image
الجمعة 2022/09/16

آخر تحديث: 13:24 (بيروت)

صور ورسائل من غبار... غادة الصايغ ومحمد سويد

الجمعة 2022/09/16 المدن - ثقافة
صور ورسائل من غبار... غادة الصايغ ومحمد سويد
عين سعاد حسني.. في البداية كانت الصورة
increase حجم الخط decrease
"أنت تعرف شعور شيء تتذكر نصفه

شيء لم يحصل قط لكنك تتذكره جيداً

تعرف شعور التعرف إلى أحد

لم تقابله قط على حدّ علمك

لورا هي الوجه في الضوء الضبابي

صوت خطى تسمعها في البهو

الضحكة التي ترفرف في ليلة من ليالي الصيف

التي تعجز عن تذكرها بوضوح

وترى لورا على متن القطار الذي يمرّ

هاتان العينان، كم تبدوان مألوفتين

أعطتك قبلتك الأولى

كانت لورا لكنها مجرد حلم[1]"

 

بيروت، 28 يناير 2022

 

عزيزي محمد

من أين أبدأ هذه الرسالة؟ كيف أتكلم عن حب مطلق يسافر منذ فيلمك الأول حتى الأخير، أو العكس بالعكس؟ أي لغة أستذكر لمخاطبتك ولمخاطبة أفلامك السينمائية؟ بأي كتابة مرتجفة أعبّر عن هذا الولوج المميز الذي يُفتح، بين الصور والكلمات، من فيلم إلى آخر، منذ "غياب" (1990) إلى "يوم بلا غد" (2022)؟

 

الجملة التي تختم فيلمك الأخير تُلفظ كارتقاء من بعد الموت، وتلاقي رحلة ليونارد كوهن الذي تُرنّم أغنيته "راقصني حتى نهاية الحب" طوال هذه الرحلة المجبولة بالحنين: "يا ريت فيي سافر خفيف من آخر فيلم بعملو لأول فيلم ما قدرت أعملو"؛ فيما أن الصورة الأخيرة تقلع على متن طائرة ليلية كي تلامس النجوم- التي حلمت بها سعاد حسني والتي انضمت إليها في النهاية. هذا الهروب السماوي يسمح بإلقاء نظرة قريبة وبعيدة على أراضي الحياة والسينما، التي تسافر فيها أكثر مما إلى أي بلد آخر في العالم، كي تغني بداية و/أو نهاية حب. المشاهد الأولى من فيلم غير مكتمل تفصلها فسحة تمتد على أكثر من 20 عاماً عن مشاهد فيلمك الأخير، ويحملها عدم الاكتمال نفسه. استغرقت كل هذا الوقت لتتشكل وتصبح هذا الفيلم-المجموع أي "يوم بلا غد"، ليس كرقعة تطريز تُخاط تدريجياً، لكن كأغنية حزينة يتخللها صمت، كصمت مرجان التي تغني لك لحناً فارسياً قبل أن تنسى كلماته، أو المغني الذي يستمع إليه فادي أبي سمرا والذي يوحي صوته بأنه يوشك على البكاء من دون أن يتمكن من ذلك.

 

مرجان

"تذكرت كم كلمة وسكتت"

 

يمكنني أيضاً أن أستهلّ بهذا المحور الذي تبدأ وتختم به السرد، الذي ينبسط مع أصداء بعيدة وقريبة مع "تانغو الأمل" (1998) أحد أفلامك الأولى: "في البداية كانت الصورة، في البداية كانت الكلمة". أو بتلك القصص التي يحكيها/يغنيها أصدقاؤك، الذين تهديهم من جديد هذا الفيلم، هذه المشاهد وهذه الكلمات ببادرة حب غير مشروط.[2]  هذه الانطلاقة الجديدة للسرد تحصل في منتصف الفيلم، في خضم رحلة لا بداية ولا نهاية لها في متاهات السينما والحب اللامتناهي. "بدّك خبّرك قصة تتنام؟" من خلال الحلم يمكن أن تتم هذه الرحلة، رحلة الحياة ورحلة السينما، كلتاهما مترابطتان؛ ومن كاميليا وسعاد حسني يبدأ كل شيء ويبدأ من جديد، شخصية حقيقية ووهمية، امرأة  وممثلة، الأصل والنسخة اللتان تنقسمان من فيلم إلى آخر، واللتان تتضمنان كل الحب وكل السينما. أحببت أن تقول "كاميليا الحقيقية" في "تانغو الأمل" للإشارة إلى هذا التناقض الذي يجعل من أفلامك الأصل والنسخة في آن واحد، قصيدة القصيدة، مشهد المشهد، كتلك المشاهد التي تحب التقاطها وتكرارها، مشاهدك، مشاهد السينما المصرية، وأيضاً السينما كلها.

 

عين سعاد حسني

"في البداية كانت الصورة"

 

كاميليا/ميرنا

"في البداية كانت الكلمة"

 

 

غالباً ما تساءلت من دون الإحساس بالحاجة إلى جواب، أي شعور تولّده صورة أو صوت من الماضي؟ في أفلامك، تتكاثر إلى اللانهاية، يُعاد استخدامها بحركة ملؤها الحنين التي تعود إلى هذا الأرشيف الذي تم استحضاره: مقتطفات مرئية و/أو سمعية، أغان، صور ثابتة، متحركة، بورتريهات ممثلين وممثلات،  كلها تخالط صورك الخاصة، التي تتكرر أيضاً من فيلم إلى آخر. كيف تنتقل قوام هذا الأرشيف وطاقته، وبالأخص، كيف يتم اللقاء مع هذه النظرات، هذه الحركات وهذه العواطف؟ أظن أنني لطالما رأيت أو شعرت بهذه النظرة المغرمة والحزينة التي يتم تخيّل كل شيء من خلالها: "قبلة النظر"، كنت تقول مخاطباً تلك القاعات السينمائية التي زالت عن الوجود والتي تسكن أفلامك أيضاً: "في العربية كلمتان متلازمتان أحبهما كثيراً في مديح الأمكنة: قبلة النظر. صالات بيروت الراحلة كانت قبلات نظر في كل ساحة وشارع من أرجائها (...) أمبير بوابة الجميزة قبلتي أنا، ففيها شاهدت أول فيلم في حياتي، وبضوئها اغتسلت عتمتي، وفيها كانت قبلتي الأولى ولم أدر أنها كانت قبلة وداع فحسب."[3]

 

سينما كومودور"

"تفلّي؟ ليش تفلّي؟"

 

سينما أمبير

عشق السينما (cinephilia) هو الأساس، حب جنوني للسينما، لقاعاتها، للأفلام التي شاهدتها مرة وأكثر، وأيضاً لمادة الفيلم التي كان لا يزال في وسعك أن تلمسها أمس. تعتبرها كشيء حيّ، مزوّد بعواطف، "متل البشر بحاجة يتغنج، بحاجة ينحب". حتى إن هذا الفيلم "بي غار من يلي جويتو، من بوسة، من عبطة، من تنين نايمين مع بعض". وكأي شيء حيّ، هو يدرك نهايته: سينما لا تنفك تزول، تسكنها أشباح من النور التي ترقص في العتمة. وحدة الممثلين والممثلات هي أيضاً وحدتك، وحدة نورما ديزموند في "سانسيت بولفار" (1950) للمخرج بيلي وايلدر، التي نسمعها في "يوم بلا غد" تبكي على موت السينما الصامتة ("أنا كبيرة، الصورة أصبحت صغيرة"). أنت من عرف السينما قبل زوالها، سينما القاعات البيروتية العديدة التي تحبها كثيراً، وأيضاً جهاز موفيولا الذي سمح لك بلمس السينما. تقول منذئذ: "انفجار الصورة، الصورة وين ما كان بس ما تتسطع"

 

كاميليا "تانغو الأمل"، 1998"

 

"بزعل إنّو السينما متل ما تعلمتا وشتغلتا خلصت"

""يوم بلا غد"، 2020"

 

"الفيلم متل البشر، بحاجة يتغنج، بحاجة ينحب"

كاميليا، "يوم بلا غد"، 2020"

 

هذا الانفجار هو أيضاً انفجار القلب، الذي لا يستطيع تحمل هذا الحب الذي لا يمكن قياسه لكاميليا وسعاد حسني، منهما أيضاً يبدأ السرد. جالسة في غرفة معتمة، قرب صورة مكبّرة لعين سعاد حسني، يبدأ الفيلم بـكاميليا/ميرنا (وسعاد)، التي تحكي عن وحدة الشيخوخة التي تُبكيها بكاء شديداً. "العمر بيخلص، الفيلم ما بيخلص"، نسمع بصوت الراوي، فادي أبي سمرا الذي يتكلم من جديد (كما في فيلم "حرب أهلية"، 2002) باسمك، على صورة شابة باكية. لأن هذا الحب الخيالي لا نهاية له: امرأة/ممثلة لا يمكن لمسها، كاميليا/سعاد هي أيضاً صورة، أيقونة ننظر إليها، ولا يمكنها أن تكون من لحم ودم، كالحب الذي لا يمكن ممارسته. "هل يمكن أن تكون المرأة بجمال الصورة؟ هل يمكنها ألّا تُنتسى كأغنية؟"، تتساءل لورا في فيلم "ليفل 5 " للمخرج كريس ماركر (1997)، والتي أطلق عليها هذا الاسم عشيقها الراحل، بعد فيلم "لورا" للمخرج أوتو بريمنجر، "قصة الشبح الأخرى"، (يشير ماركر). قصة محقق يقع في غرام امراة متوفية، أو بالأحرى يقع في غرام صورتها، لوحة تحيا، أمام ناظريه، امرأة تخرج من الصورة. هل يستطيع المرء أن يقع في غرام  صورة؟ هل تستطيع هذه الصورة أن تحيا؟ الذي تزوج من كاميليا، تلك الشابة الفاتنة التي يحكي لنا قصتها فادي أبي سمرا (بالصورة هذه المرة)، لم يستطع تحمل لمس هذه الأيقونة. خوفاً من أن يموت من الحب، من حب يقتل، يفضّل الانفصال عنها، لكنه لن يحب غيرها طوال عمره. ستعود وحيدة إلى تلك الشرفة التي تطلّ على الوادي، وهي تتأمل العالم، من دون أن تستطيع لمسه.

فادي"

"ما بقا فيني عيش معا لإنو حاسس حالي ح ينفجر قلبي"

""ليفل 5"، كريس ماركر، 1991"

 

""لورا"، أوتو بريمنجر، 1944"

 

هذه الرسالة قد تبدأ أيضاً بدموع تامر السعيد، المخرج المصري لفيلم "آخر أيام المدينة" (2016)، فيلم آخر عن الخيبة، والذي يبكي عند ظهور سعاد حسني خلال تصوير فيلمه عندما كان لا يزال طالباً، أو عندما يسمع صوتها عبر الهاتف. عند سماع هذه القصة، هذه المرأة التي تخرج من الصورة، تمتلىء عينا أستاذه بحزن لا عمر له، حزن يختلط بدخان سيجارته المتراقص. هذه الظلال المتراقصة هي أيضاً الظلال التي تعزي كاميليا/ميرنا. وحيدةً يوم عيد مولدها، تحتسي الكحول حتى الثمالة وهي لم تعتد الشرب، وتضيء الشموع التي تكشف فجأة ظلال تماثيلها الصغيرة على جدار شقتها في دبي. تغيّر وضعيتها، عندئذ النافذة التي كانت تطلّ على جدران المدينة، أصبحت تطلّ على منظر جديد، على آفاق جديدة. نقل النظر، للرؤية بشكل أفضل، والقبول ببداية ونهاية حب وحياة يبدأان من جديد.

 

تامر"

"كما لو كان على وضن حزن قديم"

 

كاميليا/ميرنا"

"كان لذيذ هيدا الاكتشاف، إنو ما بطلّ عل حيط

بطلّ عا شي أبعد"

 

بداية أو/و نهاية؟ الرحيل أو/و البقاء؟ كيف نقرر الرحيل الذي لا يمكنه أن يكون إلّا عودة دائمة، في هذا العالم ذي الطابع المؤقت المقلوب، حيث ينتهي كل شيء ويبدأ من جديد. لا نرحل عن بيروت ببساطة، وبيروت لن ترحل عنا أيضاً. كاميليا/ميرنا تعرف ذلك عندما تذكر إمكان العيش في كندا، رحيلاً تعجز عن تقريره. يوم عيد مولدها الذي يُبكيها بشدة هو "يوم بلا غد"، عنوان فيلمك يا محمد، وأيضاً عنوان أغنية لفريد الأطرش وفيلم للمخرج المصري هنري بركات (1966). هذه الأغنية عن القلق من التقدم بالسنّ، الذي يجعلك تخشى ألا تتمكن من إخراج فيلم بمستوى "تانغو الأمل"، يحكي عن هذا اليوم الذي يعود، الذي عشناه ولا نزال نعيشه، والذي يجعل من حياتنا وهماً، سراباً.[4] "شو هنّي العشرة أو الخمسين أو التسعين سنة بكوكب عمرو ملايين؟"، تتساءل من خلال "أحاديث الغبار" هذه التي تُكتب بالطبشور وهي مهددة بأن تُمّحى. هذا الغبار نفسه الذي يغطي أشرطة الأفلام في قاعات الأرشيف، يبدو أنه بالنسبة إليك أصل كل شيء. هو يتلف الفيلم ويحميه، شغف لا نهاية له يهدّد بتدمير الكائن الحبيب، كما تحكي لصديقتنا كارين.

 

"الغبار في الأساس هو أصل الكون، قال لي المخرج والكاتب محمد سويد في حديث غير رسمي. الغبار يعني الأسرار التي في إمكانها أن تظهر حين أحاول استنطاقها، حتى أصل إلى علاقة ممكنة مع الكون الذي أعيش فيه. فإذا أراد الغبار أن يتحدث، هل سوف يعبّر عن حنين لما قبل الانفجار العظيم وتشكيل الكواكب، أم أنه يعيش فقط في الزمان والمكان الحاليين؟ يضيف: يمكننا القول إن الغبار هو الشيطان. لكن في الواقع، أنا مقتنع بأن الغبار يحمي الفيلم، يكسوه بولع كبير جداً حتى إنه يلامسه، ويلتصق به. لأن الغبار يحمل الكثير من الشغف، ولا بدّ من أنه سيقتل الفيلم المحفوظ في الأرشيف. قال إن كثرة الشغف تؤدي حتماً إلى الهلاك. في الواقع، قد لا يحمل لقب العدو، إنما الحبيب الذي لا يمكن تحمّله".[5]

 

حديث الغبار

 

هذا الحب الذي لا يُحتمل والذي يقبل بتدميرنا، هو من دون شك ما يحفظ كل جزيئات الصورة والصوت والكلام هذه، التي تؤلفها وتعيد تأليفها من فيلم إلى آخر، والتي لا نملّ من مشاهدتها مرة وأكثر حتى نكاد نتلاشى أيضاً. لكن ما هي حياة أو فيلم من دون هذا الشغف الذي يحيي ويقتل في آن واحد، باستمرار؟ لربما كل الصور ورسائل الغبار هذه ليست إلا انعكاساً لحياتنا التي نحلمها أو نحياها بلا كلل.

مع محبتي لك

غادة الصايغ

 

 

 

دبي، 19 فبراير 2022

عزيزتي غادة     

    لزمني وقت طويل للردّ على رسالة بسخاء رسالتك. رغماً عني، قلت لنفسي إنه ما من شيء أضيفه، بما أن كلماتك أثّرت بي بقدر ما عكست كآبة جو أفلامي.

تتطلب الكتابة بشكل عام مستوى معيّناً من الانضباط الذي يتضح أنه ضروري إذا شاء المؤلف أن يبرز ككاتب خلّاق. في هذا الأمر الكثير من التهاون؛ مع ذلك، إن الكتابة مهمة دقيقة تستحوذ الكثير من الوقت وتتطلب محاربة كياننا وشياطيننا الخفية ورغباتنا غير المعترف بها، ناهيك بالجهد المبذول لصوغ أسلوب فريد من نوعه. إنها باختصار عمل سرّي يتطلب العزلة، قبل الكشف عن العمل النهائي ونشره. ما إن تكتمل المهمة،  بانتظارنا معركة أخرى: العودة إلى الحياة الطبيعية. في هذا الإطار ومهما كانت نتيجة العملية الإبداعية، نكتشف على مرّ الزمن أنّ نوعين  من الذاكرة قد تَشَكّلا: الذاكرة المحفوظة في النسخة النهائية لعملنا المادي، والذاكرة التي ترسبت في اللاوعي خلال مراحل إنتاج هذا العمل. لا يتعلق هذا الاستنتاج بالكتابة فحسب، بل ينطبق أيضاً على إخراج الأفلام كما على نشاطات فكرية وفنية أخرى.  بالتالي، نجد أنفسنا أمام واقعين: من جهة، ذاكرة مكتملة؛ ومن جهة أخرى، ذاكرة لم يتم إدخالها إلى المنتج النهائي وهي لا تنفك تغازلك بهدف إغوائك، وتقترح عليك بخبث أن تفكري في سبر الذاكرة المكتملة وذلك من خلال محاولة جديدة. في ما يتعلق بي، تُطرح المعضلة ما إن نكمل كتاباً أو فيلماً. عندئذ نعترف على الفور بأن الكتاب/الفيلم وُلد، وأنه يجب إبقاؤه على قيد الحياة في الأرشيف، أكان على رفّ أو في السحاب (الكلاود). عاجلاً أم آجلاً، نجد أنفسنا أمام واجب الحفاظ على "جسد" الذاكرة المكتملة في الظروف الأكثر ملاءمة لتأمين استمراريتها- أو لضمان وجودها من بعد رحيل مؤلفها. وعاجلاً أم آجلاً، نُصاب بهذا الشعور وهذه الواقعة المروّعين: تَحَوّل الجسد المذكور إلى ذكرى بعيدة نحاول إحياءها باستفراس، مراراً وتكراراً. هذا قد يفسر مثلاً إعادة إنتاج أعمال سينمائية وتلفزيونية في نسخ معاصرة، وإعادة إصدار الكتب. أعرف أنه يجب ألا يكون لدي أي سبب لرفض الحفاظ على أفلامي. لكن علي الاعتراف بأن فكرة الحفاظ على الأرشيف تخيفني. يُخيّل إلي أنها كالعلاجات المخصصة لحفظ جثث الموتى. إن سحب فيلم من هذه المشرحة يثير حتماً أكثر المشاعر حميمية التي قد تتملكنا. لكن للتغلب على أي شعور بمعالجة هذه المادة كجسد كامل بلغ نهاية حياته، أحاول بشكل عام أن أضيف ذكرياتي الشخصية المتعلقة بهذه المادة، وأن أضيف إليها قصصاً ليست مرتبطة بها بالضرورة، لكنها ستعطيها شكلاً جديداً  بالتأكيد. تعرفين أنه من عداد الأدوات المتوافرة لدى عامل المونتاج تقنية معروفة جداً ومستعملة بإفراط وهي الـ"تايم لابس". عندما قرأت جمل حديثي مع كارين ضومط المذكورة في رسالتك، ذُهلت عندما أدركت أنني استطعت لفظ هذه الكلمات من دون أي تحضير ومن دون كتابتها مسبقاً. أظن أن بعض المخرجين يفكرون كثيراً في "الصور المسرّعة" (تايم لابس) وقلّما يفكرون في "فقدان الكلمات" (وورد لابس) وبالتالي في "فقدان الذاكرة" (ميموري لابس). أمنيتي الكبرى هي أن ندع ذكريتنا تطفو في الفضاء، من دون أن نفرض عليها أي حدود، من دون أن نصنّفها في الأرشيف. تخيّلي كم سيكون رائعاً وشاعرياً أن ندع ذكرياتنا تتحرك بحرية في الجو، فوق "السحابات" (كلاودز).

 

مع إخلاصي

محمد

 

 الترجمة إلى العربية: ألين جبارة.

(*) "نُشر هذا النص بالفرنسية أولاً في عدد يناير/فبراير من مجلة، “Hors Champ”  

"التنقل في أرشيف السينما: لقاءات، حركات وعواطف"، بإشراف نور عويضة وغادة الصايغ: https://horschamp.qc.ca/article/images-et-lettres-de-poussiere-un-jour-sans-lendemain-de-mohamed-soueid




[1] كلمات أغنية "لورا" لدافيد راكسين، تم تأليفها لفيلم "لورا" للمخرج أوتو بريمنجر، 1944

[2] غادة الصايغ، "ثلاثية سيرة حياة محمد سويد، "أطلس الصور" "Hors Champ"، يوليو-أغسطس 2017، ملف "السينما الوثائقية في لبنان". "الصورة تُخلق بالنسبة إلى سويد كأنها بادرة حب، للغائبين والذين بقوا، الذين لا ينفكون يعترفون بهذا التعلق الجميل والحزين. قصائد صور وكلمات، كقصائد "حلقة الشعراء الراحلين" كما يسميهم، يغنّي مسخ الوقت الذي يمضي، مع الإشارة إلى هشاشة تلك الأبيات التي تتفتت": https://horschamp.qc.ca/article/la-trilogie-autobiographique-de-mohamed-soueid

[3] محمد سويد، "قبلتي الأولى" "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 124 خريف 2020

https://www.palestine-studies.org/ar/node/1650576.

[4] كلمات مستوحاة من أغنية "يوم بلا غد" لفريد الأطرش، من تأليف كامل الشناوي.

[5] كارين ضومط، "صوب الأحمر، أو التمام الكون وفقاً لجان ديلمان"، "Hors Champ"، يناير/فبراير 2022، ملف "التنقل في أرشيف السينما: لقاءات، حركات وعواطف"

https://horschamp.qc.ca/article/vers-le-rouge-ou-la-retraction-de-lunivers-selon-jeanne-dielman

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها