الخميس 2022/06/09

آخر تحديث: 13:13 (بيروت)

هل يحمي الثوب الإلكتروني المجاني مؤلفات نجيب محفوظ؟

الخميس 2022/06/09 شريف الشافعي
هل يحمي الثوب الإلكتروني المجاني مؤلفات نجيب محفوظ؟
الحرافيش بين الإصدارين الورقي والإلكتروني
increase حجم الخط decrease
في العامين 1956 و1977 صدرت روايتا نجيب محفوظ الشهيرتان "بين القصرين" و"الحرافيش" ورقيًّا عن "مكتبة مصر" في القاهرة. ومنذ أيام قليلة، في مايو/أيار 2022، صدرت الروايتان إلكترونيًّا وبالمجان للمرة الأولى عبر منصّات "هنداوي"، المسجّلة في بريطانيا كمؤسسة خيرية غير ربحية. فهل تُنهي هذه المرحلة الجديدة، التي تتاح فيها أعمال أديب نوبل للجميع، مسلسل الجدل الذي ارتبط بتعدد جهات النشر وتنافسها في طرح مؤلفات محفوظ بأسعار مرتفعة وبصيغ متباينة "شكلًا ومضمونًا" خلال السنوات الماضية؟

وإذا كان مؤكدًا أن هذا الثوب الإلكتروني المجاني، سيقوم بالضرورة بدور إيجابي في حماية تراث نجيب محفوظ في ذاكرة الأجيال، وضمان توفير مؤلفاته بمرونة وسهولة ودون مقابل مادي لقطاع عريض من الجمهور العربي، خصوصًا الشباب والناشئة ممن لم يعاصروه في حياته (1911-2006)، فهل يكفل النشر الإلكتروني المجاني حماية أخرى من القرصنة والتزوير لمؤلفات أديب العربية الأبرز والأكثر انتشارًا، التي طالما تعرضت للسرقة، وربما للتشويه والتحريف؟

ينص الاتفاق القانوني بين "هنداوي" وأسرة نجيب محفوظ على أحقية المؤسسة في نشر "أعماله الكاملة" (الروايات، والمسرحيات، والقصص القصيرة، وكل ما أُنتج) عبر منصّاتها الإلكترونية مجانًا مدى الحياة، عبر الموقع الإلكتروني للمؤسسة، وتطبيق "هنداوي كتب". وقد بدأ النشر فعليًّا بروايتي "الحرافيش" و"بين القصرين"، مع إمكانية تحميل كل منهما بثلاث هيئات: (ePub)، و(PDF)، و(KFX). ويأتي هذا بالتزامن مع حصول دار نشر أخرى هي "ديوان" على حقوق نشر الأعمال الكاملة لمحفوظ ورقيًّا وصوتيًّا بشكل حصري، لمدة 15 عامًا.

وهذه الخطوة الإلكترونية لنشر كتب محفوظ بالمجان، وفق مؤسسة هنداوي، تنطلق من رؤيتها ورسالتها التنويرية في تحقيق الريادة في إثراء المعرفة، وإتاحتها للناطقين باللغة العربية، في كل أنحاء العالم، واستكمالًا لنشر أعمال كبار المفكرين والأدباء، من أمثال: طه حسين، يوسف إدريس، زكي نجيب محمود، فؤاد زكريا، حسن حنفي، عبد الغفار مكاوي، وغيرهم. وتسعى المؤسسة إلى "أن تعكس إصداراتها تطلعات القارئ العربي، من أجل إثراء العقل، وقدح الذهن، وإشعال الفكر، بأفضل محتوى، كمؤسسة غير هادفة للربح، تهدف إلى نشر المعرفة والثقافة، وغرس حب القراءة بين المتحدثين باللغة العربية".



وبعيدًا من تفاصيل الأمور المالية، بشأن أن قيمة التعاقد مع أسرة نجيب محفوظ بلغت 6 ملايين جنيه، وأن المؤسسة الخيرية التي أسسها بروفيسور الفيزياء المصري البريطاني أحمد هنداوي تنفق من جيب مُنشئها وزوجته، ودون انتظار لأي ربح، قرابة نصف مليون دولار سنويًّا من أجل تنمية القراءة بين الناطقين بالعربية، فإن هذه المرحلة هي الأكثر جدية وفاعلية بين مراحل نشر مؤلفات نجيب محفوظ، التي ربما لم يتعامل معها بعض الناشرين من قبل التعامل اللائق.

على المستوى الكمّي، فإن الإتاحة الإلكترونية المجانية لمؤلفات محفوظ، بكل الهيئات الرقمية الممكنة، ستضمن بالتأكيد أرقام توزيع ضخمة لأعماله، تتفوق على جميع دور النشر السابقة التي تعامل معها في حياته، وتعاملت معها أسرته بعد وفاته. ومنها مكتبة مصر مثلًا، التي راحت تشكو "في بيانات رسمية معلنة" من ضعف مبيعات مؤلفات محفوظ قبيل رحيله، الأمر الذي أغضبه، فحوّل المسار إلى دار الشروق. وهذه الدار، بدورها، لم توزع بشكل كبير، نظرًا لارتفاع أسعارها، ولأسباب أخرى تتعلق بحجبها بعض مؤلفات محفوظ، وتدخلها في مضمون أعمال أخرى وتغيير عناوينها بدعوى التلخيص والتبسيط، وما إلى ذلك من أمور مثيرة للجدل.

وستفوق أرقام توزيع النسخ المجانية الإلكترونية بطبيعة الحال بقية دور النشر التي نشرت لمحفوظ عدداً قليلاً من الكتب في ظروف خاصة، ومنها دار الآداب ("أولاد حارتنا"، 1967)، ودار "الساقي" (المجموعة القصصية "همس النجوم"، 2020)، و"الدار المصرية اللبنانية" (مقالات نجيب محفوظ الصحافية)، ومكتبة الجامعة الأميركية التي عنيت أكثر بترجماته. وتفيد أرقام مؤسسة هنداوي بأنه يجري تحميل قرابة مليون كتاب بصفة شهرية من على منصاتها لمختلف العناوين من إصداراتها، وسيكون لمحفوظ حظ وافٍ من هذا الإقبال كونه الاسم الأبرز بين قائمة المؤلفين.

وفي ما يخص المستوى النوعي الكيفي، فإن الثوب الإلكتروني المجاني لمؤلفات نجيب محفوظ يسعى إلى تفادي العيوب والسلبيات والتناقضات والأزمات التي تعلقت بالشكل والمضمون في أعمال محفوظ الصادرة في الطبعات السابقة. فمن جهة الإخراج مثلًا، تخلى الإصدار الإلكتروني لكل من "الحرافيش" و"بين القصرين" عن الغلاف الواقعي التشخيصي في طبعات مكتبة مصر، وعن الرسم الفانتازي الحُلمي في طبعات دار الشروق، لتصدر الروايتان بصورة لمحفوظ واسمه، على خلفية بيضاء، فلا يدخل القارئ إلى عوالم محفوظ إلا من خلال محفوظ ذاته.

ومع بساطة الغلاف، هناك سهولة في التصفح في كافة الصيغ الرقمية، مع الاهتمام بوضوح شكل الحرف، وكبر حجمه، وخلوه من الزخارف. وقبل تحميل القارئ لأية رواية، فإنه يتعرف من خلال المنصة على تعريف تشويقي بها، وبشخوصها، مع قراءة مقتبس من النص. فقبل تحميل "الحرافيش" يقرأ المتلقي "عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبض على أهداب الرؤية فغاصت قبضتُه في أمواج الظلام الجليل، وانتفض ناهضًا ثمِلًا بالإلهام والقدرة، فقال له قلبه لا تجزع، فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة". وقبل تحميل "بين القصرين" يجد القارئ: "ومع أنه كان يُعاقِر الخمر كلَّ ليلة إلى إفراطٍ في الشرب حتى السُّكْر، إلا أنه لم يكن ليُقرِّر العودة إلى بيته حتى تُزايِله سَوْرةُ الخمر، ويستعيدَ سيطرتَه على نفسه؛ حرصًا منه على وقاره، والمظهر الذي يجب أن يبدو به في بيته".

أما من جهة تحقيق المضمون، وتدقيقه، وضمان تقديم نصوص إلكترونية تُطابق ما كتبه محفوظ فعليًّا، على عكس ما كان يحدث من قبل في الطبعات المختلفة والمتناقضة لدى دور النشر السابقة، فإن مؤسسة هنداوي تتعهد في هذا الصدد بالرجوع إلى مختصين، تحرّيًا للدقة والأمانة، ومنعًا لأي لبس، للوصول إلى النص المحفوظي الأصلي، بعيدًا من أي تدخل رقابي سابق، أو أي تحريف أو خطأ قامت به أية جهة نشر.

والحقيقة، فإن أكثر من سبب يجعل الإصدارات الإلكترونية الجديدة لمؤلفات محفوظ في مأمن نسبي من الأخطاء والتشويه والتحريف، قياسًا بما حدث من قبل مع دور النشر الأخرى. فمن السهولة بمعاونة الخبراء والنقاد والمختصين، وبالتواصل المباشر مع الأسرة، انتقاء النص الأصلي للكاتب بدقة. وليس هناك أي ضاغط رقابي؛ سياسي أو ديني أو مجتمعي، يمكن أن يؤثر في مؤسسة تنشر كتبها بطلاقة وحرية من بريطانيا. كذلك، فإن عدم قصدية الربح، سيلغي احتمالية توجيه المحتوى أو العبث به أو تغيير العنوان وما إلى ذلك من المعالجات التجارية التي قد يقوم بها ناشر لتسويق مبيعاته.

ولعل تلك الضمانات، المفترض أنها متحققة نظريًّا وأنها تحققت فعليًّا في "الحرافيش" و"بين القصرين"، ستتأكد أكثر وأكثر عندما تصدر المؤسسة مؤلفات محفوظ الأخرى التي أثارت الجدل من قبل، ومنها "أولاد حارتنا"، التي لم تجرؤ دار نشر مصرية على نشرها لأسباب رقابية، وتصدت لها دار "الآداب" اللبنانية. وكذلك "عبث الأقدار"، التي نشرتها دار "الشروق" بعنوان "عجائب الأقدار"، بدعوى أنها طبعة مبسّطة للشباب، في حين اتهمها المعارضون بأنها حرّفت الرواية وعنوانها لأسباب تجارية، وممالقة للتيارات الدينية السائدة.

مع صدور مثل هذه الأعمال الشائكة، وغيرها من سلسلة مؤلفات محفوظ الكاملة، سيتجلى آنذاك بوضوح: إلى أي مدى تمكّن الثوب الإلكتروني المجاني من حماية تراث نجيب محفوظ، ليس فقط حمايته من التراجع والاندثار، وعمليات السرقة والقرصنة، وإنما أيضًا حمايته من التجرؤ عليه بالتحريف والتجريف.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها