمرٍ كامل تقريباً، تحقق الأمر. في الثامن من أيلول الحالي، أعلن السكرتير الملكي الخاص عن وفاة الملكة البالغة من العمر 96 عاماً في اتصال هاتفي مع رئيسة الوزراء الجديدة ليز تراس. غطّت أخبار الوفاة على ما عداها، في ذلك اليوم، حتى في منطقتنا المنكوبة بما هو أقسى وأفدح من موت ملكة بعيدة. العالم كلّه في حداد، يقول عنوان رئيسي لإحدى الصحف الرائجة. والأهم من ذلك، في بلدان الكومنولث، التي حكم عليها التاج البريطاني ذات يوم وكانت المرأة العجوز بملابسها الملونة الزاهية لا تزال هي الزعيمة الفخرية/الاسمية لتلك البلدان.

عشرات الملايين من ضحايا الحكم الاستعماري البريطاني في إفريقيا والهند، والتاريخ العنيف لتجارة الرقيق البريطانية والإرث المسموم للرأسمالية البريطانية المفترسة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر. كل هذا يتلاشى تحت تأثير الكومنولث، المصطلح نازع الفتيل المستخدم لنقل هذا الإرث الدموي من التاريخ إلى القرنين العشرين والحادي والعشرين.

صحيح، سقط نُصبٌ تذكاري لتاجر عبيد في بريستول في نهر أفون قبل عامين، في أعقاب الأعمال الاحتجاجية المندلعة بعد وفاة جورج فلويد ومن ثمّ صعود حركة "حياة السود مهمّة"، لكن هذا الفعل ظلّ مجرد بدعة وموضة عابرة من أفعال "الصحوة" (مصطلح يشير، في سياقه الأنغلوساكسوني، إلى تيار التنبيه إلى الظلم في المجتمع وخاصة العنصرية، لكنه في الوقت ذاته ولّد رافضين كثراً بسبب ما اعتبروه تطرّفاً يسارياً في طرقه ومناهجه). إلى الآن، لا يزال ضحايا التاريخ العنيف لـ"الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" يشكّلون عبئاً أخلاقياً ضخماً على كاهل الأمة البريطانية. ولا يزال الاعتذار الرسمي والكامل عن جرائم القتل الجماعي (التي طاولت سكّان أيرلندا المجاورة أيضاً في القرن التاسع عشر) معلَّقاً.



لا يمكن توقّع أو قبول مثل هذا الاعتذار من شخصيات متواضعة سياسياً وأخلاقياً كتلك التي تتولّى منصب رئاسة الوزراء في الجزيرة. كان يُفترض أن تكون صاحبة الجلالة هي الشخص المناسب للتحدث أخيراً بكلمة صادقة من الاعتذار والندم، وقبل كل شيء، العار. ليس أقله أنها أقامت في قصورٍ كان ثراؤها إلى حدّ كبير نتيجة لعائدات نهب الشعوب الأخرى. لكن عهد إليزابيث الثانية، ثاني أطول عهود الملوك في التاريخ الحديث، مرّ دون محاولة لطلب الغفران وطيّ صفحة الجرائم الاستعمارية، وهو إغفال بائس وحقير من جانب النظام الملكي. وليس الوحيد.

*


في كتابها الصادر عام 2018، بعنوان "ماذا بعد الملكة؟ العائلة المالكة الإنكليزية بين بوليفارد وقصر باكنغهام"، تصف الصحافية الألمانية مارييل هوبنر صاحبة الجلالة بأنها "امرأة مشهورة مثل ميكي ماوس". وبالفعل، أصبحت إليزابيث وندسور رمزاً لثقافة البوب ​​بالإضافة إلى كونها قطعة ثابتة في قلعة الملكية و"الثقافة العالية" العائشة في زمن غيرها.

فكّر، على سبيل المثال، في الفضيحة التي تسبّبت بها فرقة Sex Pistols بأغنيتها "حفظ الله الملكة" في عام 1977 احتفالاً بالذكرى الخامسة والعشرين لتولّيها العرش. أو المطبوعات الملونة، لا تقدَّر الآن بثمن، التي رسمها آندي وارهول لإليزابيث مرتدية تاجها الملكي. أو في مسرحية النمساوي توماس برنهارد "إليزابيث الثانية"، حيث تريد الطبقة العليا النمساوية المجتمعة في حفلة مسائية في فيينا أن ترى الملكة أثناء زيارتها الرسمية: أثناء مرور موكبها، يتجمّع الحشد الحافل فى الشرفة، والتي، في لحظة ما، تنهار بسبب التحميل الزائد ويقضي جميع أبناء الطبقة العليا نحبهم قرباناً مجانياً لرؤية الملكة.

أمثولة ساخرة ووحشية لبرنهارد، ابن الطبقة العاملة، عن المصير الذي تستحقه المجتمعات الطبقية على أبعد تقدير في القرن الحادي والعشرين. كما بالكاد يحتاج المرء إلى تأكيد، فإن اللا توازن وعدم المساواة بين المتساوين (أقلّه على الورق)، الذي يُنظر إليه كمُعطى وغير قابل للتغيير، لا يُعثر عليه بشكل رمزي في أي مكان أوضح مما في استمرار الأنظمة الملكية، جنباً إلى جانب الجسم الأرستقراطي المرتبط بها.

لحسن الحظ، أُرسل الملوك والملكات في مناطق عديدة من العالم إلى خانات التاريخ، لكن في بريطانيا العظمى - كما تحبّ أن تكون - يمكن للمرء الملاحظة بطريقة نموذجية في فجاجتها كيف تدعم المؤسسة الملكية الظلمَ الاجتماعي المتزايد، حيث تتحد الطبقة العليا في لندن وكذلك الطبقة الدنيا في الغيتوهات الاجتماعية في الشمال في حدادٍ مشترك خلف الملك الجديد تشارلز الثالث، لأنه لا يوجد شيء أكثر تسبيباً وإقواءً لمبدأ الملكية أكثر من استمرار التاج من خلال الخلافة.

اهتمت فقط بالمخلوقات الماشية على أربع
ربما يتغيّر كل شيء في العالم، ربما تتغيّر البيئة المعيشية المألوفة في أماكن أخرى تشبه سوء أوضاعنا وأحوالنا بحيث يتعذّر التعرّف عليها خلال جيل واحد، لكن يبقى شيء واحد أبدياً: التاج. ومعه، إلى جانب استمرار عدم المساواة، القومية.

*


لكن هل هذا منصف؟ ألا يستحق شخص مثل صاحبة الجلالة، خاصة في حضرة الموت، الرحمة أيضاً، فكلنا بشر في الأخير؟ لا شك في ذلك، خاصة إذا صدقت الشائعات القائلة بأن إليزابيث كانت تحبّ الرقص على أغنيات الفرقة السويدية آبا Abba عندما تكون بمفردها. وراء المَلَكية بامتيازاتها العديدة يختفي حتماً الإنسان الجدير بالشفقة الذي كان من سوء حظّه أن يولد في دورٍ يحدّده الآخرون، ولا مهرب منه طوال حياته. لم تكن الصغيرة إليزابيث ألكسندرا ماري ابنة آل وندسور متجهة بأي حال من الأحوال لتولّي العرش الإنكليزي يوماً ما.

بعد وفاة جورج الخامس، كان دور ابنه إدوارد الثامن لاعتلاء العرش، لكن لاعب التنس الشغوف تخلّى عن منصبه كوريث للعرش في العام 1936، في لفتة رائعة، من أجل الحبّ (أو بدافع غياب المسؤولية، في الرواية الملكية). لذلك وجد والد إليزابيث نفسه على العرش كرهاً باعتباره الملك جورج السادس (رغم عديد الشواهد والمعطيات التي لم تؤهله لهذا المنصب)، وحين وفاته في العام 1952 كان عليها أن تخلف والدها. كانت إليزابيث تبلغ من العمر 26 عاماً فقط عندما بدأ حكمها المؤبَّد. بالقدر المبكر نفسه، تزوّجت في سنّ 21 من فيليب مونتباتن، الذي التقته لأول مرة حين كانت لا تزال في الثالثة عشر من عمرها.


هذا الأخير يحمل هو الآخر تاريخاً لافتاً، فهو وُلد وعاش بريطانياً، وكان أمير اليونان والدنمارك، وجاء من سلالة نبيلة في شمال ألمانيا. حقيقة أن نصف الدماء الزرقاء للعائلة المالكة البريطانية كانت ألمانية منذ العصر الفيكتوري - إذا تمسّك المرء بمثل هذا التفكير البيولوجي - هو أحد الأسرار القذرة للعائلة الملكية الإنكليزية. لما يقرب من 75 عاماً، كان فيليب هو الممثل المساعد في دوره القسري "للزواج السعيد"، الذي انعتق منه، على الأكثر، في شكل تعليقات غير صائبة سياسياً. النكتة القائلة بأن زوجته اهتمت فقط بالمخلوقات الماشية على أربع تحتوي على قدر كبير من الحقيقة. كان فيليب يلمّح إلى شغف إليزابيث بتربية الفحول النبيلة والكلاب من فصيلة كورجي قصيرة الأرجل، والتي يقال إنها تتغذى على الكعكات (كعك الزبيب تحديداً) مع الكريمة المتخثرة ومربّى الفراولة.

*

من بين الألقاب العديدة التي حملتها إليزابيث - "صاحبة الجلالة بعناية الربّ ملكة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية وممالكها وأقاليمها الأخرى، رئيسة الكومنولث، المدافعة عن الإيمان" - لقب "جدة أوروبا" الممنوح لها غالباً من الصحافة الموالية للملكية والعائلة المالكة. والواقع، أنه منذ "البريكست" لم تبتعد أوروبا عن الركب في المملكة المتحدة، التي كانت قد اقتربت بالفعل بشكل خطير من الهاوية قبل الأزمة الحالية بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي وإخفاقات سياسية كارثية أخرى.

حقيقة التزام إليزابيث الصمت حيال كل هذا، كما يُملي دورها، كان فشلاً رأسمالياً آخر للنظام الملكي البريطاني. في هذا الصدد، من المنطقي أن يكون آخر عمل رسمي لها هو إقرار تنصيب الحرباء السياسية إليزابيث تراس كرئيسة للحكومة، التي ربما تكون أكثر من ابتهج لموت الملكة العجوز، لأن الهرج اللاحق لوفاتها يصرف الانتباه عن سوء الإدارة الصارخ لقيادتها السياسية.

تميل الروابط الأسرية لأي مَلَكية وراثية إلى التدرُّع بصلابتها، البادية لناظر على الأقل. وباعتبارها الرأس الصارم والمحبّ للعائلة المالكة، ترأسّت الجدة إليزابيث عائلة مُرقّعة، عند تفحصّها دقيقاً، يظهر تفسُّخها منطقياً وطبيعياً: حفلات زفاف أسطورية تفضي بشكل مباشر وحتمي إلى زيجات غير سعيدة؛ حتى أن الوريث الجديد للعرش نال نصيبه منها بالموت المأسوي لزوجته في حادث سيارة مع عشيقها. تشارلز، الذي صار ملكاً، يُزعم أن ابنه الثاني (هاري) من الأميرة ديانا ليس من صُلبه حقاً، وزوجة هذا الابن المشكوك في نَسَبه، وهي أميركية مختلطة العرق ومطلّقة سابقاً، أبلغتْ عن ملاحظات عنصرية بحقّها من الدائرة الداخلية للعائلة المالكة؛ بالطبع مع اهتمام إعلامي من أحد المؤثرات في الرأي العام بحجم أوبرا وينفري، التي، بالمناسبة، أجبرت مؤخراً على توقيف عملها بسبب دعاوى متعلّقة بـ"الصحوة" والعنصرية و"ثقافة الإلغاء" وأمور أخرى يختصّ بها الجانب الآخر من العالم.

فرد آخر نبذته العائلة المالكة، بعد شائعات عن علاقات مريبة ومشينة، هو أندرو، الابن المفضّل للملكة. أو بتعبير أدّق، ابنها المفضَّل السابق. لأنه منذ أن تبين مغتصباً متسلسلاً للفتيات القاصرات، أصبح شخصاً غير مرغوب فيه. ولكن هناك خرافاً سوداء في كل عائلة، حتى لو لم يكن لدى كل منها تلك الهالة أو الوسائل المالية لتجنّب الملاحقة القانونية من خلال تسويات خارج المحكمة.

*

لم تكن أغنية The Smiths الرائعة من العام 1986 حول موت الملكة، تتعلّق بأي حال من الأحوال برغبة فعلية في حدوث أو تقريب ما لا مفرّ منه، على الرغم من أن الفرقة، القادمة من بيئات الطبقة العاملة، كانت معارضة للنظام الملكي. لكن الأغنية هدفت وتمنّت اختفاء افتتان وسائل الإعلام بالعائلة المالكة. لأنه، كما قال موريسي، "كل شيء يبدو وكأنه نكتة. نكتة بشعة". في ضوء وفاة إليزابيث الثانية، لا يمكن قول شيء أكثر ملاءمة عن النظام الملكي، الذي يستحق نهايته المحتَّمة والمتأخرة في القرن الحادي والعشرين على أبعد تقدير.

(*) غدا الوداع الأخير للملكة البريطانية الراحلة اليزابيت
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها