image
السبت 2022/07/23

آخر تحديث: 13:33 (بيروت)

"تشا تشا ريال سموث".. عناق سينمائي دافئ

السبت 2022/07/23 محمد صبحي
increase حجم الخط decrease
كثر يعتبرون كوبر رايف (1997 – تكساس، الولايات المتحدة) من عجائب السينما الأميركية المستقلة. في فيلمه الأول "شيت هاوس"(2020)، الذي لم يخرجه فحسب، بل قام ببطولته أيضاً، يؤدي دور طالب جامعي يكافح مع حياته الاجتماعية المختلة في الحرم الجامعي. أنجز هذه الباكورة في البداية كمقطع فيديو في "يوتيوب"، ثم تحمّس للفكرة المخرج جاي دوبلاس لدرجة أنه شجّع رايف على تحويله إلى فيلم روائي طويل. لم يترك رايف دراسته في الكلية ليصنع الفيلم فحسب، بل فعل ذلك في حرم جامعته من دون تصريح تصوير، متظاهرًا بأنه يصوّر حلقة دراسية. قدّمت الكوميديا ​​التراجيدية نظرة لافتة على وقتٍ تكويني، بالإضافة إلى المخاوف التي قد يشعر بها المرء سراً خلال تلك الفترة.

فيلمه الجديد، "تشا تشا ريال سموث"(*)، رغم أنه ليس تكملة بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أننا نتحدث هذه المرة عن المرحلة التي تلي الكلية مباشرة، إذ يعيد المخرج الصاعد النظر في بعض موضوعاته ويذكّرنا مرة أخرى بفترة انتقالية والصعوبات التي تأتي معها. فاز الفيلم بجائزة الجمهور لهذا العام في مهرجان صندانس السينمائي المرموق. وفيه، يحكي رايف، الذي أخرج وكتب ومثّل من جديد، قصة الشاب أندرو، المتخرّج لتوه من الجامعة من دون أن يستقر على ما سيفعله في حياته. هل يشرع في وظيفة أكاديمية، أم يتجّه لامتهان شيء آخر تماماً؟ يحاول رايف التقاط المرحلة الانتقالية الصعبة لكونك شخصاً متعلماً في أوائل العشرينات من العمر ولا تملك أي فكرة عما سيحدث بعد ذلك أو كيفية الوصول إلى هناك.

عنوان الفيلم، هو تعبير أميركي يعني الخروج من موقف شائك بشكل جيد، ملائم تماماً لأجوائه اللطيفة والمتمركزة حول بطل تحيطه الكائنات وتنطلق منه الأحداث، بتوقيع صانع أفلام "يلعبها بخِفّة" ويعطي شيئاً شخصياً في تناوله أزمة مشتركة لجيل كامل تقريباً يحاول إيجاد نفسه ومكانه الصحيح في العالم. البناء المألوف هنا يؤشر على ما يمكن اعتباره -الآن- نوعاً فيلمياً قائماً بذاته في السينما الأميركية المستقلة: فئة أفلام النضوج المتأخر، حيث يحاول مواليد نهاية القرن الماضي أن يعثروا على هويتهم ومكانهم. بين التشوّش والإرباك وتكرار الأحداث، يتخلّق بورتريه لحياة البطل ويومياته يستحضر عالماً ذاتياً مؤثراً، لكنه محدود. تحيط الشخصيات ببطلٍ يحظى بكل الاهتمام، غير أن شخصياتهم لا تتعمّق أبعد من تلك العلاقة به، ويفضي كل شيء إلى البطل المركزي.


حكاية الفيلم بسيطة. يعيش أندرو مع والديه في أحد أحياء نيوجيرسي، حيث ينتمي أغلب السكّان إلى الطبقة الوسطى، حيث ينام على مرتبة في غرفة الأطفال مع أخيه غير الشقيق ديفيد (إيفان أسانتي). يعمل في سلسلة مطاعم للوجبات السريعة ويفشل بانتظام في إجراء مقابلات للحصول على وظيفة أفضل تتناسب مع تعليمه. ذات ليلة، يرافق شقيقه إلى احتفال "بار ميتزفه" (طقس تعميدي ديني لصبي يهودي بلغ من العمر 13 عاماً ويعتبر مستعداً لمراعاة التعاليم الدينية ومؤهلاً للمشاركة في العبادة العامة)، ويدشّن بلوغ أحد معارفه. وبدافع ضجره من مرأى المراهقين اليافعين، والـ"دي جي" البائس وأجواء حفلات النوادي الاجتماعية؛ يبدأ أندرو المُحبّ للمرح، المنفتح دائماً على ما حوله، في تحريك كل الحاضرين للرقص. وبنجاح مدهش، تتحوَّل الحفلة المتيّبسة إلى أخرى مليئة بالحيوية حيث يترك الجميع العنان لشعرهم وأجسادهم، بما في ذلك فتاة مصابة بالتوحّد تدعى "لولا" (الوافدة الجديدة الساحرة فانيسا بورغهاردت، وهي ممثلة متوحّدة) وأمّها الشابّة دومينو (داكوتا جونسون) ذات الـ29 عاماً. لأن أفضل ما تعلّمه أندرو، عبر شهادته في التسويق والمهارات المصقولة في وسائل التواصل الاجتماعي، هو كيفية الاحتفال، وهو الأمر الذي يفعله المخرج كذلك بفيلمه هذا، كما فعل في سابقه.

بعذوبة وصدق، يفوز أندرو بمودة وثقة دومينو، فضلاً عن دعوته إلى مجالسة لولا. ومن هذا المنطلق، يفتح الباب أيضاً لأندرو ودومينو لقضاء بضع ليالٍ في الدردشة (والمغازلة). يصبح أندرو في نهاية المطاف مسيّر حفلات البلوغ في نيو جيرسي اليهودية، بالإضافة إلى وظيفته المؤقتة في مطعم الوجبات السريعة. في الحفلات، يلتقي مراراً بدومينو وابنتها، وينجذب إلى الأم الشابّة والابنة الضائعة تقريباً وسط هذه الأحداث المرحة. تبدأ صداقة بين الثلاثة، ومنذ ذلك الحين، يعتني أندرو بانتظام بلولا الوحيدة بلا أصدقاء والهدف السهل لتنمُّر ومضايقات المراهقين الآخرين. هو ودومينو أصبحا أيضاً أكثر قرباً وبدءاً ما يشبه علاقة غرامية مربكة، على الرغم من أن المرأة، التي تكبره بسبع سنوات كاملة، مخطوبة في الواقع لمحامٍ يقضي معظم وقته في شيكاغو لأسباب تتعلق بالعمل. بمرور الأسابيع، يتولّد المزيد والمزيد من التوتر الجنسي بين أندرو ودومينو. في الوقت نفسه، تلتهب الأجواء في حفلة أو أخرى، بسبب إسراف أندرو في الشرب، أو تعامله الحاد مع بعض الحاضرين الذين يتصرفون بحذر تجاه لولا وأمّها.

أحداث قد تبدو مألوفة ومكرورة ومتوقعة أيضاً، إلا أن نجاح وازدهار "تشا تشا ريال سموث" عائد بالأساس إلى حيوية ولطف ووديّة أندرو، الذي يعرف رايف كيف يجسّده ببراعة. تخوض شخصيته الحياة بقدر كبير من الثقة في النفس والجرأة، ومردود سيء في التسلسل الهرمي الاجتماعي، وفشل مستمر في الظفر بوظيفة لائقة بشهادته الجامعية، لكنه في مقابل بؤس حياته، يتمتع بتلك الخصائص المحبّبة القادرة على تخفيف أي قطيعة مفترضة مع صاحبها. فهو يدعم باستمرار من حوله، ويجعل أعمال الرعاية تلك أحداثاً مبهجة، والتي من خلالها هو نفسه ينجرف بعيداً، سواء كان يدعم أخيه غير الشقيق، الذي يعاني تنمُّر زميله في الفصل، أو يتآلف ويصاحب لولا الحساسة المنعزلة، أو يساعد والدتها دومينو في الخروج من مأزق في احتفال اجتماعي. ذكورة مقبولة ومُحبَّبة في زمن الصوابية السياسية؟ ربما، لكن اختصار الفيلم في هذا الإطار سيظلمه كثيراً.

بلا مطّ أو حشو، يخبرنا هذا الفيلم الممتد لساعتين تقريباً والمليء بالذكاء والسخرية، بجلاء عن الرغبة والصراع من أجل القدرة على الانخراط في علاقات أو في بعض الأحيان للحفاظ على مسافة ممن نحبّهم من دون حرق كل الجسور على الفور. تتحدث الشخصيات في هذا الفيلم كثيراً عن الحب والرغبة. بفعله هذا، فإنه يتصدّى للخطاب البرجوازي-الرومانسي حول الحبّ، ويتقدّم نحو نهايته بتظهير الاحتياجات المختلفة للناس. ما الذي تعنيه الرغبة في علاقة راسخة ودائمة؟ ما سحر الاحتمالات غير الملزمة؟ إلى أين أريد أن أذهب مع رغبتي؟ ما التقدير المستقبلي؟ وكيف نتعامل مع كل فوضانا العاطفية؟ كل هذا ينتظم هنا بطريقة مباشرة ورائعة ولا تقتصر على وجهة نظر بعينها، وربما لذلك لا عجب أن هذا الفيلم المؤثر قد استقبله الجمهور بحفاوة في مهرجان "صندانس" السينمائي.

يُقال إن "آبل تي في" -التي أصبحت بشكل متزايد أقرب ما يكون للفرع الثقافي لمنصّات البث، مع سلسلة الاقتباسات الأدبية التي تحوزها وتنتجها- قد استثمرت 15 مليون دولار مقابل شراء "تشا تشا ريال سموث". كوبر رايف هو بالتأكيد شخص يجب متابعته. ومن المثير للاهتمام معرفة أنه يستعد حالياً لتصوير رواية "أوقات مثيرة" للكاتبة الإيرلندية الصاعدة الأكثر مبيعاً نايش دولان، التي تقارن عادة بمواطنتها الأشهر سالي روني.

(*) يُعرض حالياً في "آبل تي في بلس".
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها