الجمعة 2022/08/05

آخر تحديث: 11:24 (بيروت)

الحُسَين في شارع الحمرا: ثقل الرموش المبللة بالدمع

الجمعة 2022/08/05 فوزي ذبيان
الحُسَين في شارع الحمرا: ثقل الرموش المبللة بالدمع
مجلس العزاء في "مسرح المدينة"... من الإفتراء بمكان أن تخط الدموع كلمات التاريخ
increase حجم الخط decrease
كم كان مسؤول الحزب الذي التقيته في "مسرح المدينة" مهذباً حين سألته عن أسعار بطاقات الدخول إلى مجلس العزاء الذي سيقام في المسرح المذكور... "أهلاً وسهلاً، الدخول مجاني للجميع". لا أخفي أن الرجل كان قريباً من القلب وعلى شيء البشاشة والأنس.. "بس ما تعرّفْنا على الاسم الكريم" ... "فوزي ذبيان" ... "آه، يعني من الجبل!!" قال لي وأردف "أهلا وسهلا فيك"، ليشملني بعدها بابتسامة مترددة على وقع الفستان الموغل في العريّ الذي كانت ترتديه صديقة رافقتني إلى هناك. لم تتوار تلك الابتسامة عن وجه الرجل لحظة سأل الفتاة عن اسمها..."زينب من الزرارية"، إنما تدثرتْ ابتسامته تلك بغرابة الموقف برمته... "زينب؟!!!" قال الرجل وقد جهد في التمسك بالابتسامة فوق وجهه المندهش.

من النافل أن المدينة حق مشاع، لكن ثمّة شرطاً يؤسس لهذه المشاعية، وهو أن تكون محل عدوى لكل من يرتاد المدينة، لا أن تخضع المدينة إلى شرط الإنغلاق.
أخبرتني زينب عندما كنا نحتسي القهوة في كافيه "دانكن" المتاخم لـ"مسرح المدينة"، أنّ الحسين صار أقرب إلى قلبها، بعدما نزعتْ الحجاب وصارح جسدها الشمس والهواء...

ليست المدن تلك القرى أو الضواحي أو الأزقة المقفلة بإحكام، إنها بالأحرى سهوب متفلتة من كل قيد حتى لو أملته السماء... لست أدري لماذا يكره الله المدن!

لا أخفي أن ثمة ما يشدني إلى سماع الندبيات الشيعية، لا سيما تلك التي تقول "نشرب التعذيب في حب علي مثلما نشرب الماء الكوثر"... مروراً بـ"مَنْ عروس الحق غير المرتضى؟!!" وصولاً إلى "لم أجد مثل عروس علي مهرها قتل وقطع المنحر"، بيد أن علي الذي أتلقفه في هذا القول ليس ذاك ثابت الوجهة والقسمات، بل هو علي آخر أراه أقرب إلى علامة سؤال في دنيا المسلمين. هو عليّ المدينة، حيث البتّ في الأمور من المحرّمات بل قد يكون دنساً يودي بالمدينة إلى الظلمات.

قال الشيخ في المجلس العاشورائي في مسرح المدينة: "إن البكاء والجزع لا يجوزان إلا على الحسين". لم أوافق الشيخ قوله إلا تحت شرط أن تكون بيروت اليوم هي الحسين.

رحتُ أجترّ في خيالي واقعة كربلاء، على وقع كلام الشيخ، وفي بالي أولئك الذين ينحرون بيروت يوماً بيوم. كان الحشد في الصالة ينوخ تحت ثقل الرموش المبللة بالدمع على ما حلّ بالحسين، على حدثٍ ولّى ومضى، أما أنا الذي قد عقدتْ الحيرة حاجبيّ فكنت أرى في بكاء الحشود هذا واقعة تنبؤية، جذورها تمتد في ماض سحيق وأغصانها تتلوى في سعيها للحاق بالشمس.

كيف لأحد أن يقوم بمصادرة الدمع؟
سألتُ نفسي هذا السؤال على وقع شهقة رجل سبعيني كان جالساً بقربي في مسرح المدينة المنكوبة. فكرت في احتضانه، فالفجيعة فوق كراسي المسرح تجاوزتْ إمكان طرح السؤال.  حاولتُ التسلل إلى داخل تلك الرؤوس المنحنية فوق مساند المقاعد الحمراء، والإتيان بنص يجاري الإرتجاجات التي كانت تلازم تلك الإنحناءات المسكينة، لكني فشلت. تضخّمتْ التقاطيع فوق وجه الشيخ وهو يستدعي الشهقات، فإذا بالكلمات تتلوى داخل صدري كورق يابس في مهب ريح عاصف لا إمكان لضبطه.

من هو "يزيد" كربلاء الحمرا، التي احتضنتْ الحسين في مسرح المدينة؟ ولّيتُ السؤال ظهري، إذ ما الجدوى من استحضار 7 أيار الآن؟!

لا يقتصر يزيد الحمرا، يزيد بيروت، يزيد لبنان، يزيد حياتنا في هذا البلد على جهة بعينها. لعلنا في هذه المجزرة المتمادية بحقنا، بقية حسين موزّع الأشلاء.

أنبأني ذهني في مسرح المدينة أن تلك الدموع المدرارة هي بمثابة الإشاعات الصحيحة التي تواكب احتضارنا اليومي في شارع الحمرا، فالحسين هنا ليس محل تجلٍّ إلا عبر حزننا المنفلش فوق كل هذا الخراب... نحن الحسين الذي يكاد يرى في الموت خلاصاً، وقد تكالبت علينا كل مآرب يزيد منذ عقود وعقود في كربلاء لبنان.

غالباً ما أرى في الموت أنيساً، ولا مرة أفزعني الموت، جلّ ما يضعضعني هو عناء تجشّم الإنتظار. لقد تحقق لديّ أني حسين مظلوم، منذ تفتق وعيي في هذه البلاد على أسماء لا تني تعمل خناجرها في يومياتنا الهشة.

ليس الحسين بناجٍ، ولا هو بطل، بل تراه مرآة نتملّى عبرها وجوهنا التي أرهقها الضجر المتأتي عن عسعسة الموت. حبل التواصل مع الحسين شديد المتانة، عندما يكون الحسين مرآة.

عملتُ جاهداً في مسرح المدينة على تجنّب تلك الأشياء التي كان يحشرها الشيخ في تجويفات آذان الحضور... كلا، ليس الحسين مثالاً يحتذى، لكنه مرآة، درس، بوصلة لتعقّب وجه الظلم. من الإفتراء بمكان أن تخطّ الدموع كلمات التاريخ، فالتاريخ أجوف وليس من الأخلاق أن تُستحضر الدموع لدى تدوين التاريخ. فالدموع عندئذ حاجة، وسيلة أو فخ شديد الإمساك لدى من يسردون، من يوظفون الأحزان، كما هي حال الحسين مع معتمدي سرده اليوم.

إن ترتيب أحداث التاريخ مع مآرب المتسلطين، هو واقعة أشدّ ظلماً من واقعة الحسين، هو بكاء مُهندَس، حزن مقولب، تفجع محدد الوجهة والخطوات والمآل.

في نص له حول واقعة كربلاء، نشره في جريدة "السفير" في 4 حزيران 2003، يقول هاني فحص تحت عنوان "بين الفتنة السلطانية والوحدة الشعبية": "يبدو أن المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي تغادر موقعها العمومي في نظام الذاكرة والقيم والمشاعر والعلائق محاصرة أو محصورة أو منحصرة في الخصوصيات المستجدة... ما يؤدي إلى احتكارها... خاصة في الفترات التي يتم استدعاء ذكرياتها... بشكل حاد كعامل محفز على إعادة تشكيل عصبيات الجماعات... هذا ما حصل مع حركة الحسين".

ملاحظة ختامية: أنهيت كتابة هذه المادة على وقع صوت الشيخ يتهادى إليّ عبر الذاكرة من مسرح المدينة، وهو يتكلم عن عطش الحسين ثم صوت امرأة جنوبية من بلدة بيت ياحون تصيح عبر إحدى المحطات بأعلى الصوت وحنقه عن حاجتها للماء.
لقد مرّ على حدث الحسين قرون، والعطش ما زال جاثماً.

خرجتُ من الصالة الكبرى لمسرح المدينة، وتناولتُ قرصاً من كعك العباس، ورحت أجترّ طعمه وأجتر دموع هؤلاء المساكين الذين قد حُدد لهم شكل نجاتهم على غفلة منهم، دموع يراد لها أن تكون خطوط خرائط قد لا تحفل بهم في الآتي من الأيام.
لست أدري من قال مرة أن التاريخ يقدم الدروس والسلاطين توظفها. 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها