الجمعة 2022/08/05

آخر تحديث: 19:43 (بيروت)

الجنسية اللبنانية.. حسناء وادي الذئاب

الجمعة 2022/08/05 رشا الأطرش
الجنسية اللبنانية.. حسناء وادي الذئاب
عَلَمها مخضّب بدماء أبنائها (غيتي)
increase حجم الخط decrease
أصدر رئيسا الجمهورية والحكومة، ومعهما وزير الداخلية، نفياً لبنانياً رسمياً للخبر المنشور في صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية عن مرسوم يُجهّز لمنح الجنسية اللبنانية لأربعة آلاف شخص مقابل مبلغ إجمالي يتراوح بين 300 و400 مليون يورو.

جاء التكذيب اللبناني قاطعاً، جازماً، بل وغاضباً متوعداً بمقاضاة الصحيفة المعروفة... فأي طرَفي الحكاية يمتلك مصداقية أكبر؟ سؤال نتركه للعقل والتجربة. لكن، وإن لم تثبت صحّة خبر "ليبراسبيون" بالذات، فإنه لا يشرد بعيداً من خبر مشابه ومؤكد، حينما افتتح الرئيس ميشال عون عهده، العام 2018، بمرسوم تجنيس، بقي سرياً شهراً كاملاً، قبل أن يتسرب إلى الإعلام وتضطر وزارة الداخلية آنذاك إلى نشر أسماء 411 شخصاً شملهم المرسوم، وهم من السوريين والفلسطينيين والعراقيين وجنسيات أخرى. ومِن المستفيدين آنذاك كان رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي وزوجته وأولادهما الثلاثة، نظراً إلى أن والدة علاوي لبنانية. وهذا ليس للقول بأنه لا يستحق الجنسية، بل إن لبنانية والدته يفترض أن تأتيه بها كحقّ طبيعي وبلا منّة أو كلفة. لكن التذكير باسمه هنا هو للإشارة إلى مستوى النخبة السياسية والاقتصادية التي خُصّصت بـ"لفتة كريمة" لا يحظى بها عشرات وربما مئات الآلاف من أولاد الأمهات اللبنانيات المتزوجات من عرب وأجانب... ناهيك عن اشتمال المرسوم إياه أسماء رجال أعمال سوريين مقرّبين من نظام بشار الأسد، تبين أن بعضهم مدرج في لائحة العقوبات الأميركية.

الخبر (المنفي) الجديد، والخبر القديم، يدفعان إلى رسم بورتريه جديد للجنسية اللبنانية. مَن يريدها؟ ومَن يستحقها؟ ولأي غرض؟ وماذا تعني لحامليها اليوم؟ حاملوها الذين، وفي خلال مذبحة سورية ممتدة شارك فيها أيضاً مقاتلون لبنانيون، تراكض بعضهم للتبرؤ منها وانتحال الجنسية السورية طمعاً في حق اللجوء في أوروبا. حاملوها اللبنانيون الذين ماتوا في قوارب الموت، مهاجرين غير شرعيين قتلتهم الأزمة الاقتصادية قبل أن يبتلعهم البحر.

حاملو الجنسية اللبنانية الذي اصطفوا، بمئات الآلاف، على أبواب السفارات أملاً في هجرة تفضي بهم إلى جواز سفر آخر، أو على الأقل لاغترابٍ لا تفسد رعونةُ السلطة عائداتِه المرجوة، بعدما بات العيش في لبنان مرادفاً للعوز والانكسار والتقهقر على سلّم التعليم والصحة وموجودات البرّادات المنزلية... وحاملوها ممّن فقدوها ونسوها في نشأتهم في المهجر، ويلهث خلفهم زعماء الطوائف ليستردوها بطاقة انتخابية موجّهة.

حاملاتها من اللبنانيات اللواتي لا يشعرن بأنها ملكهنّ تماماً ولا بأنهن مكتملات الأهلية لها، وإلا لتمَكّنَّ من تمريرها لأولادهن كإرث طبيعي مثل لغتهنّ وحبّهن وألوان عيونهن. وللمفارقة الحارقة، وبالتزامن مع نشر خبر "ليبراسيون" وبيانات تكذيبه اللبنانية، غرّدت والدة الطفل الأسترالي إسحق أوليرز (2018-2020)، أصغر ضحايا انفجار المرفأ، واضعةً صورة ابنها التي رُفعت في شوارع بيروت في الذكرى الأليمة مع مطلب العدالة، شاكرةً اللبنانيين واللبنانيات على اعتباره واحداً منهم. المأساة والظلم وكينونة الضحية، جعلت إسحق من اللبنانيين وضمّته إلى قلوبهم المحروقة على أولادهم، القلوب الأكثر إنصافاً وعدلاً من السيستم وقوانينه وطغمته الحاكمة. إسحق، مثله مثل ألكسندرا نجار التي لم تلحق الصف الابتدائي الأول، والياس خوري الذي لم يلحق تخرّجه في المدرسة مع رفاقه... ترى، هل كان ليبقى في لبنان قاتله، أم أنه هو أيضاً كان يحلم بالسفر؟

الجنسية اللبنانية يريدها الآن سياسيون وأمنيّون، وأصحاب ثروات صغيرة وكبيرة، بيضاء وسوداء ورمادية، من جنسيات مكلومة أكثر من لبنان، بالحروب والاستبداد والفساد والمروق، ويسعون لتدبر نقل أموالهم أو تهريبها أو تبييضها. ينشدون سهولة تأشيرات وحركة، رغم تضييقها على جوازات السفر اللبنانية في الكثير من الأحيان، إلا أنها ما زالت أرحب من جوازات محيطها... إلى حين، ربما. وفي المقابل، لا يسع اللبنانيين لمس مدخراتهم في المصارف إلا بخسائر جمّة، ولا إرسال أكلاف الجامعات لأولادهم في الخارج.

الجنسية اللبنانية مُرادٌ لا يستعصي على شخصيات سورية متنفّذة بالمال أو السلطة الأسدية، بل إنهم الضيوف المُرحّب به، الذين يُقابلون بالابتسامات وتعظيم السلام. فيما اللاجئ السوري يواجه صيحات ترحيله غير الآمن إلى بلاده، ويُتّهم بـ"سرقة" خبز اللبنانيين وكهربائهم ووقودهم. هو الذي استفادت السلطات وأسواق التوظيف والتجارة اللبنانية من يده العاملة "الرخيصة" الراضية بلا شيء من الضمانات والتأمينات، ويسهل طردها في أي لحظة. واستفادت أيضاً من موازنات دعمه كلاجئ ومن مشاريع شتى تمحورت حول لجوئه.. وذلك، فيما باخرة سورية محمّلة بقمح مشتبه بقوّة في سرقته من أوكرانيا تعرّج على ميناء لبناني يبدو أن ثمة من توخى فيه فكّ عزلة موانئ النظام السوري، مثلما أن بيع الخبز اللبناني المدعوم في السوق السوداء، إضافة إلى تهريبه عبر الحدود اللبنانية السورية، يحقق أرباحاً خيالية لأطراف الصفقة.

الجنسية اللبنانية، لطالبيها الأوفر حظاً في نَيلها، تبدو أشبه بجنسيات تلك الجزر والجنّات الضريبية، ذات الأسماء المستقاة من القصص الخرافية، وحيث وثائق الفضائح حقيقية بأرقام تتحدى الخيال. حسناء وادي الذئاب، وقد أضافت إلى بروفيلها كدولة فاشلة، قسَمات الدول المنبوذة من النظام العالمي عشية خروجها المكلّل بـ"العزّة والكرامة" والعَيش من قلّة الموت.. وهو ليس بقليل.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها