image
الجمعة 2022/09/16

آخر تحديث: 14:03 (بيروت)

بانكسي في بيروت...كيف يُنقل الشارع إلى صالة عرض؟

الجمعة 2022/09/16 محمد شرف
increase حجم الخط decrease
معرض للفنان البريطاني بانكسي في بيروت. بدا الخبر، للوهلة الأولى، غير عادي، قياساً إلى رجل إتخذ من جدران لا تُزاح من مكانها مساحة لرسومه، كما يعلم العارفون به. لكن انتقال الأعمال الجدارية إلى نسخ مطبوعة، منذ فترة من الزمن، سمح لـ"متحف بانكسي"، وبالتعاون مع مؤسسة "آرت بوث"، بإقامة المعرض، قيد الحديث، لدى "غاليري آرت سبيس"، في مجمّع ABC التجاري في منطقة فردان في بيروت. إلى ذلك، وقبل حلوله في بيروت، كان المعرض قد مرّ بمدنٍ عديدة مثل باريس وروما وميلانو ولشبونة ودبي وسيول، ومدن أخرى.

ما من شك في أن بانكسي يلفتنا، ويثير إهتمامنا وفضولنا. ربما كان الرجل–الفنان، الذي يُعرّف بـ"فنان شارع" street artist، يبغي هذا الشيء في قرارة نفسه، استناداً إلى سعيه لإحاطة شخصيته بالألغاز والتساؤلات التي تثير فضولاً، أحياناً، أكثر مما تثيره البهورة الإعلاميّة. أراد أن تبقى سحنته مجهولة للعموم. لغز. غامض. اسم فني بلا وجه ولا بطاقة هوية. وما هو معروف عنها يرتكز إلى صور التقطتها كاميرات مراقبة مزروعة في أماكن عامة. يُقال إنه من نواحي منطقة ستوك أون ترنت في المملكة المتّحدة، وأنه من مواليد العام 1974. أما اسمه الحقيقي، فقد يكون روبرت بانكس، أو روبن غونينهايم، ويبدو أن هويّته اكتُشفت في العام 2016، استناداً إلى طرق علميّة، من دون أن يكون الأمر مثبتاً في شكل قاطع.


جامعات السنابل
لم يشهد عالم الفن، كما نعتقد، حالات مماثلة. يبذل الفنّانون، أو غالبيتهم الساحقة على الأقل، جهوداً محمومة في سبيل الإنتقال من الهامشية إلى عالم الشهرة، إلى الأضواء. ولا يتوانى بعض مريدي البروز وذياع الصيت عن صرف أموال طائلة من أجل ذلك، كما في عالم الغناء الهابط الحديث، حيث يُكلّف إنتاج فيديو كليب، في بلدنا على سبيل المثل، مبالغ أسطورية. وفي ما يختص، مرّة أخرى، بهويّة بانكسي الحقيقية، تفيد بعض المصادر أن أحد المنسقين الموسيقيين (دي جي) كشف هويَة بانكسي، بشكل غير مقصود، حين تلّفظ بإسم الفنّان على أساس كونه روبيرت، ما جعل الـ"فانز" والإعلام يستخلصون أن الرجل هو روبيرت دل ناجا، أحد أعضاء فريق Massive Attak الموسيقي الإنكليزي الشهير(الذي نكنّ له التقدير شخصياً). هذه النظريّة صاغها الصحافي كريغ وليامس، إثر ملاحظته تقارباً بين التواريخ التي نّفذت خلالها الأعمال الجدارية وجولات الفرقة الموسيقيّة. نفى دل ناجا، قائد الفرقة الموسيقية، هذه المزاعم، لكنه لم ينف أن ثمّة صداقة تجمعه بالفنان.

ونظراً إلى تعدد الروايات والتكهّنات، يبدو أن السر المتعلّق بهويّة الفنّان سيبقى محفوظاً لفترة طويلة، ما سيزيد عنصر الإثارة والتشويق، وحتى الإعجاب الذي لا ينطبق على هويّته فحسب، بل على أعماله، وهو الذي شُبّه بشاعر الأزمنة الحديثة الجوّال. الفنّان الشهير "الثائر" والمطالب بالتغيير، بحسب الأسلوب الذي يحكم أعماله، لم يفلت منه أي حدث إجتماعي، طالما أنه قاسٍ وقابل للتجسيد التشكيلي. هذا الأمر بالذات يجعل منه أحد الفنانين المرموقين، ليس في بلده فحسب، بل في العالم أجمع، نظراً إلى نتاجه لا يكتفي بمعاقبة الظلم، بل يبدو وكأنّه يطمح إلى تدميره. إنساني، صاحب مواقف مضادة للحروب، مثير للشغب، ساعٍ إلى بلبلة المجتمع. يسخّر الفنان أعماله من أجل التواصل بصوت عال مشوب بالجرأة مع المحيط، عاملاً على التجريح بكل ما ومن يعمل على الحطّ من قيمة الإنسان. ولو رأى البعض في كلامنا هذا بعض المبالغة، وقدراً وافياً من الحماسة، فلأن نتاج "فنّان الشارع" يرتسم في ذهننا، وكأنه يعكس، مجازياً، القرف المجبول بالألم الذي نعيشه في وطننا، وإن كان في شكل غير مباشر، وإنما تبعاً لنظرة شموليّة، تتماثل ضمنها المواقف، بالرغم من إختلاف المكان والظرف، وكأنّه يفش خلقنا، وإن كانت رسوم الغرافيتي التي يصنعها تعالج أوضاعاً في زوايا أخرى من البسيطة.


عشاق الهواتف الجوالة
انتشرت أعمال بانكسي في مدن أوروبا وأميركا، وحتى في فلسطين المحتلّة. ففي تعبير عن مساندته لقضيّة الشعب الفلسطيني، ورفضه للجدار العنصري، ذهب بانكسي إلى الضفة الغربية في تموز 2005، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية لإدانة محكمة العدل الدولية في لاهاي، جدار الفصل الفلسطيني–الإسرائيلي. قام هناك برسم تسع لوحات جدارية في الأراضي الفلسطينية، في جو متوتر نسبياً، وتحت أنظار جنود قوات الأمن الإسرائيليين الذين راقبوا تحركاته مع بنادقهم الموجهة إلى فريقه، ولم يخل الأمر من بعض طلقات الرصاص التحذيرية، التي لم تُثنِه عن عزمه. عمل حينها في وضح النهار، كي يتم التعرّف إليه كسائح، ومنعاً لأي إلتباس، محولاً بعض أجزاء الجدار إلى فتحات واسعة تطلّ على مشاهد وهميّة، وكأنّه شاء إزالة هذا الحاجز عبر تقنيّة الخداع البصري.

في المعرض البيروتي، الذي نحن في صدده، يمكننا أن نطّلع على نسخ مصوّرة لأعمال لبانكسي التي كان الفنان رسمها "خلسة" على الجدران المحاذية، أو المحيطة، بشوارع مدن كبرى، وإن كان العدد الأكبر من هذه الرسوم يمكن مصادفتها في إنكلترا. قلنا أن هذه التخطيطات الملوّنة بألوان مونوكرومية غالباً: لون أو لونين، أو ثلاثة على الأكثر، تنتمي إلى فن الغرافيتي، أو ما يُسمى فن الشارع، الذي يُنفذ، كما هو معلوم، على الجدران العامة، ومن دون إذن من أحد. هذا "التعدّي" على أملاك الغير، شخصيّة أكانت أم عامة، لا يجيزه القانون، لذا فإن غالبية فناني هذا النوع يبقون مجهولين، وما تخفّي بانكسي المريب سوى تطبيق لهذه القاعدة. إلى ذلك، من المفترض ألا ينفق الفنان وقتاً طويلاً من أجل إنجاز ما يقوم به، إذ لسنا في صدد عمل جداري كلاسيكي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتجنّب الغرافيتيون ملاحقة السلطات لهم، وهو ما يصبح ممكناً في حال استهلك عملهم وقتاً زائداً، ووجوداً مطوّلاً في المكان نفسه. فالمهم، بالنسبة إليهم، هو إيصال الرسالة المطلوبة، التي تكون عادة ذات طابع سياسي أو إجتماعي، وذلك بأسرع ما يمكن وبأبسط الوسائل الممكنة. من أجل هذا الهدف، لجأ بانكسي إلى تقنية Pochoir أو Stencil، أي الرسم المجهّز سلفاً والمخرّم بالشكل الذي يستدعيه الشكل الغرافيكي، ومن ثم يتم ملء التجاويف بعلبة الدهان القابل للرش bombe aerosol.


العذراء
من النسخ المعروضة في "آرت سبيس" في بيروت، يمكن رؤية "التعديلات" التي أضافها بانكسي إلى أعمال فنانين معروفين. اقتطع إحدى الفلاحات من لوحة جان فرنسوا ميليه المسمّاة "جامعات السنابل"، ليضعها خارج إطار اللوحة، وعلى حافة الإطار تحديداً مزوّداً إياها كأساً من الشاي، ووضع قربها حزمة من سنابل القمح. لوحة كلود مونيه "النينوفر" أو "زنابق المياه"، لقيت مصيراً مشابهاً من حيث التحريف، إذ وضع تحت الجسر الشهير في جيفرني بمنطقة النورماندي (حيث كان محترف الفنان الفرنسي) مخلّفات المدينة وقمامة وعربة تسوّق. أراد بانكسي أن يعكس الإستهتار بالبيئة، والضرر الكبير الذي يلحق بها. في عمله "عشّاق الموبايل" يصوّر الفنان العلاقات العاطفية في الزمن الحاضر: رجل وامرأة يتعانقان في حين يحمل كل منهما هاتفاً جوّالاً. لوحة "البرلمان" تمثل قاعة فسيحة لا يمكن مقارنتها إلاّ بقاعة البرلمان الإنكليزي، لكن النواب صاروا قروداً. بإختصار، هو النقد الإجتماعي والسخرية الذكية من الواقع، وما يعتمل فيه من مظاهر فرضتها الحياة الحديثة.

والجدير بالذكر، أن نسخاً من أعمال بانكسي معروضة للبيع، ويمكن الإطلاع عليها وعلى أسعارها المتفاوتة في مواقع مختلفة. هنا لا بد أن نتساءل إذا ما كان هذا الأمر يتناقض مع منطلقات بانكسي ومواقفه المبدئية، وهو الفنان الذي مزج بين السخرية والوقاحة والفكاهة، وجلاء للحرّية والعدالة، ووقف ضد الحرب والأوبئة التي يخلقها الإنسان. وفي ما يتعلّق بالموقف من الربح المادي، المرتبط بالمواقف التي سبق ذكرها، لا بد أن نتذكر مبالغاته المثيرة في مواقع أخرى. إذ ربما يُعتبر يوم الجمعة 5 تشرين الأول 2018، علامة فارقة في تاريخ الفن. عمل بانسكي، البسيط في عناصره والفائق في رمزيته، المسمّى "الفتاة الصغيرة ذات البالون الأحمر"، الذي كان طبعه على أحد جدران لندن، العام 2002، في زاوية أكثر من متواضعة، واعتُبر من أكثر إنجازات الفنان شعبيّة، صنع منه نسخة ورقية عُرضت في المزاد العلني الذي نظّمته دار سوذبيز للمزادات في لندن. تم تأكيد بيع العمل، صغير الحجم نسبياً، بمبلغ مليون و200 ألف يورو، وفي لحظة إشارة المطرقة إلى نهاية المزاد، حين كان عاملان من دار المزادات يحملان العمل لعرضه على الجمهور، تم تقطيع اللوحة إلى شرائح رقيقة بواسطة مطحنة كان بانكسي أخفاها في الإطار الذهبي السميك. نُشر الفيديو، الذي يُظهر العمليّة، في الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، وأكثر ما بان فيه للعيان، ردّ فعل الحاضرين في المزاد، المشدوهين والحائرين، أما مدير المزاد فلم يملك إلاّ أن يصرّح: "لم نشهد موقفاً كهذا في الماضي".. وكان عليه أن يضيف: "وحده بانكسي قادر على فعلة من هذا النوع...". 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها