image
الأحد 2022/09/11

آخر تحديث: 08:14 (بيروت)

ميرفت أمين... حضور شاحب لم يشفع له تاريخ مُشرق

الأحد 2022/09/11 أشرف غريب
increase حجم الخط decrease
                  
الأسوأ في الحياة، أن تجد أناساً لا يكترثون بمشاعر الآخرين، أو يشغل بالهم ماذا يمكن أن تفعل أسنّة كلماتهم الحادة في نفوس بشر لا علاقة لهم بهم، أي لذة يمكن أن يشعروا بها وهم يمارسون متعة التنمّر والتفتيش في نواقص الغير؟! وأي فخار ذلك الذي سوف يجنونه وهم ينالون من استقرار نفس أو هدوء بال؟! هل غاية ركوب "التريند" تبرّر وسيلة الاجتراء على القيم وهدم ثوابت الأخلاق؟! 

كل هذا حدث للأسف مع الممثلة ميرفت أمين(74 عاما) خلال الأيام الماضية، فرغم أنها لا تشارك حالياً في أي عمل فني جديد، ورغم أنها لم تظهر على الشاشة منذ مشاركتها في فيلم "أعز الولد" من إخراج سارة نوح في بداية العام 2021، بالتزامن مع تقديمها للحلقات التلفزيونية "إلا أنا"، فقد ظلّت الممثلة الكبيرة حديث مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم برامج الفضائيات العربية لا لشيء إلا لأن نفوساً مريضة استوقفها أن تذهب ميرفت أمين إلى عزاء المخرج علي عبد الخالق من دون كامل زينتها وألقها المعتاد وكأنه لا للموت حرمة، ولا للعزاء احترام، ذهبت ميرفت أمين إلى العزاء على طبيعتها تؤدي واجباً إنسانياً تجاه زميل عزيز، عليها علامات الحزن من دون تصنع ومظاهر ألم الفراق من دون تظاهر، فكان جزاؤها مظاهرة من التنمر والسخرية على مواقع التواصل الاحتماعي في مقابلها مظاهرة دعم من جانب عشاقها ومحبيها.

 أعرف الراحل علي عبد الخالق منذ منتصف التمانينيات وجمعتني به صداقة وطيدة، وأعرف جيدا دائرة أصدقائه المقربين، ومن بينهم الفنانة ميرفت أمين وقد سألت عبد الخالق ذات مرة: رغم صداقتك الحميمة مع ميرفت أمين لماذا لم تتعاونا معا سوى مرة واحدة في فيلم "الحب وجده لا يكفي"(1980)، فبادرني أن ميرفت من أرق خلق الله اللائي يمكن أن تقابلهن في الحياة، وهو ما ينعكس على أدائها على الشاشة بينما معظم بطلات أفلامه – ويا للمصادفة – نساء يتسمن بالحدة أو على الأقل البعد عن الأداء الرومانسي الذي يلائم ميرفت أمين على النحو الذي ظهرت عليه في تعاونهما الوحيد في "الحب وحده لا يكفي"، ولكن هذا لم يمنع من امتداد صداقتهما المتينة على مدار السنين الماضية على حد وصف على عبد الخالق نفسه.


 وليلة عزاء علي عبد الخالق، الذي أقيم في مسجد الحامدية الشاذلية في منطقة المهندسين، شاهدتُ كما شاهد غيري من الحاضرين، ميرفت أمين وقد بدت عليها مظاهر التعب والإرهاق زاد منها حزنها البالغ على المخرج الراحل، ولم استطع ليلتها الاقتراب منها بسبب زحمة السيارات أمام المسجد الملاصق للباب الجانبي لنادي الزمالك الرياضي، ولكن بعد أن أصبحت الفنانة الكبيرة مثار حديث الجميع بسبب المظهر الذي بدت عليه في ليلة العزاء، بادرت بالاتصال بها للاطمئنان عليها أولا فجاءني صوتها هادئاً كعادتها رغم إحساسها بالمرارة وهي تقول بسخرية "شفت بقيت بطلة التريند، منذ مدة لم يتحدث الناس عني بهذا الإجماع، كنت أتمنى أن يتحدثوا عني بسبب عمل فني أو نشاط اجتماعي أقوم به، أنا أتفهّم جيدا أن الفنان ملك للناس، وأعي ذلك تماماً منذ احترافي الفن قبل خمسين عاماً، لكن هذه مناسبة عزاء، وعلي عبد الخالق صديق عزيز وعزاؤه واجب لا يمكن أن أتأخر عنه رغم متاعبي، هل مطلوب مني أن أذهب إلى العزاء بكامل زينتي؟ أنا لست ذاهبة إلى تصوير عمل فني أو حضور لقاء تلفزيوني، على الناس الذين طالما أسعدناهم بأعمالنا احترام أحزاننا وتقدير خصوصياتنا، ثم لماذا يتم السماح بالتصوير في تلك المناسبات الحزينة؟ ألا يحق لي أن أكون حزينة على طبيعتي في مناسبة عزاء؟ ثم ماذا ينتظرون مني؟ أنا لست الآن ابنة العشرين أو الثلاثين، أنا لست الآن بطلة "أبي فوق الشجرة" أو "الأخوة الأعداء"، عليهم أن يحترموا لعبة الزمن ويعترفوا بسنن الحياة.

 لعبة الزمن
نعم إنها لعبة الزمن وسنة الحياة.. فحينما اكتشف الفنان أحمد مظهر ميرفت أمين وقدمها للمرة الأولى بطلة لفيلم "نفوس حائرة" من تأليفه وإنتاجه وإخراجه سنة 1968، لم تكن فتاة مصر الجديدة قد أكملت بعد عامها العشرين، كانت لم تزل طالبة في قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب جامعة عين شمس، وجه صبوح نضر، اكتسب ملامحه الغربية من الأم التي تحمل الجنسية الاسكتلندية وروح الشرق من مصرية الأب، الذي كان يتأمل تطور موهبة ابنته وحبها للتمثيل أثناء فترة دراستها الثانوية والجامعية، قبل أن يقدمها الممثل أحمد مظهر للسينما في فيلمها الأول "نفوس حائرة"، وأعقبه وقوفها أمام كاميرا المخرج صلاح أبو سيف بطلة لفيلم "القضية 68" الذي عرض في عام اكتشافها ذاته، ولأن ظهورها السينمائي كان متزامنا مع ظهور ممثلات أخريات في ظل ترحيب السينما المصرية بتغيير جلد بطلاتها أمثال نجلاء فتحي وزيزي مصطفي ونيللي ومديحة كامل وسهير رمزي، فقد كانت ميرفت أمين بحاجة إلى عمل جماهيري يثبت أقدامها على خريطة نجمات هذه الفترة ويمنحها صك الاعتراف بقدرتها على تصدّر أفيش أى عمل سينمائي، وهذا ما حققه لها فيلم "أبي فوق الشجرة " للمخرج حسين كمال سنة 1969، وهل هناك من هو أكثر شعبية وسطوعاً من عبد الحليم حافظ بطل هذا الفيلم ومنتجه؟ لقد حلّقت ميرفت أمين في سماء السينما المصرية على جناح جماهيرية العندليب الأسمر ونجاحه الطاغي بحيث بدأت سنوات السبعينيات، وقد دانت لها مع نجلاء فتحى معظم بطولات هذه المرحلة، والأهم من هذا أن "أبي فوق الشجرة" رسم ملامح الشخصية الفنية التي عرفت بها ميرفت أمين حتى يومنا هذا، وهي شخصية الفتاة الرقيقة الناعمة حتى لو اكتست بشيء من الجرأة كما في أفلام: أنف وثلاث عيون، أعظم طفل في العالم، وغابة من السيقان. 

وخلال عقد السبعينيات وما بعده، استطاعت ميرفت أمين تكوين أكثر من ثنائي ناجح مع فتيان هذه المرحلة الذين بدأوا مشوارهم معها، فأمام محمود ياسين قدمت أفلاماً مثل: الساعة تدق العاشرة، الكداب، دقة قلب، وثالثهم الشيطان، أبليس في المدينة، وأيام الرعب. ومع نور الشريف شاركت في أفلام مثل: السلم الخلفي، مدرسة المشاغبين، السكرية، الأخوة الأعداء، أبناء الصمت، لقاء مع الماضي، الحفيد، دائرة اللانتقام، الدموع الساخنة، البعض يذهب للمأذون مرتين، لا تبكي يا حبيب العمر، الحب وحده لا يكفي، وسواق الأتوبيس. أما الممثل حسين فهمي الذي تزوجته في هذه الفترة فقد شاركها بطولة أكثر من عشرين فيلما كان أهمها: الفاتنة والصعلوك، رغبات ممنوعة، الأخوة الأعداء، نغم في حياتي، حافية على جسر الذهب، الحب قبل الخبز أحيانا، إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وآسفة أرفض الطلاق.


ولم يكن حسين فهمي الوحيد الذى تزوجته ميرفت أمين، فقد تزوجت بخلافه أكثر من مرة أشهرهم: عازف الغيتار عمر خورشيد، المطرب السوري موفق بهجت، المنتج الفلسطيني حسين القلا، ورجل الأعمال مصطفي البليدي، لكنها لم تنجب إلا مرة واحدة (ابنتها منة الله) من حسين فهمي.

     ومع تقدم العمر وظهور أجيال سينمائية جديدة وجدت ميرفت أمين ضالتها كغيرها من أبناء وبنات جيلها في المسلسلات التلفزيونية التى كان أبرزها: الزوجة أول من يعلم، الرجل الآخر، ملفات سرية، طيارة ورق، ولا تطفئ الشمس، ومع ذلك حافظت ميرفت أمين على حظوظ تواجدها على شاشة السينما بصورة أفضل من غيرها من بنات جيلها نجلاء فتحي وسهير رمزي ونيللي، ليس فقط من حيث الكم وإنما أيضا من حيث مساحة الدور وتأثيره الدرامي، وهو ما بدا واضحا من خلال أفلام: "أيام السادات"(2001)، "مرجان أحمد مرجان"(2007)، "حماتي بتحبن" (2014)، "بتوقيت القاهرة"(2015)، "من 30 سنة"(2016)، "ممنوع الاقتراب أو التصوير"(2017)، و"أعز الولد"(2021) آخر أفلامها حتى الآن، وطوال هذه المراحل العمرية المتعاقبة استطاعت ميرفت أمين بامتياز الاحتفاظ بملامحها الجميلة على الشاشتين الكبيرة والصغيرة حتى أن جمهورها لم تفارقه صورتها الذهنية التي بدت عليها عند ظهورها قبل أربعة وخمسين عاماً، وربما كان هذا وراء الصدمة التي تلقاها عشاقها، أو قل المفاجأة وهم يطالعون وجهها الشاحب الخالي من مساحيق النجومية أثناء حضورها عزاء علي عبد الخالق قبل أيام. 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها