image
الأربعاء 2022/09/14

آخر تحديث: 15:32 (بيروت)

العمدة الذي أنقذ أيقونات نفيانسك وأهمل صورة بوتين.. فاعتُقل!

الأربعاء 2022/09/14 هشام نصر
increase حجم الخط decrease
ساعات عصيبة عصفت بمتحف الأيقونات النِفيانسكية الفريد في مدينة يكاترينبورغ الروسية، عقب اعتقال مؤسسه يفغيني رويزمان، على خلفية انتقاده لسياسة الكرملين في أوكرانيا. وساد وجوم حذر أجواء المتابعين وسط تخوف من وضع هذا المتحف الخاص وأيقوناته النادرة في عهدة الدولة.

وتُعدّ أيقونات مدينة نفيانسك في الأورال تحفاً نادرة، ذات أهمية بالغة في التراث الديني الروسي. فقد حافظت هذه المدينة السيبيرية على التقاليد الأيقونية لأصحاب الإيمان القديم، رغم اندثارها في سائر المناطق الروسية. وكان رويزمان، عمدة يكاترينبورغ السابق، المعروف بمعارضته لسياسات بوتين، قد كرس ثروة طائلة لجمع ما يزيد على 300 من هذه الأيقونات النادرة وافتتاح أكبر متحف لها في العالم.  

 


وتعود هذه الأيقونات النادرة إلى جماعة تعرف بأصحاب الإيمان القديم، انفصلت عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إثر إصلاحات البطريرك نيكون، في أواسط القرن السابع عشر. فقد لاحظ نيكون، ومن قبله البطريرك يوسف، فروقاً تراكمت مع الزمن بين النصوص الطقسية الروسية والنصوص الأصلية البيزنطية. وأراد أن يطابق الأصل والفرع، فعقد مجامع (سينودس) محلية كُلِّفَت إعادة ضبط التقليد الروسي على الأساس البيزنطي. وامتد الإصلاح ليشمل أيضاً طريقة بناء الكنائس، ورسم إشارة الصليب بثلاثة أصابع عوضاً عن إصبعين، ورسم الأيقونات الجديدة وإتلاف القديمة منها التي ابتعدت بدورها عن أصولها البيزنطية وتأثرت بطابع الباروك الأوروبي.

لم يكن سهلاً على البطريرك إقناع المؤمنين بالانتقال إلى "الطقس الجديد". فكان الدربُ الأقصرُ للنُّقلة فرضَ الإصلاح عنوةً على الرافضين، واضطهاد أصحاب الطقس القديم ونفيهم وتشريدهم وإتلاف أيقوناتهم. وهرب الكثير من المتمسكين بالقديم إلى الغابات السيبيرية طلباً للأمان بعيداً من عين القيصر والكنيسة الرسمية. وهناك استمروا في ممارسة طقوسهم القديمة، من دون قساوسة، مبجّلين ايقوناتهم التقليدية، وأشهرها تلك التي استمر رسمها في مدينة نفيانسك. وبما أن الطقس القديم بقي محرماً حتى العام 1909، كان رسم الأيقونات على الطريقة القديمة واقتناؤها جُرماً مدنياً ودينياً. ولطالما تعرض صانعو تلك الأيقونات وأصحابها لمداهمات السلطات القيصرية وللاعتقال والعقاب. لذلك لم تكن تلك الأيقونات ترسم إلا سراً وبأعدادٍ قليلة جداً، تلبية لطلب محدود من مؤمنين قلّة حريصين على تقليدهم القديم وعارفين بدقائق فنّ هذه الأيقونات. لذلك تعتبر كل أيقونة من تلك الأيقونات النادرة قطعة فنية فريدة من نوعها.

في العام 1971، رفعت الكنيسة الروسية الحُرم عمّن يرسم إشارة الصليب بإصبعين، وألغت اللعنات التي أنزلتها بحق المؤمنين القدماء أملاً في رتق ما انفتق بين أبنائها. لكن كان قد فات ما فات... وكان أن البطريرك نيكون الذي أراد أن يتجنّب انشقاق الكنيسة الروسية عن شقيقتها البيزنطية سبّب بإصلاحاته انشقاقاً داخل كنيسته نفسها، كما كان سبباً في ندرة الأيقونات النفيانسكية التي أسس رويزمان أول متحف لها العام 1999.

 


وُلد يفغيني رويزمان العام 1962 لأب يهودي وأمّ روسية في مدينة سفردلوفسك (يكاترينبورغ حالياً). اتسمت حياته في سنين شبابه بالغرابة و"الشغب" إذ بدأها جانياً لنفسه سنتين من السجن بعد إدانته بإحدى السرقات. بعد خروجه من السجن عمل مدة حداداً في ساعات العمل النهاري بينما كان يتابع دراسته في مدرسة مسائية. وعندما استُدعي للخدمة العسكرية تمكن من تدبير دخول مستشفى عادي مرة، ومستشفى أمراض عقلية مرة أخرى، ليتخلص من الخدمة في الجيش. كما التحق بكلية التاريخ مرتين وطرد منها بسبب التقصير الأكاديمي. في هذه الفترة المضطربة من حياته بدأ رويزمان جَمع الأيقونات النفيانسكية.

في العام 2000، عاد المشاغب الكبير للالتحاق بالجامعة عينها وتخرّج فيها العام 2003، علماً أن شهادته تعرضت للطعن أمام القضاء العام 2014، لكنه تمكن من إثبات صحتها. في هذه الأثناء كان رويزمان قد أسس لنفسه ثروة من عمله في تجارة المجوهرات. كما تمكن خلال وقت قصير من أن يصبح عضواً في أكاديمية الفنون الروسية، وفي اتحاد الكتّاب الروس بوصفه شاعراً صاحبَ ديوانَين شعريين.

لم يقتصر نشاط رويزمان على الفنون والشعر، بل كان طوال العقود الماضية ناشطاً سياسياً واجتماعياً من خلال مبادرة "مدينة من دون مخدرات" التي أطلقها العام 1999، وتأسيسه وانتسابه لعدد من المنظمات السياسية المعارضة للرئيس بوتين. في العام 2013، انتُخب رويزمان عمدة لمدينة يكاترينبورغ، وعلى خلاف العرف السائد لم يعلّق في مكتبه صورة الرئيس بل استبدلها بلوحة تمثل الشاعر الروسي يوسف برودسكي، بريشة صديقه الفنان ميشا بروسيلوفسكي.

وأبت الشخصية "المشاغبة" التي أنشأت أكبر متحف للأيقونة "المشاغبة"، إلا أن تنضم إلى الأصوات "المشاغبة" القليلة المعترضة على العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. وبعد كثير من الاتهامات والمد والجزر، داهمت الشرطة، قبل أيام، مبنى متحف الأيقونات، كما داهمت منزل رويزمان حيث اعتقل واقتيد للمحاكمة بتهمة تشويه سمعة القوات المسلحة الروسية. وأصدرت المحكمة حكماً قضى بمنع رويزمان من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت أو المشاركة في نشاطات عامة حتى 29 أيلول الجاري.

متحف الأيقونات يعمل حتى الساعة بحسب دوامه المعتاد. وقد أكّد أحد المقربين من إدارة المتحف لوكالة URA الإخبارية أن سيناريو "التأميم" ليس وارداً، بل على الأرجح أن تضع السلطات يدها على بعض الأيقونات التي تعتبرها "مسروقة"، وأن يقوم رويزمان نفسه بالتخلي عن مشروعه الذي كرس له سنوات طويلة، كما لوّح من قبل العام 2013، في حال جرّد المتحف من بعض أهم أيقوناته.  

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها