image
الثلاثاء 2022/06/28

آخر تحديث: 16:19 (بيروت)

"حزب الله" في أربعينه.... من المزحة إلى الهيمنة

الثلاثاء 2022/06/28 محمد حجيري
increase حجم الخط decrease
في خلال النصف الأول من الثمانينيات من القرن الماضي، سادت مزحة في بعض المناطق اللبنانية، مفادها أنه إذا ما سئل أحدهم في أي حزب أنت؟ يقول ممازحاً في "حزب الله"... على اعتبار أن هذا الحزب موجود افتراضياً، ولم يكن بعضهم يأخذ حضوره على محمل الجدّ... وسرعان ما بدأ الحزب بالتمدّد وكسب التأييد والتشعّب، وبناء الخلايا والحوزات الدينية، وبدأت ثقافته بالظهور والانتشار، سواء من خلال إطلاق الشبان لِحاهم أو إلصاق صور "روح الله الخميني" على جدران المنازل، أو كتابة عبارات مندّدة بـ"الشيطان الأكبر" أو داعية إلى الثورة الإسلامية ضد "الاستكبار". ومالت الإيديولوجيا الشيعية من مناصرة "المحرومين" المنبثقة عن حركة الإمام موسى الصدر، إلى الحرب على "الاستكبار" والطاغوت الآتية من الثقافة الخمينية. وفي موازاة صور الخميني وأنصابه وثورته، كان الحديث عن التشادور كزيٍّ ديني ومذهبي نسائي جديد، مع عبارات "حجابك اختي أغلى من دمي"، وقيل إن اللواتي كنّ يرتدينه (والله أعلم) تقاضَين مبلغاً أو راتباً شهرياً في البدايات، وهذا من ضمن الشائعات والأقاويل. وما فعله التشادور أنه أطاح الأزياء القروية النسائية المحلية، وتحديداً الإيشارب.

وعدا ذلك، عشنا زمناً ونحن نتحدث عن "حزب الله" وعلاقة عناصره أو محازبيه الخاصة بسيارة الفولفو ستايشن المتينة والصلبة، إذ انتشر في بداية الثمانينات: "إن للمقاتل (بندقية) إم-16 لمّيعة وفولفو سريعة وامرأة مطيعة". ولا نعرف سرّ تحول الكثيرين منهم لاحقاً لاقتناء الرانجات أو السيارات الأميركية رباعية الدفع، سواء الإنفوي أو الجيب شيروكي. إلى جانب هذه الموجة من الثقافة، كنا على إيقاع أخبار صاخبة وعنيفة، تتمثل في خطف الرهائن الأجانب في بيروت، والمفاوضات العويصة لإطلاقهم، وحرب إقليم التفاح، وحرب الضاحية ومقتلة ثكنة فتح الله على يد الجيش السوري العام 1987. ومع بداية التسعينيات، كان "حزب الله الجهادي"، يدخل السياسة اللبنانية في مرحلة ما بعد الطائف بخجل، مفضلاً ميدان السلاح والمقاومة بعد منع مقاومات الآخرين، ثم شارك في الانتخابات النيابية العام 1992 بطلب إقليمي، بما يحفظ مكانه في البرلمان من دون الدخول إلى مجلس الوزراء، ومن دون إعطاء الثقة للحكومات الحريرية المتعاقبة.

كان عمل "حزب الله" الأساس، التركيز على "الإعلام الحربي" وتصوير عملياته في الجنوب والبقاع الغربي وبثها عبر قناة "المنار"، وإظهار بسالته القتالية واحترافيته في الاقتحام. وتخلل هذه الفترة أكثر من جولة حربية، كحرب الأيام السبعة العام 1993، وحرب نيسان أو "عناقيد الغضب" العام 1996، وراجت ثنائية مقاومة حزب الله وأمنه مع إعمار رفيق الحريري واقتصاده، مذيلة بسؤالَي: هانوي أم شنغهاي؟ الحرب أم الاقتصاد؟ وانتهى المطاف بانسحاب اسرائيل من الجنوب العام 2000...



على مدى السنوات منذ العام 1982، بدأ نشاط حزب الله وعمله الحربي وولادته من "أحشاء مجتمع مزقته الحرب الأهلية"، إلى حين رحيل الاحتلال الاسرائيلي، وكان الحزب يتغلغل أكثر في الطائفة الشيعية ومكوناتها الاجتماعية، ذلك أن زيادة عدد رجال الدين الشيعة الدارسين في الحوزة الإيرانية أو المتأثرين بها وبولاية الفقيه كان في ازدياد وتنامٍ، مترافقاً مع موجة ضخمة من الشبان المتفرغين حزبياً وموجة خدمات عامة وعطايا، وهيمنة على البلديات والمرافق العامة، يوظفها الحزب بما يناسب ثقافته السياسية والإيديولوجية، الى جانب أنه يوزع خزانات المياه في الأحياء ويشيّد المستشفيات في المدن والقرى، ويفتح المؤسسات المالية والعمرانية والعقارية، ويشجع الأجيال على ارتياد "مدراس المهدي" وغيرها، وهي تربيهم على إيديولوجيا حزب الله والثورة الإيرانية. ومؤخراً باتت التوجيهات تتمثل في تمجيد قائد "فيلق القدس"، قاسم سليماني، الذي اغتالته طائرة أميركية في بغداد. و"مدراس المهدي" وكشافته، إشارتان إلى كيفية تأسيس مجتمع عسكري وإيدلويوجي شديد التراص والولاء.

المشهد برمته يشير إلى أن الحزب عبارة عن تنظيم إداري جهازي حديدي، ذي طابع ستاليني "يختفي خلف الشعار الشيعي الديني"، ومَن يخالف العمل الجهازي أو النظامي "السيستمي"، يُجمَّد أو يُطرد، على نحو ما حصل مع نايف كريم أو نواف الموسوي. وفرض الحزب هيمنته، ليس على مناصريه فحسب، بل على معظم الطائفة الشيعية، وتمدّد إلى الطوائف الاخرى من خلال ما سُمّي "سرايا المقاومة". وإذا تأمّلنا جانباً من أحوال الانتخابات النيابية في لبنان، لاحظنا مدى تمدّد "حزب الله" وهيمنته. ففي مرحلة معينة، كانت لوائح المعارضة اليسارية والشيوعية والنقابية لما يسمى "البوسطة" او "المحدلة" في الجنوب، تحصد ما يقارب 90 ألف صوت، وتراجعت النسبة هذه الى نحو الربع أو اضمحلت. حتى شريك "حزب الله"، أي "حركة أمل"، بدا من خلال نسب الأصوات أنه تراجع بشكل مريع لمصلحة الحزب وشخصياته. وبات الحزب، وتحديداً في الجنوب وبعلبك الهرمل، يمنع وصول أي مرشح للانتخابات من خارج لوائح الثنائي (باستثناء "معجزة" الدورة الأخيرة).

وكان ظن البعض أن "الحزب" أنجز التحرير والمهمّة العام 2000 وبالتالي استراح من الأهداف الحربية والقتالية. لكن، وفيما كان بعض السياسيين يطمحون إلى خلق أفق جديد لما بعد الانسحاب الاسرائيلي، كان الحزب يعكف على التسلّح وحفر الخنادق والأنفاق وإنشاء المناطق العسكرية ومستودعات الصواريخ وحتى الطائرات من دون طيار، في مرحلة كانت سوريا الأسدية تشهد تحولاً بعد وفاة حافظ الاسد ومجيء الوريث البيولوجي. وكانت نتيجة التحول والتوجه الأمني الإقليمي، اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، ودخول لبنان في أتون انقسامات حادة. فـ"حزب الله"، على نقيض أكثرية اللبنانيين، لجأ الى إقامة تظاهرة في وسط بيروت بعنوان "شكراً سوريا الأسد" في 8 آذار 2005، وكان ردّ الفعل في 14 آذار في أكبر تظاهرة في تاريخ لبنان. بعدها، توهم كثر أن لبنان سيعيش في نعيم الاستقلال بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في نيسان 2005.

لكن الواقع أن "حزب الله" تحول بديلاً عن النظام السوري وقبضته الأمنية، وإن كان لا يحكم بشكل مباشر، إلا أنه فرض واقعه وتحالفه الرباعي. ولما شعَر بالضيق، جأ الى اتفاق مار مخايل مع العونيين الباسيليين، الذي أمّن له الغطاء المسيحي، وأتت "حرب تموز" 2006 لتفرض واقعاً مراً وقاسياً، فدمرت البنية التحتية والاقتصاد، وزاد الانقسام في البلد، وشاع خطاب التخوين وتصنيف الناس بين "العملاء" و"أشرف الناس". ولئن بقيت القوات الدولية في الجنوب، إلا أن الحزب أيضاً مكث في خنادق المواجهة أو أنفاقها، وفرض نوعاً من سياسة الشارع والاعتصام وبالتالي سياسة التعطيل، وترسخ ذلك في اتفاق الدوحة العام 2008، بمعنى آخر، تحول "حزب الله" من الجهادية إلى "البراغماتية" بمعناها السلبي، ومن التعاطي بهامشية في السياسية المحلية، الى التحكم بهذه السياسية والهيمنة على مفاصل الأمور، استطاع أن يطيح قوى 14 آذار بعد صولات وجولات وغوة 7 آيار 2008 وأعمال عنف وقتل، انتهت وربّما لم تتنه، بالمشاركة في الحرب السورية تحت شعار "حماية" المراقد المقدسة أو الدينية، وساهم في إنقاذ النظام الأسدي، والتهجير الديموغرافي المذهبي السوري في الكثير من المناطق والنواحي...

وبات الحزب متحكّماً فعلياً في لبنان، يفرض شكل الحكومة وقانون الانتخاب الذي يناسبه ورئيس الجمهورية الذي يطيعه. وفي المحصلة، فإن الحزب، ووقائع كثيرة، حكومية وعونية وثورية واجتماعية وإقليمية وطائفية، كلها أخذت لبنان إلى الواقع الذي نعيشه اليوم، أي أننا بتنا نبحث عن رغيف الخبز.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها