image
الخميس 2022/09/15

آخر تحديث: 13:03 (بيروت)

المشكلة العويصة للوعي.. هكذا اخترعنا اللغة وفكّرنا في الخلود

الخميس 2022/09/15 فادي سعد
increase حجم الخط decrease
ظاهرة الوعي البشري الفردي معقّدة جداً، إلى درجة أن تفسيرها وتفكيكها بات مشكلة فلسفية علمية معاصرة كبيرة.

 

 كان الفيلسوف وعالِم الإدراك المعرفي الأسترالي، ديفيد تشارلمز، أول من صكّ هذا التعبير: "المشكلة الصعبة للوعي The hard problem of consciousness". وذلك في مقابل أحجيات علمية أخرى يراها تشارلمز "سهلة" نسبياً، مثل تفسير السلوك البشري من الناحية العصبية، أو حلّ ألغاز عمل الخلايا، أو الخريطة الجينية البشرية. هذه أحجيات استطاع الإنسان إيجاد تفاسير علمية لها، لكن كيفية انبثاق الوعي البشري الفردي بقي لغزاً عصيّاً على التحليل العلمي. لغزاً ذا طبيعة ميتافيزيقية.
ما المقصود بـ"الوعي؟". من المفيد هنا ربّما بعض التوضيح.

 


الوعي ما يجعلنا نستمتع بمذاق طعام لذيذ، أو مشهد غروب الشمس إلى أن نغرق في شعور عارم بالنشوة ووحدة الوجود الذي يقف خلف شعورنا بوجودنا الفردي وربْط وجودنا الصغير هذا بوجود العالم حولنا والكون الأبعد الخارج عن مدركات حواسنا. الوعي يمنحنا إحساسنا المختلف عن جميع الكائنات الحية الأخرى بالألم واللذة والحب والشغف والرغبة والأمل والحلم. الوعي الإنساني هو الذي يطرح أسئلة عن المعنى والغاية ويبحث عن أجوبة في الإيمان والفلسفة والحيرة والبحث العلمي والتجربة. بسبب الوعي، اخترعنا اللغة وصرنا نفكّر في الخلود وما يمكن أن يحدث لنا بعد الموت وصرنا نكتب القصائد والروايات ونبني المركبات الفضائية لاكتشاف المجهول. هذا هو المقصود بالوعي.

لا يبدو أن الصخور والتراب والغيوم تملك أيّ وعي. الأشجار والنباتات والورود لا تفكّر بكل الأسئلة السابقة. الحيوانات بجميع أنواعها، ما من تجارب علمية حتى الآن أثبتت أنها تملك وعياً خاصاً بها. نحن أمام حالة فريدة بالإنسان. بالهوموسيبيان. كيف تشكّل هذا الوعي؟

يمكن تلخيص نظريات الوعي بطريقَيْن متوازيَين متعاكسين في الاتجاه. الطريق الأول يبدأ من الواقع المادي، من الذرّة لينتهي بانبثاق الوعي. الطريق الثاني يبدأ من الوعي نفسه، كحالة أساسية في الوجود، وينتهي بالواقع المادي كصنيعة لهذا الوعي. لنحاول التعرّف أكثر على معالم كل طريق.

مع التقدّم العلمي الحديث، واكتشاف النظريات الفيزيائية الحديثة التي تفسّر معادلات الواقع المادي، أرخى المذهب المادي بظلاله على مساحات واسعة من التفكير والتحليل الإنساني المعاصر، على حساب الميتافيزيقيا الإيمانية والفلسفة التجريدية. المادة وُجدتْ على الأرض قبل انبثاق الوعي ببلايين السنين. لا بدّ إذا أن يكون قدوم الوعي المتأخر نتيجة لتنظيم خاص معقّد لهذه المادة الأولى.

من أفضل مَنْ يمثل هذا المذهب الفيزيائي المادي، الفيلسوف الأميركي دانييل دينيت. الوعي لدى دينيت مُنتج بنية فيزيائية معقدة جداً هي الدماغ، ومُنتج نشاطه العصبي المهول. يمكن دراسة عناصر الدماغ الصغرى الأقل تعقيداً لفهم كيفية نشوء الوعي.

منذ ظهور الألياف العصبية الأولى لدى الحيوانات الأولية (ثنائية التناظر) قبل 700 مليون عام، وحتى الآن، حدث تطور تدريجي هائل في الجهاز العصبي حتى ظهور الدماغ البشري بمائة بليون خلية عصبية. بخاصة، منذ ظهور القشرة الدماغية الحديثة لدى الثدييات قبل 300 مليون عام، ومع استمرار التطور الدارويني، بدأت طبقات التعقيد العصبي تتراكم فوق بعضها البعض حتى وصلنا، في نقطة ما (عند الهوموسيبيان)، إلى انبثاق الوعي بطريقة يصعب الآن تشريحها وتفسيرها لشدة تعقيدها وليس لغموضها. النظرة المادية هذه ترى الوعي نتيجة لتفاعل وتواصل تلك الشبكات العصبية الهائلة، لا أكثر من ذلك. وبما أن تلك الشبكات العصبية مؤلفة من خلايا عصبية، وتلك الخلايا العصبية مؤلفة من ذرّات، فالوعي إذا نتاج الذرّات المادية.

 


علماء وفلاسفة التفسير المادي لديهم العديد من التجارب العلمية لدعم فرضياتهم عن الوعي، لكنها تبقى فرضيات، وما من نظرية متكاملة نهائية حتى الآن. الفرضيات المادية العلمية عن الوعي عديدة، أشهرها: "فرضية الرتبة العليا Higer-Order"، وفرضية "مساحة العمل الشاملة Global Workspace"، وفرضية المعلومات المتكاملة "Integrated iformation". باختصار شديد، تُجمِع معظم هذه التفسيرات العلمية على أن الوعي ينتج عن نشاط مساحات كبيرة من الدماغ تعمل بشكل متزامن ومتكامل. هذا يفسّر غياب الوعي أثناء النوم مثلاً (تصوير الدماغ خلال النوم يُظهر نشاط مساحات صغيرة محدودة)، بالمقابل أثناء اليقظة، تُضيء مناطق كبيرة من الدماغ نشاطاً.

الطريق الثاني لتفسير الوعي يبدأ بالوعي نفسه كمعطى وجودي أساسي منفصل عن أي وجود مادي، غير قابل للاختزال ولا يمكن إرجاعه سوى إلى نفسه، وليس إلى ميكانيكيات عصبية جزئية. هذا الطريق الثاني يجد جذوره لدى ديكارت وثنائيته التي تفرّق بين العقل والجسد. العقل المنفصل عن الجسد (الدماغ) انفصالاً وجودياً. كان لتلك الثنائية الديكارتية تأثيرها الكبير في مدارس فلسفية لاحقة، وباتتْ الأساس الذي تقوم عليه فلسفة العقل الثنائية في مقابل الفلسفة الفيزيائية المادية الأحادية.

اعتبار الوعي معطى منفصلاً عن المادة، أو في مدراس ثنائية أخرى، معطى وجودياً سابقاً حتى على الوجود المادي نفسه؛ هذه الرؤية تحلّ لغز"المشكلة الصعبة للوعي"، وتؤدي بالضرورة إلى قفزة ميتافيزيقية، يمكن أن توصل إلى ما يشبه الإيمان الديني، بوعي كوني كلّي سابق للوجود، ويقوم عليه الوجود، وما الوعي الإنساني سوى مرآة لهذا الوعي الكوني الشامل.

أنصار أسبقية الوعي أكثر من مجرّد فلاسفة ميتافيزيقيين ورجال دين. نحن أمام شبه فرضية علمية يرى العديد من المفكرين المعاصرين أن لا تفسير ممكناً للوعي بغيرها. تنهل هذه النظرة من فلسفات أخرى كالفلسفة المثالية (الواقع بناء عقلي مرتبط وحصيلة لعملية الإدراك الإنساني)، وحتى من نتائج النظريات الفيزيائية الحديثة كالفيزياء الكمّية (ما يحدّد النتيجة النهائية لاحتمالات الواقع الفيزيائي هو إدراك المراقِب). أي أن الواقع، إما حصيلة، أو متأثر إلى درجة كبيرة بوعي الكائن. ومن دون وعيٍ مُدرِك، ليس هناك من واقع مادي يمكن وصفه.

بعض فلاسفة الوعي (أولاً) يعتقد أن الأشياء المادية من الذرة حتى الكون يملك وعيه الخاص (الروحية الشاملة Panpsychism)، أو أن تفاعلات وعي صغيرة تتفاعل لتنتج وعياً أكبر حتى نصل إلى الوعي الكلي (ديفيد هوفمان). في المحصلة دائماً، الوعي هو خالق الواقع. لا واقع مادي من دون وعي.

منح الوعي الأسبقية الوجودية يحلّ الكثير من المشاكل المعرفية، لكنه غير مُقنع. فصحيح أن العلم لم يستطع تفسير الوعي علمياً حتى الآن، لكن استبدال فشل العلم بفرضيات مبنية على اعتقادات أقرب إلى الإيمان منها إلى أي منطق عقلي متماسك ليس هو الحلّ أيضاً. النظرة المادية استطاعت قطع أشواط كثيرة في تفسير الواقع، لكنها ما زالت تحوي الكثير من المناطق الغامضة المعتمة العصيّة على التفسير. هذا لا يعني أن الاستقالة الفكرية هي البديل الأمثل. فك لغز تطوّر عبر مئات الملايين من السنين يحتاج بالتأكيد إلى أكثر من 500 سنة، عمر الثورة العلمية.

العقل البشري بمعرفته الحالية غير قادر على تفسير العديد من الألغاز الوجودية بعد، ومنها لغز الوعي. هذا لا يعني أن التفسير يكمن في مكان آخر غير المعرفة، أو أن معرفة إنسانية أعمق في المستقبل، مدفوعة برغبة الإنسان المستمرة أبداً في الاكتشاف لن تستطيع تفسير ما هو غامض اليوم.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها