الأربعاء 2022/06/08

آخر تحديث: 11:46 (بيروت)

عِشرة زينب دندش... وحبّ سحر حيدر

الأربعاء 2022/06/08 محمد شرف
increase حجم الخط decrease
في معرض الفنانة اللبنانية زينب دندش، الذي أقيم في "متحف بيت بيروت"- السوديكو، اجتمعت مناسبتان في وقت واحد: المعرض التشكيلي الذي تقيمه الفنانة، وتوقيع كتاب "أكتبني حين أحببتني" لسحر حيدر. يعود السبب إلى أن علاقة صداقة قديمة تربط الفنانة بالكاتبة، وشاءتا أن تكون المناسبة مزدوجة. كما تجدر الإشارة إلى أن حفلة الإفتتاح تضمّنت أيضاً ندوة شاركت فيها الفنّانة والكاتبة، إضافة إلى متحدثين آخرين.

لا أعلم الكثير عن سحر نبيه حيدر في الوقت الحالي. ولأننا ننتمي إلى المدينة نفسها: بعلبك، فقد عرفت أباها، الذي انتقل إلى العالم الآخر منذ نحو 25 عاماً. كان نبيه حيدر واحداً من ألطف سكان المدينة، وذلك خلال زمن مضى كانت اللطافة فيه سائدة، قبل أن تصبح اليوم عملة نادرة، نبحث عنها "بالسراج والفتيلة". أمّا سحر، فقد كنت ألحظها من بعد، حين كنت فتى، وهي صبية صغيرة تتمتع بحسنٍ خارجي لافت. لا شك أن هذه الناحية الفيزيائية ما زالت حاضرة لديها، وقد أضيفت إليها كتابة الشعر: "أتلمس أمان جدودي/ فلا أرى سوى شرودي/ عبثاً أستنبت جذوري/ أنقّب عن نذوري/ في عالم الشرور". تجدر الإشارة إلى أن والد سحر، لم يرحل عن هذا العالم إثر مرضٍ أو حادث سير، بل أردته رصاصات غادرة في ظروف لا مجال لذكرها.


(بيت السعادة)

قد لا تنتمي عبارات سحر حيدر المذكورة إلى الكتاب الذي تم توقيعه، إذ وجدناها في مكان آخر، في حين لم نطّلع على الكتاب بعد، لكنها تمثل في نظرنا، ولو من بعد، صورة عن مدينة عرفتها سحر "كانت صرحاً من خيال .. فهوَت".

المقطع السابق، بما فيه من طابع أقرب إلى الحميمية، كان لا بدّ منه. فنحن الثلاثة، الشاعرة والفنانة وأنا، ننتمي إلى المدينة نفسها. هذا الطابع الحميمي لا يغيب أيضاً عن أعمال زينب دندش، بل يقع في صلبها. يحمل معرض الفنّانة عنوان "عشرة عمر". التسمية باعثة على الفضول، إضافة إلى ما يمكن أن تثيره من تأويل وتواردات، في حال جهلنا بالدوافع والمحفّزات. تبين لنا أن زينب كانت ترعرعت في بيت يضم عشر فتيات وأربعة صبيان، هم أبناء لوالدين شاءت الأقدار أن تكون ذرّيتهما كثيرة الأفراد، وأن يكون المنزل مكاناً "لعِشرة" تجمع بين الجميع، بحسب ما تفيد الفنانة.

هكذا، تبدو التسمية مزدوجة المعنى: عِشرة من هنا، وعشر فتيات من هناك، وبيت إتسع لمختلف أنواع المشاعر والحوادث والمجريات. وإذا ما استعرضنا عناوين أعمال زينب، لوجدناها شاهدة على ذلك الردح من الزمن، الذي لم يمضِ على الوتيرة نفسها: "عروستنا الحلوة"، "لحن الخلود"، "بنات الأرض"، "بيت السعادة"، "الحداد"، "السكينة"، "المحبة"، وسوى ذلك من عناوين شاهدة على تقلّبات جعلت من الحياة اليومية بعيدة كل البعد من الرتابة. وإذا كانت زينب درست الفن متأخرة، وربما في الوقت نفسه لبدء إحدى بناتها دراستها الجامعية، فلأنها كانت مشغولة بتربية أولادها، ولم يتوافر لها الوقت اللازم من أجل القيام بمهمات أخرى. على أن هذه الفترة الممتدّة من البيت العائلي، إلى الأسرة الذاتية، وصولاً إلى دراسة الفن، أورثتها صوراً لا تُحصى مشتقة من يوميات عائلة كثيرة الأفراد، وذلك على عكس من شرع في الإنتاج الفني، أو سواه، وهو لم يذق بعد حلو الحياة ومرّها، إلاّ على نحو مجتزأ.

على هذا الأساس، تبدو أعمال الفنانة أشبه بخزانة من الذكريات انفتحت على مصراعيها. صحيح أن هذه الذكريات تمتلك طابعاً ذاتياً، لكن الفنانة ليست البطلة الوحيدة، بل هي واحدة من إناث-أخوات عديدات تحتل قاماتهن مساحة المضمون التشكيلي الذي رأيناه أمام عيوننا. جاءت اللوحات، في معظمها، على شكل مستطيلات أفقية، ما يُعتبر نهجاً تأليفياً يتوافق، من ناحية المبدأ، مع ضرورات الإحاطة بالحدث، وذلك في يشبه النتاج البانورامي من الناحية العملية. في هذا المجال، حرصت الفنانة على توازن مدروس في ما يتعلّق بتوزيع القامات، بحيث لا يتطابق الخط الأفقي لإحداها مع الأخرى، وهذا الأمر يُعتبر أساساً في التأليف الصائب، الذي يتأتّى بنتيجة الخبرة.

لا شك أن اللون لعب دوراً محورياً في أعمال زينب دندش. كانت الفنانة صنّفت أعمالها ضمن خانة التعبيرية. التصنيف في محلّه، مع ضرورة الإشارة إلى أن التعبيرية فسيحة في معانيها ومدلولاتها، كما هو معروف. اللون الإصطلاحي حاضر في الأعمال، كما التحوير المقصود في الرسم، بحيث ينحرف المنتج عن التصوير الواقعي، أو لنقل الأشد واقعية، والذي لا يبدو ذا أهمية، طالما أن النتيجة تفضي إلى الهدف المطلوب. إلى ذلك، يحضر البعد الشعوري، كما المفعول البصري، ما يؤدي إلى متعة لدى المتلقي لدى معاينة العمل في كلّيته، قبل الإنصراف إلى التفاصيل: زخرفة ذات وجه تراثي، معالجة مختلفة للسطوح تتضمن موتيفات ورموزاً. هذا كلّه إن دلّ على شيء، فعلى عناية خاصة باللوحة، وجهد واضح يدلّ على مقاربة جديّة للموضوع التشكيلي.

(*) ينتقل المعرض إلى الرابطة الثقافية طرابلس - قاعة المؤتمرات، في 10 حزيران الجاري، ويتخلل الافتتاح عزف على العود وغناء شرقي مع الفنانة والملحنة هناء شرانق.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها